بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 28 أغسطس 2016

اضطراب الشخصية النرجسية - مراجعة عامة: Narcissistic Personality Disorder, an Overview

اضطراب الشخصية النرجسية - مراجعة عامة:
Narcissistic Personality Disorder, an Overview

د.حسان المالح - استشاري الطب النفسي - دمشق - العيادة النفسية الاستشارية - شارع العابد - جوار المطعم الصحي 2322841- أستاذ محاضر في الجامعة العربية الدولية (الأوربية سابقاً)
مقدمة:
يستعمل مصطلح النرجسية عموماً بالمعنى السلبي .. وهو يقترن بالأنانية وحب الذات المفرط والشخصية المدللة التي لاتتحمل المسؤولية ولاتعطي بل تأخذ دائماً ..
وفي الجانب الآخر يستعمل المصطلح بمعنى حب الذات الطبيعي والاعتيادي وأننا جميعاً لدينا رغبات نرجسية تحتاج إلى الإشباع .. وأيضاً أن الدوافع النرجسية وحب الذات موجودة من الطفولة ومن الضروري إشباعها وتلبيتها ..
وببساطة يمكن أن يطرح موضوع النرجسية بشكل كمي ونسبي .. أي أن هناك درجة طبيعية مقبولة وضرورية من النرجسية عند جميع البشر ، ولكنها عندما تزيد في كميتها وشدتها فإنها تصبح مرضية وضارة ومؤذية مما يطرح أهمية الجهود للحد من النرجسية المفرطة والوقاية منها وتعديل الأساليب التربوية والقيم التي تؤكد على الفردية والأنانية.
وفي الحياة اليومية والتربية والأخلاق والدين يستعمل مصطلح النرجسية كمصطلح مرادف ومرافق للأنانية والدلال الزائد، ومعاكس للغيرية والشعور بالمسؤولية.
ويستعمل المصطلح أيضاً بمعنى حب الذات الطبيعي والاعتيادي المقبول والمطلوب ، في قضايا تربوية وحقوقية وقانونية .. مثل التعبير عن الذات وحقوقها وحقوق الطفل والمرأة والأقليات والشعوب .. ويؤدي الظلم والاضطهاد إلى جروح نرجسية عميقة وردود فعل متنوعة عدوانية ، وتماهي مع البطل المثالي وغير ذلك.
وفي عصرنا الحالي يزداد الاهتمام بالفردية والشكل والصورة والتجميل .. وربما يساهم ذلك في ازدياد السلوك النرجسي ..
ويرجع مصطلح النرجسية إلى الأسطورة اليونانية .. وتحكي الأسطورة أن شاباً جميلاً إسمه نرجس Narcissus رفض حب الحورية المرسلة إليه من قبل الآلهة .. فعاقبته بأن يعشق صورة وجهه المنعكسة على صفحة الماء .. ثم حولته إلى زهرة النرجس .وفي رواية أخرى لنفس الأسطورة أن الشاب الجميل نرجس كان يتمشى في الغابة فرأى انعكاس صورة وجهه على صفحة بئر فأعجب بها جداً واقترب منها كي يعانقها فغرق ومات ، أو أنه غضب غضباً شديداً من صاحب الوجه الجميل الذي رآه وهجم عليه كي يقتله فغرق ومات .. ثم عاقبته الآلهة وحولته إلى زهرة ..عبرة لمن يعتبر


وفي تحليل المعاني العامة لهذه الأسطورة تبرز عدة نقاط .. ومنها أن نرجس قد تمرد على إرادة الآلهة بالزواج من الحورية فعاقبته بالموت .. وأن الزواج بين المرأة والرجل هو قانون الطبيعة الأصيل والتمرد عليه يؤدي إلى الهلاك .. وبالنسبة لتفاصيل سلوك نرجس نجد أن حبه المفرط لذاته قد أدى إلى موته وأن حب الذات المفرط يؤدي إلى الغيرة الشديدة والغضب والعدوان والموت ..
النرجسية في التحليل النفسي:
كان فرويد أول من استخدم مصطلح النرجسية من الناحية النفسية .. وقد استعمله بمعنى محدد وهو أن لدينا جميعاً رغبات نرجسية أو حب الذات ، وهي طبيعية ومن الضروري إشباعها ، وأنها تشكل مرحلة من النمو تتطور فيما بعد إلى حب الآخر . وفي حال عدم إشباع هذه الرغبات يحدث الإنكفاء على الذات والتثبت عند مرحلة حب الذات الأولى .
وقد طرح كاوت و كيرنبيرغ Kohut , Kernberger تفاصيل عن مفهوم النرجسية المرضية من وجهة نظر تحليلية وأنها نتيجة لعلاقة باردة غير متعاطفة وغير ثابتة مع الأبوين في مرحلة الطفولة الأولى ، وأنها تعويض مرضي على تلك المرحلة . وبين كيرنبيرغر أن اضطراب النرجسية الشديد أو الخبيث لايمكن علاجه بينما يمكن علاج الحالات المتوسطة أو الخفيفة.
النرجسية في الطب النفسي:
يشير مصطلح اضطراب الشخصية النرجسية في الطب النفسي إلى اضطراب مزمن وشامل في الشخصية وله صفاته وملامحه السلوكية .. وهو يصنف كواحد ضمن عشرة اضطرابات للشخصية في الدليل التشخيصي الأمريكي DSM IV TR 2000 .
