بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 8 فبراير 2019

المبالغات في الأدب والفكر والانفعالات، والصحة النفسية:


المبالغات في  الأدب والفكر والانفعالات، والصحة النفسية:
 د. حسان المالح 

المبالغة أو التضخيم صفة أساسية في التكوين النفسي للإنسان، وعكسها التخفيف والتصغير. ويرتبط ذلك بآلية الانفعالات المختلفة التي تتحرك وتنشط تلقائياً دون تقييد أو مراقبة. وعادة تؤدي هذه الانفعالات إلى أفكار مصاحبة عقلية تشبهها في حدتها ومبالغاتها.
ومن الناحية العملية وجدت الدراسات المعرفية أن تعديل حدة الفكرة وجعلها نسبية وليست مطلقة أو معممة، يمكن أن يعدل في شدة الانفعال. وببساطة فإن المزاج الحزين يؤدي إلى أفكار حزينة، وتعديل الفكرة الحزينة يؤدي إلى تحسن المزاج وإلى حزن أقل.
ويتميز الأدب بأنه نشاط لغوي وعقلي وتخيلي يرتكز على الانفعالات المختلفة. ولا يوجد أدب عقلاني منطقي علمي، وهنا يمكن إطلاق أوصاف نسبية على الأدب حيث تختلف نسبياً في مبالغاتها، مثل الأدب الواقعي مقارنة مع الأدب الرومانسي. والواقعية تعني هنا مزيداً من المنطق العملي بعيداً عن الخيالية والمبالغات التي يتصف بها الأدب الرومانسي.
وفي ثقافتنا العربية الأدبية القديمة شواهد عديدة على المبالغة في المدح وفي الهجاء، وفي الغزل، وفي الاعتداد بالنفس، وغير ذلك.
"رماك الحاسدون بكل عيب .. وعيبك أن حسنك لا يعاب"
وهنا مبالغة عجيبة في المديح، وهي مثيرة وشيقة وتجد إقبالاً وترحيباً من كثيرين، لأنها تتعامل مع الجانب الخيالي من العقل. وفي ذلك تفسير للولع بالمطلق وفي تفسير التعلق بالأدب عموماً لأنه يرضي رغبات طفولية نرجسية وخيالية بالقوة المطلقة.
ويرتبط ذلك في حالات متطرفة باضطراب المزاج ثنائي القطب، الذي يصيب كثيراً من الأدباء والفنانين والمبدعين وغيرهم.
حيث نجد أفكار العظمة والغرور والتفوق وهذياناتها بأشكالها المتنوعة. ونجد الانفعالات الحادة المتنوعة، مثل الفرح والبهجة والغضب والحزن والألم. وكل ذلك له درجات خفيفة أو متوسطة أو شديدة، وفقاً للحالة المرضية.
ويقال حول الأدب: "أجمل الشعر أكذبه"، وفي ذلك اكتشاف عميق لتكوين العقل البشري ومبالغاته ورغباته الخيالية. كما يرتبط ذلك في بعض الحالات بإدمان الكذب وتغيير الحقائق وسلوكيات الشخصيات المضادة للمجتمع وقيمه، أو ما يرتبط بها من اضطرابات في الشخصية، والتي تحتاج إلى وضع الحدود لها وضبط سلوكها المؤذي.
ويقول محمود درويش: "الخطابة هي الكفاءة العالية في رفع الكذب إلى مرتبة الطرب، وفي الخطابة يكون الصدق زلة لسان".
ومما لا شك فيه أن الواقعية والتفكير العملي هما أساس الصحة النفسية. وتعديل المبالغات هو جزء من العلاج، وأساس في الوقاية من بعض الاضطرابات النفسية.
ولا بد من توجيه العقل والخيال نحو البحث عن الحلول في مختلف المشكلات اليومية والنفسية والاجتماعية، بدلاً عن الاستغراق في المبالغات والانفعالات والرومانسية، أو الاستمرار في الكذب والاحتيال على النفس أو الآخرين.
وأخيراً .. يقول تولستوي: "الرومانسية هي الخوف من النظر إلى عيني الحقيقة".
دمشق 7/2/2019
ملاحظة: جميع محتويات حياتنا النفسية موجودة في صفحة خاصة بتاريخ 29 يوليو/2018 على الرابط التالي