واضطرابات الشخصية هذه تقسم إلى ثلاثة مجموعات تضم المجموعة الأولى : الشخصية الشكاكة Paranoid ،والشخصية الفصامية Schizoid ، والشخصية ذات النمط الفصامي Schizotypal . وتضم المجموعة الثانية : الشخصية المضادة للمجتمع Antisocial ، والشخصية الحدودية Borderline ، والشخصية النرجسية Narcissistic ، والشخصية الهستريائية Histirionic . وتضم المجموعة الثالثة : الشخصية الاعتمادية Dependent ، والشخصية القلقة التجنبية Avoidant ، والشخصية الوسواسية القهرية Obsessive compulsive .
وبالطبع تتميز كل شخصية بصفات محددة وسلوكيات ويبدو أن الشخصيات في كل مجموعة لها بعض القواسم المشتركة لذلك تم تصنيفها معاً .
واضطرابات الشخصية تشخص في المحور الثاني للتشخيص أما المحور الأول فهو يضم التشخيص المرضي العيادي مثل الاكتئاب أو القلق وغير ذلك .. بينما في محور التشخيص الثاني توضع اضطرابات الشخصية وحالة الذكاء مثل التخلف العقلي بدرجاته المتنوعة .
تشخيص اضطراب الشخصة النرجسية:
يتطلب التشخيص وجود خمسة صفات وسلوكيات من النقاط التسعة التالية .. وهذه الصفات والسلوكيات مزمنة وبعد عمر 18 سنة وتؤدي إلى مشكلات ومعاناة وصعوبات في التكيف
- تضخيم قيمة الذات وميزاتها ومهاراتها .
- الانشغال بخيالات النجاحات الباهرة ، القوة ، الذكاء ، الجمال ، الحب المثالي .
- الاعتقاد بأنه شخصية متميزة وأنه لايفهمه إلا المتميزون ولايتعامل إلا مع المتميزين .
- يتطلب الاعجاب والإطراء دائماً .
- يعتقد أنه يستحق الامتيازات وأن يعامل بشكل متميز واستثنائي .
- نقص التعاطف مع الآخرين .
- يستغل الآخرين .
- يغار من الآخرين كثيراً أو يعتقد أن الأخرين يغارون منه .
- متبجح ومتغطرس في سلوكه وكلامه .
وفي حال عدم توفر عدد كاف من الصفات والسلوكيات مما سبق لايمكننا أن نطلق تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية ، وتوصف
الحالة عندها بأن لديها بعض صفات الشخصية النرجسية ، وهذا شائع في الحالات العامة والعيادية .
صفات وسلوكيات أخرى شائعة
الإحساس بالضعف ، أنه غير مرغوب فيه
عدم تقبل النقد والغضب الشديد من النقد واللوم
عدم تحمل الإحباط
الانسحاب الاجتماعي أحياناً
صعوبة التعاون مع الآخرين
مشكلات مهنية
البحث عن الاهتمام وإثارة الانتباه
مشكلات في العلاقات الشخصية والزواج
وفي الممارسة العيادية نجد حالات الخوف من الزواج والتي تتظاهر برفض الخطوبة أو الطلاق سريعاً بعد أيام أو أسابيع دون سبب مقنع ويمكن أن يكون اضطراب الشخصية النرجسية أو وجود عدد من صفات الشخصية النرجسية وراء عدد من هذه الحالات .
ربما تزداد صفات الشخصية النرجسية
في عدد من المهن مثل المهن الإعلامية والأدبية والفنية والرياضية " النجوم عموماً " ؟؟
في الجماعات المغلقة ، والطبقات الأعلى ؟؟
لدى متفوقي الجمال من الجنسين ؟؟
الاضطرابات المرافقة:
- الاكتئاب بأنواعه .. الاكتئاب الخفيف المزمن والاكتئاب الشديد وتغيرات المزاج . وفي حالات الشعور بالعظمة يكون المزاج
شبه هوسي . مع ازدياد في النشاط
- الإدمانات المتنوعة ولاسيما الكوكائين .
- القمه العصبي . "أو النحول الزائد والسعي إلى تخفيف الوزن والشعور بأنه زائد الوزن " Anorexia Nervosa
- يمكن للشخصية الهيستريائية،الحدودية،المضادة للمجتمع والشكاكة أن تترافق معها ”Histirionic,Borderline,Antisocial,Paranoid”
الانتشار:
حوالي 1% من الناس وحوالي 16-2 % في العينات العيادية .
وهي تنتشر عند الرجال أكثر من النساء وبنسبة 50-75% من الحالات العيادية . وربما تزداد نسبة انتشارها عند النساء في الوقت الحالي ؟؟
الأسباب:
لاتزال أسباب اضطراب الشخصية النرجسية غير معروفة على وجه الدقة .. وهناك عدة نظريات وتفسيرات تشرح سبب نشوئها ومنها:
-حساسية مفرطة منذ الولادة .
- التدخل الزائد من الأهل والتقييم المفرط منهم .
- الإعجاب الزائد وغير الواقعي من الأهل .
- السلوك غير المتوازن وغير المتوقع من الأهل .
- الإيذاء النفسي للطفل .. حيث يساهم ذلك في تكوين ردود فعل خاصة واهتمام زائد بالذات وبحبها .
-الإطراء الزائد من الكبار للصفات الجسمية أو غير الجسمية للطفل .
- التشجيع الزائد للسلوك الجيد والتوبيخ الزائد للسلوك السيئ ..
- من الوجهة التحليلية النفسية هناك علاقة مضطربة مع الوالدين حيث يفشل الأبوان في بناء علاقة متعاطفة مع الطفل ، وهذا يؤدي إلى شعور الطفل بأنه غير مهم وأنه غير مرتبط بالآخر ، ويولد ذلك اعتقاده بأن لديه عيوباً في شخصيته تجعله دون قيمة وغير مرغوب فيه .
- نظريات أخرى ..؟؟
العلاج:
- طرح جيفري يونغ ”علاج منظومة التفكير“ Schema therapy والتي بدأها آرون بيك ( العلاج المعرفي )، واعتبر أن ”منظومة القصور" التي يتبناها هؤلاء الأشخاص هي الأساس لفهم العمليات العقلية لدى الشخصية النرجسية ”
ويتضمن العلاج المطروح أساليب تحليلية وديناميكية ومعرفية وسلوكية .
- نادراً ما يلجأ المرضى للعلاج لأن في ذلك إهانة لهم ، وهم يأتون للعلاج بعد حدوث أعراض اكتئابية أو مشكلات عاطفية أو مهنية أو غير ذلك ..
- العلاج الدوائي نادراً مايستعمل إلا في الحالات المرافقة .
- العلاج الداعم والاستشارة النفسية والمساعدة على التكيف وتخفيف الأذى والضرر ضروري في عدد من الحالات من خلال تدخل
. الأهل وغيرهم ، لتخفيف الأذى الذي يمكن أن ينجم عن السلوك النرجسي
- تنمية مهارات التواصل مع الآخر وتفهمه ، تنمية الذكاء الاجتماعي والانفعالي .
- العلاج التحليلي طويل الأمد ، قصير الأمد ... يمكن أن يفيد في عدد من الحالات .. ومن الضروري مواجهة نقاط الضعف عند المريض مبكراً في الجلسات العلاجية .
الوقاية:
الوقاية في مختلف الاضطرابات النفسية موضوع لايزال غامضاً بسبب غموض الأسباب .. والنصائح العامة الوقائية ترتبط بما تخبرنا به النظريات السببية .. ومن المهم تعديل الأساليب التربوية وسلوك الأهل تجاه أطفالهم والتدليل الزائد يمكن أن يؤدي إلى مجموعة من الاضطرابات والصفات الشخصية المرضية ، وكذلك إهمال الطفل وإيذاؤه , ومن المفيد الاهتمام بالقيم التي تؤكد العطاء والغيرية والمثل العليا والمسؤولية تجاه الذات وتجاه الآخرين . كما تقيد الجهود التربوية والتثقيفية التي تسعى إلى زيادة مهارات التواصل الاجتماعي والذكاء الاجتماعي والانفعالي وثقافة الحب بمختلف مكوناتها والتي تسعى إلى الامتداد إلى الآخر والتعاون معه من أجل حياة أفضل .
أمثلة عيادية سريعة:
-1 فتاة 39 وعمرها سنة لديها مشكلات في العلاقات مع الآخرين والأصدقاء وهي تخسر أصدقائها بشكل متكرر ،ولديها خوف من الزواج وقد خطبت ستة مرات وكتب كتابها دون دخول 4 مرات .. وفي كل مرة تغير رأيها في الزوج وتنسحب وتقدم تبريرات غير مقنعة، ولديها إحباط وقلق ومخاوف اجتماعية . . وبعد آخر فشل في الزواج شعرت بضرورة مراجعة الطبيب النفسي
-2 شاب وعمره 50 سنة لديه مشكلات زوجية وجنسية وعدم انتصاب أحياناً عندما تضايقه زوجته ولاتلبي له رغباته ، ولديه مشكلات مهنية متكررة ، وأيضاً يعاني من قلق شديد على أمور صحية اعتيادية ، زيادة استعمال المهدئات .
-3 شاب وعمره 39 سنة لديه مشكلات بطالة ولايحب أن يعمل وبعد ضغط الأهل يمارس عملاً لمدة قصيرة ويتركه ، ولديه مشكلات عائلية وعاطفية متنوعة والجميع يصفه بأنه يحب نفسه فقط ولايريد أن يقوم بأية مسؤولية ، ولديه سوء استعمال للكحول ، واكتئاب خفيف .. وبناء على إلحاح أهله قام بزيارة الطبيب .
المراجع:
-Young, Klosko, Weishaar: Schema Therapy - A Practitioner's Guide, 2003, chapter 10, Pages 373-424
-DSM IV-TR, Diagnostic criteria for 301.81 Narcissistic Personality Disorder
-http://en.wikipedia.org/w…/Narcissistic_personality_disorder"
- http://en.wikiped ia.org/wiki/Narcissism
المرأة والخوف من الزواج ملاحظات ونصائح/ موقع حياتنا النفسية- Hayatnafs.com
(اعتمدت في هذه المقالة بتصرف على محاضرة لي بشكل " بور بوينت سلايد " في ندوة الشخصية النرجسية بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث النفسية والتحليلية في المركز الثقافي العربي - العدوي 21/6/2009)

اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط - مراجعة عامة: Attention Deficit / Hyperactivity Disorder An Overview

اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط - مراجعة عامة:

Attention Deficit / Hyperactivity Disorder
An Overview
الدكتور حسان المالح
استشاري في الطب النفسي - زمالة وخبرة في جامعات فيينا وبريطانيا
MD,DipPsych,JMC(Psych),FAMS(Psych)
عضو الجمعية البريطانية للعلاج النفسي والأسري
عضو الجمعية الأمريكية للطب النفسي APA
مدير موقع حياتنا النفسية
العيادة النفسية الاستشارية – شارع العابد – جوار المطعم الصحي - 2322841 - ص . ب 60655 دمشق -سورية
مقدمة عامة:
في البداية لابد من إعطاء فكرة عامة عن الاضطرابات النفسية التي تصيب الأطفال والمراهقين .. حيث أن هناك عدد من الاضطرابات النفسية تشخص عادة في مرحلة الطفولة والمراهقة ، ومنها اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط . وتظهر هذه الاضطرابات الخاصة بالأطفال في سن مبكرة ، وترافقها تغيرات سلوكية وأعراض متنوعة .. وفي الجدول التالي أهم هذه الاضطرابات النفسية (2):
الاضطرابات النفسية التي تشخص عادة في مرحلة الطفولة والمراهقة :
التخلف العقلي ( أربع درجات )
صعوبات التعلم ( القراءة ، الحساب ، التعبير الكتابي )
اضطرابات المهارات الحركية ( التوافق الحركي )
الاضطرابات النمائية المتعممة ( التوحد ، أسبرجر ..)
اضطرابات نقص الانتباه والسلوك المؤذي ( فرط الحركة / نقص الانتباه ، السلوك المنحرف ، السلوك الاعتراضي )
اضطرابات التغذية والطعام ( الوحم ، الاجترار )
اضطرابات العرة ( توريت ، صوتية ، عضلية ، عابرة )
اضطرابات التخاطب ( تعبيري ، مختلط ، اضطرابات النطق )
اضطرابات الإفراغ ( التبول اللاإرادي ، التبرز اللاإرادي )
اضطرابات أخرى :قلق الانفصال ، الصمت الاختياري ، الحركات النمطية التكرارية ، وغيرها
وأيضاً لابد من الإشارة إلى أن معظم الاضطرابات النفسية التي تظهر عند الكبار يمكن لها أن تظهر مبكراً في بعض الحالات ، عند الأطفال ومن هذه الاضطرابات (1):
الاضطرابات النفسية عند البالغين : يمكن أن تظهر في سن الطفولة والمراهقة مثل :
الفصام - الهوس - الاكتئاب - الوسواس القهري - الرهاب الاجتماعي - نوبات الهلع - القلق العام - اضطراب الشدة عقب الصدمة - الاضطراب التحويلي“ الهيستيريا “ - اضطراب الهوية الجنسية - القمه العصبي وغير ذلك ..
نظرة عامة حول اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط:
يعتبر اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط أكثر الاضطرابات النفسية انتشاراً عند الأطفال والمراهقين (3). وقد وصف للمرة الأولى عام 1902 من قبل طبيب أطفال أمريكي ، واستعملت الأدوية المنشطة في علاجه للمرة الأولى عام 1937 حيث استعمل دواء Benzedrine . وقد تم طرح معايير التشخيص الدقيقة في الدليل الأمريكي الثالث للاضطرابات النفسية عام 1980 . وطرحت أنواع فرعية للاضطراب عام 1994 في الدليل الأمريكي الرابع للتشخيص ، كما أصبح في تلك الفترة اضطراباً منتشراً يشخص بكثرة ويعالج بشكل واسع (3).
وهذا الاضطراب يشخص مرافقاً لاضطراب السلوك المنحرف عند نفس الطفل بنسبة 20% ، وهي نسبة عالية بالطبع ولها دلالاتها . كما يشخص مرافقاً لاضطراب السلوك الاعتراضي ( أو المعارضة ) بنسبة 40% من الحالات ( 2،3).
وعادة نجد أن الأهل والمدرسة يشكون من سلوك الطفل ويعانون من اضطرابه .. وغالباً مايأتي الطفل إلى العيادة غير راغب في العلاج بل يؤكد أنه ليس لديه أية مشكلة وأن المشكلة تكمن في الأهل (1).
انتشاره:
تدل الدراسات على أن هذا الاضطراب يصيب حوالي 3-5 % من الأطفال في سن 5- 18 سنة ، وذلك في الدراسات الأمريكية (2). وفي دراسات أخرى كانت نسبة الانتشار 10% من الذكور و2% من الإناث في عمر 5-18 سنة . وتصل نسبة الأطفال والمراهقين المصابين به في العيادات النفسية الخاصة بالأطفال إلى 30-50% من مراجعي هذه العيادات (3). وهو يصيب الذكور أكثر من الإناث وبنسبة 4 إلى 1 على الأقل.
وفي مجتمعاتنا العربية لاتوجد دراسات إحصائية دقيقة حول هذا الاضطراب .. وتدل الملاحظات العامة والممارسة العيادية على وجود هذا الاضطراب بشكل واضح (1).. وكثير من هؤلاء الأطفال لايتلقون العلاج الصحيح ولايتم تشخيص حالتهم بشكل صحيح .. وبعضهم يطلق عليه تسميات خاطئة مثل أنه مشاغب أو قليل تربية وأنه لايصلح للدراسة ، وغير ذلك ..
nيشخص مرافقاً لاضطراب السلوك المنحرف في 20% من الحالات .
nيشخص مرافقاً لاضطراب السلوك الاعتراضي في 40% من الحالات .
nانتشاره : 3- 5 % عمر 5- 18 سنة
10% من الذكور 2% من الإناث
30% في عيادات طب نفس الأطفال
nإحصائيات عربية ؟؟ نقص في التشخيص ، إعطاء تسميات خاطئة .
التشخيص:
يعتمد تشخيص هذا الاضطراب وفقاً للدليل الأمريكي التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الرابع (2) ، على وجود عدد من الأعراض التي تدل على وجود نقص التركيز أو فرط النشاط والاندفاعية ، ولمدة ستة أشهر على الأقل . وبعض هذه الأعراض يجب أن تكون قد ظهرت قبل سن السابعة من العمر . وهذه الأعراض تظهر عادة في مختلف المجالات التي يوجد فيها الطفل مثل المحيط المنزلي والمحيط المدرسي والمحيط الاجتماعي ، ويجب أن تكون الأعراض موجودة في مجالين وليس مجال واحد فقط ، ومعظم الأطفال يشعرون بالانزعاج في المحيط المدرسي مقارنة مع المنزل وتظهر تصرفتهم الاندفاعية وفرط نشاطهم في المدرسة بشكل أوضح ولاسيما في الممرات والردهات وباحة المدرسة .
وتشمل أعراض نقص الانتباه عدم الانتباه للتفاصيل وكثرة الأخطاء في الواجبات المدرسية ، ويفشل الطفل في إنهاء مايبدؤه على الشكل المطلوب وهو يتجنب الأعمال التي تتطلب تركيزاً طويلاً ، وهو ينسى أقلامه وأدواته وكتبه وغير ذلك مما هو ضروري . وهو يتحرك كثيراً في كرسيه أو يتململ أو يحرك يديه أو رجليه ، ويكون جاهزاً للانطلاق والحركة وكأن بداخله محركاً يحركه ( Driven by motor ) . وهو اندفاعي يجيب على الأسئلة قبل انتهاء السؤال ، ويتصرف قبل أن يفكر ( Act before thinking) ، وهو يقاطع حديث الآخرين ويتدخل في اللعب أو الحوار .
كما أنه سهل الاستثارة والغضب عند أقل تحريض وهو يتعرض للمشاجرات والمضاربات ، كما أن سلوكه الاستكشافي واضح فهو يدخل أماكن جديدة ويتلمس ماحوله من أشياء ويحركها ويفتحها ، ويمكن له أن يتعرض إلى حوادث متنوعة وكسور وجروح وأن يتسبب في أذية الممتلكات وخرابها دون قصد .
وكما هو واضح فإن معظم هذه السلوكيات والأعراض هي سلوكيات شائعة عند الأطفال ولايمكن اعتبارها مرضاً واضطراباً إلا إذا كانت شديدة ومستمرة وتسبب سوءاً في التكيف .
وفي الجدول التالي تفاصيل معايير التشخيص:
تشخيص اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط:
أولاً - 6 أعراض من أعراض نقص الانتباه التالية مستمرة 6 أشهر:
- كثرة عدم الانتباه للتفاصيل وكثرة الأخطاء في الواجبات المدرسية وفي غيرها من النشاطات - كثيراً مايحدث له صعوبات في المحافظة على الانتباه في اللعب أو المهارات المدرسية المتنوعة .
- كثيراً ما يبدو غير مصغ عندما تتحدث إليه - كثيراً مايحدث عدم اتباعه للتعليمات المطلوبة ويفشل في إنهاء واجباته بالشكل المطلوب .
- كثيراً مالديه صعوبات في تنظيم المهمات المطلوبة منه والنشاطات .
- كثيراً مايتجنب ويكره ويرفض الأعمال التي تتطلب تركيزاً طويلاً مثل الأعمال المدرسية - كثيراً ما ينسى أشياء أساسية لأداء معين .
- كثيراً مايتشتت انتباهه بسهولة في حال وجود مثيرات أخرى أثناء قيامه بمهمة معينة - كثير النسيان في نشاطاته اليومية .
nأو 6 أعراض من أعراض فرط النشاط والاندفاعية التالية:
- كثيراً مايحرك يديه أو رجليه أو يتحرك في كرسيه - كثيراً مايترك مقعده في الصف أو في أماكن أخرى حيث يتوقع منه البقاء .
- كثيراً مايركض ويتسلق ويتحرك في المكان الذي يوجد فيه وبشكل غير مناسب - كثيراً ما لديه صعوبات في أن يلعب أو يقوم بنشاط ترفيهي بشكل هادئ - كثيراً مايكون جاهزاً للانطلاق وكأن بداخله محرك يحركه باستمرار - يتكلم كثيراً في أغلب الأحيان .
الاندفاعية: - كثيراً مايجيب على الأسئلة قبل انتهاء السؤال - كثيراً مايجد صعوبة في انتظار دوره - كثيراً مايقاطع الآخرين أو يتدخل فيهم .
nثانياً : بعض الأعراض التي أدت إلى سوء التكيف موجودة قبل عمر 7 سنوات .
nثالثاً : لاتقتصر الأعراض على مجال واحد بل تتعداه إلى مجالين مثل المنزل والمدرسة .
nرابعاً : يجب وجود دليل على تدهور وسوء الأداء في المجال الاجتماعي أوالمدرسي .
nخامساً : هذه الأعراض لايكون ظهورها منحصراً خلال سير اضطرابات النمو المتعممة، الفصام أو غير ذلك من الاضطرابات الذهانية ، هذه الأعراض لاتفسر بشكل أفضل من خلال تشخيص اضطراب نفسي آخر مثل الاضطرابات المزاجية ،القلق ،الاضطراب التفككي، اضطراب الشخصية. (2)
ويحدد نوع الاضطراب الفرعي على أنه الشكل " المختلط " لاضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ، إذا كان لدى الطفل ستة أعراض من أعراض نقص الانتباه معاً مع ستة أعراض من فرط النشاط والاندفاعية خلال اِهر الستة الماضية ، وهذا الشكل المختلط ينتشر أكثر عند الأطفال والمراهقين ونسبته 3% . وأما الشكل الذي يغلب فيه " نقص الانتباه " فهو يحدد بوجود ستة أعراض من نقص الانتباه مع أقل من ستة أعراض من أعراض فرط النشاط والاندفاعية ، وهذا الشكل ينتشر أكثر عن الإناث وعند الكبار ، ونسبة انتشاره 5% . وأما الشكل الثالث الذي يغلب فيه " فرط النشاط الحركي " فهو يتحدد بوجود ستة أعراض من أعراض فرط النشاط والاندفاعية وأقل من ستة أعراض من أعراض نقص الانتباه ، وهو ينتشر أكثر عند الذكور ونسبته 2% ( 4).
الأشكال الفرعية لاضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط:
-نقص الانتباه بشكل أساسي : أكثر عند الإناث والكبار ، 5%
-فرط النشاط بشكل أساسي : أكثر عند الذكور ، 2%
-الشكل المختلط : أطفال ومراهقين ، 3% ( 4 )
ويستعمل تعبير اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط في مرحلة خمود جزئي ( هدأة ) ( In Partial Remission ) في حال وجود بعض أعراض الاضطراب في الوقت الحالي ولكن لاتنطبق معايير التشخيص سابقة الذكر كلها ، ويستعمل هذا التعبير عادة في حالات المراهقين والكبار الذين كانت لديهم أعراض واضحة ثم تحسنت حالتهم نسبياً وبقي لديهم بعض الأعراض .
ولابد من القول أن تشخيص هذا الاضطراب ليس صعباً في أكثر الحالات ، وتظهر صعوبة التشخيص في حال عدم توفر معلومات كافية عن الطفل وتاريخه المرضي ، وفي الحالات الخفيفة ، أو الحالات المختلطة مع اضطرابات أخرى .
ويبقى التشخيص عيادياً ( Clinical Diagnosis) يعتمد على الفحص النفسي والقصة المرضية ، ويمكن للقوائم التشخيصية ( Rating Scales) (كونر وغيرها) أن تساعد في التشخيص . ويؤكد مصداقية التشخيص ( Validity ) سير الاضطراب المزمن وتحسنه مع التقدم في العمر ، وكذلك استجابته للعلاج.
الأسباب:
لايزال اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط مجهول السبب .. ولايوجد دليل على وجود آلية دماغية واحدة مسؤولة عن كل أعراض الاضطراب . كما أن مجموعة المرضى المصابين بهذا الاضطراب متنوعة في أعراضها وشكل الاضطراب الذي تعاني منه . ويبدو أن عدداً من العمليات السببية تؤدي إلى نفس الصورة العيادية للاضطراب (3).
وقد بينت الدراسات العائلية وجود عامل وراثي مسبب ، حيث يظهر الاضطراب في نفس العائلة وخاصة بين الأقرباء الذكور للمصاب به . وتتكرر الإصابة العائلية عموماً بنسبة 30% . وتدل دراسة التوائم وحيدة البويضة (MZ ) على أن الاضطراب يحدث بنسبة 92% ، بينما نسبة الإصابة في التوائم ثنائية البويضة (DZ ) تبلغ 33% .
ولايوجد دليل على وجود اضطراب في مورثة محددة، كما أن نمط الانتقال الوراثي لاتنطبق عليه قوانين الوراثة القاهرة أو المتنحية أو المرتبطة بالصبغيات الجنسية . وربما يكون نمط الوراثة متعدد المورثات ( الجينات ) ( Polygenic ) .
والأسباب الأخرى تتعلق بأنواع مختلفة من الأسباب العصبية الطبية مثل : الأذية الدماغية ( Brain Damage ) - اضطراب عصبي - انخفاض وزن الوليد - التعرض لتسمم عصبي . وأيضاً مشكلات الحمل الطبية أو تعقيدات الولادة مثل النزف أو نقص الأوكسجين حوالي الولادة ( Perinatal) . وكل ذلك يمكن أن يسبب رضاً وأذية في الجهاز العصبي .
والمعلومات الحالية تفيد على العكس مما هو شائع ، بأن مشكلات الحمل ونقص الأوكسجين ليست مرتبطة ارتباطاً كاملاً بظهور الاضطرابات العصبية مثل الشلل الدماغي ، وبالتالي ربما لاتشكل هذه الأسباب إلا نسبة ضئيلة من حالات اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط .
ويبدو أن العوامل ماقبل الولادية أكثر أهمية من تعقيدات الولادة في إحداث هذا الاضطراب . ومثلاً إن " انخفاض وزن الوليد " يمكن أن ينبئ جزئياً على ظهور اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط مع أو بدون تعقيدات الولادة . كما أن التعرض للمواد السمية داخل الرحم مثل الكحول " الأم الكحولية " ، أو الرصاص الموجود في الهواء الملوث وعوادم السيارات والطلاء ، يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في السلوك (3).
وتبين الدراسات أن الأعراض العصبية الظاهرة مثل نوبات الصرع أو الشلل الدماغي تشخص في حوالي 5% من حالات اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط . ويكون تخطيط الدماغ مضطرباً بنسبة 20% من الحالات ، مقارنة مع نسبة 15% من الأطفال عموماً .
وأما التصوير الطبقي للدماغ فهو طبيعي عادة . وقد بينت بعض الدراسات الحديثة بواسطة التصوير بالمرنان على أن حجم الدماغ العام أصغر بنسبة 5% عند المصابين مقارنة بالأطفال العاديين . وأيضاً فإن عدم التناظر الطبيعي بين نصفي الكرة المخية اليمنى واليسرى، يكون غائباً عند المرضى . وتكون المنطقة المذنبة اليمنى أكبر (Caudate ) ، كما أن المناطق الخلفية من الجسم الثفني ( Corpus Collosum ) أصغر في بعض الحالات (3) .
وتدل دراسات أخرى بواسطة الاختبارات النفسية العصبية وتصوير الدماغ بوسائل متنوعة ، على أهمي الفص الجبهي في هذا الاضطراب . لأن الفص الجبهي مسؤول عن عن ضبط الاستجابات الحسية والاندفاعات ، وهو يهيئ الدماغ للفعل الإرادي .
وتنتشر الأعراض العصبية الخفيفة ( اللينة ) عند المصابين بنقص الانتباه / فرط النشاط مثل الحركات غير الدقيقة أو الخرقاء( Clumsy) وخلط التمييز بين اليمين واليسار وسوء التوافق الحسي الحركي وصعوبات الكتابة . ولكن هذه الأعراض العصبية الخفيفة تنتشر بنسبة 15% عند الأطفال الطبيعين .
وتبين الدراسات أن اضطراب نقص الانتباه ،فرط النشاط يترافق مع عدد من الاضطرابات النفسية الأخرى ، والاضطرابات العضوية ، واستعمال بعض الأدوية .. ويمكن أن يساعد ذلك على تفهم أسباب هذا الاضطراب وأن يساهم في تطوير النظريات والأبحاث المستقبلية التي تحاول تحديد الأسباب الواضحة له .
والعلاقة مع اضطراب السلوك المنحرف علاقة قوية ، حيث تتشارك هذه الحالات بنسبة 40% . وهناك علاقة بين العدوانية والاضطرابات السلوكية وفيما بعد يمكن أن تتطور الحالة إلى الشخصية المضادة للمجتمع . وهناك أيضاً علاقة مع اضطراب المعارضة عند الأطفال .
وبالنسبة للعلاقة مع الاضطرابات الذهانية مثل الفصام واضطرابات النمو المتعممة ومنها اضطراب التوحد ، فإن بعض الأعراض يمكن أن تترافق ولكن في حال وجودها لايطلق تشخيص اضطراب نقص الانتباه / فرط الحركة ويكتفى بالاضطراب الذهاني ( 2،3) .
وتبين الدراسات أن أطفال بعض المصابين بالفصام تظهر لديهم أعراض نقص الانتباه / فرط النشاط ، وأنهم يتعرضون للإصابة بالفصام فيما بعد بنسبة أكبر من إخوانهم الذين لم تظهر عندهم أعراض نقص الانتباه / فرط النشاط .
وهناك علاقة مع اضطرابات المزاج ( الهوس الاكتئابي ) حيث نجد أن 50% من الأطفال الذين يستجيبون لدواء الليثيوم هم مفرطو النشاط . وهذا الدواء علاج أساسي للاضطراب المزاجي ثنائي القطب . كما أن هناك علاقة مع الاكتئاب الأساسي من حيث استجابة بعضهم لمضادات الاكتئاب ، ونقص فترة كمون الحركات السريعة للعين ، وأيضاً في العلاقة الوراثية .
ومن الممكن أن تكون بعض حالات اضطراب نفقص الانتباه / فرط النشاط هي السلف والنذير ( Precurser ) لاضطرابات المزاج أو الفصام عند الكبار .
وهناك علاقة مع اضطراب توريت ( Tourette's Disorder ) ( وهو يتصف بظهور عرات حركية متعددة ومزمنة مع عرات لفظية ) وبنسبة 25% من حالات الذكور المصابين باضطراب توريت . إضافة للعلاقة مع اضطراب العرة ( Tic Disorder ) بنسبة 7% . و أيضاً علاقة مع اضطراب الوسواس القهري في الأطفال ( 3) .
وفي حالات التخلف العقلي يمكن تشخيص الاضطرابين معاً في حالات التخلف العقلي الخفيفة فقط . وهناك علاقة واضحة مع اضطرابات التعلم المحددة مثل اضطرابات القراءة أو الحساب أو الكتابة واضطرابات اللغة واضطرابات المهارات العضلية وتناسقها .
وإضافة لما سبق فإن هناك علاقة مع اضطراب الشدة عقب الصدمة وحالات إيذاء الطفل أو إهماله ( 2،3) .
ومن الناحية العائلية هناك ارتباط بين وجود اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط في أحد أفراد الأسرة والزيادة في ظهور الاضطرابات التالية في أفراد الأسرة الآخرين : اضطرابات المزاج - اضطرابات القلق - اضطرابات التعلم - الاضطرابات المتعلقة بالمواد الإدمانية - الشخصية المضادة للمجتمع - الهيستيريا ( اضطرابات تحويلية وتفككية مزمنة وغيرها ) .
ومن ارتباطات هذا الاضطراب الأخرى ، الارتباط بأعراض عضوية مثل : عدم الاستجابة لهرمون الدرقية ، فرط نشاط الغدة الدرقية ، الإمساك المزمن ، الجوع المزمن . وفي هذه الحالات يبدو أن للعوامل الغذائية والمناعية دور فيها ، ولكن ذلك لايزال غير مؤكد .
ويمكن لبعض الأدوية أن تسبب في ظهور أعراض نقص الانتباه / فرط النشاط مثل : كاربامازبين ، فينوباربيتال ،المهدئات (بنزوديازبين ) ، كافئين ، ثيوفيللين (2،3،4،5) .
وكما هو واضح مما سبق فإن الأبحاث السريرية والدراسات قد قدمت نتائج متنوعة حول الموجودات العضوية المختلفة المرافقة لاضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط .. ويدل ذلك على تنوع الأسباب المؤدية للاضطراب من جهة ، وعلى إمكانية فهم أفضل للاضطراب وأعراضه الخاصة في المستقبل من جهة أخرى (1).
الأسباب Etiology:
- الوراثة : 30% عائلي، التوائم وحيدة البويضة MZ 92% ، التوائم ثنائية البويضة DZ 33%. متعدد المورثات Polygenic.
- أذية دماغية ، نقص وزن الوليد ، تسمم عصبي ( كحول ، رصاص) .
- مضاعفات أثناء الولادة ( أثر خفيف ) .
- تخطيط الدماغ الكهربائي 20% غير طبيعي ، 5% صرع .
- التصويربالمرنان MRI : طبيعي عموماً ، بعض الدراسات صغر حجم الدماغ 5% ، تناظر اليمين واليسار ، ضخامة يمنى في النواة المذنبة ، الجسم الثفني أصغر .
- التصوير الطبقي ببث الفوتون PET : نقص جريان الدم في النويات القاعدية وزيادته في المناطق الصدغية القفوية .
- الاختبارات النفسية العصبية : اشتراك واضطراب في الفص الجبهي .
- العلامات العصبية الخفيفة مثل عدم التناسق الحركي ، عدم التمييز بين اليمين واليسار ، موجودة لدى 15% من الأطفال العاديين .
- أعراض نقص الانتباه / فرط الحركة موجودة في حالات الفصام واضطرابات النمو المتعممة .
- بعض أطفال الأبوين ( الأب ) المصابين بالفصام يمكن أن يظهروا وكأن لديهم اضطراب نقص الانتباه / فرط الحركة ، ولكنها حالات ماقبل فصامية يمكن أن تتطور إلى الفصام .
- العلاقة مع اضطرابات المزاج ( نذير) ، الاستجابة لمضادات الاكتئاب ، مراحل النوم REM ، الوراثة
- اضطراب توريت : 25 - 60% من ذكورهم لديهم اضطراب نقص الانتباه / فرط الحركة ، اضطراب العرة 7% ، الوسواس القهري .
- التخلف العقلي : يشخص في درجات التخلف الخفيفة فقط
- اضطرابات التعلم المتنوعة : تترافق معه .
- اضطراب الشدة عقب الصدمة .
- إيذاء الطفل ( سوء معاملة الطفل ) Child Abuse .
- في أسر الأطفال المصابين : تزداد اضطرابات المزاج ، اضطرابات القلق ، اضطرابات التعلم ، سوء استعمال المواد الإدمانية ، الشخصية المضادة للمجتمع ، الاضطرابات التحويلية والتفككية
- علاقة : مع فرط نشاط الدرق ، عدم الاستجابة لهرمون الدرق ، الجوع المزمن ، الإمساك المزمن ، الألم المزمن . علاقة غذائية ومناعية ؟؟
- بعض الأدوية يمكن أن تسبب في ظهور أعراض نقص الانتباه / فرط الحركة مثل : كاربامازبين ، بنزوديازبين ، فينوباربيتال ، ثيوفيللين ، إفدرين ، كافئين . ( 2،3،5،4)
النظريات السببية:
اهتمت الدراسات السببية بالناقلات الكيميائية العصبية ( Neurotransmitters ) وأهميتها فيما يتعلق بدور نقص مادة الدوبامين في المنطقة الحوفية ( Limbic area ) ، ومنطقة النواة المذنبة . حيث أن الأدوية المنشطة التي تفيد في حالات اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط لها تأثير واضح على زيادة الدوبامين . وأيضاً تدل النتائج على أن كمية مادة حمض هوموفانيليك الناتج عن استقلاب الدوبامين ، تكون قليلة في السائل الدماغي الشوكي الأطفال المصابين بهذا الاضطراب . ولايوافق هذه النظرية أن بعض الأدوية التي تزيد من نشاط الدوبامين غير مفيدة في علاج الاضطراب ، وأيضاً أن الأدوية المضادة لمستقبلات الدوبامين لها تأثير علاجي مفيد ، وهكذا فالنتائج غير حاسمة .
و فيما يتعلق بمادة نور أدرينالين وجدت الدرسات أنها تنقص في منطقة التشكلات الشبكية ( Reticular Formations ) ، كما أن مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقة والأدوية المثبطة للخمائر وحيدة الأمين ( MAOI) وكلونيدين ،يمكن أن تكون مفيدة في علاج الاضطراب.
وهناك دراسات حول نقص تدفق الدم في منطقة النويات القاعدية وزيادته في المناطق الصدغية والقفوية ، وعكس ذلك بعد استعمال الأدوية المنشطة المفيدة في علاج الاضطراب .
ولابد من الإشارة إلى نظرية تأخر نضج الدماغ .. حيث يمر النضج بمراحل ، ويمكن أن يحدث تأخر في النضج لأسباب متنوعة وبالتالي تظهر أعراض نقص الانتباه / فرط النشاط وبعد أن يحدث النضج الدماغي تتحسن الأعراض أو تزول لدى نسبة كبيرة من الحالات .
ونظرية أخرى تؤكد على أهمية الغذاء .. وعناصره ومكوناته في نمو الدماغ وفي ظهور أعراض الاضطراب ، ولاتزال النتائج غير أكيدة وربما تستفيد نسبة قليلة من الحالات من تعديل الغذاء .
ونظرية أخرى تشير إلى حدوث إصابة في الجملة العصبية المركزية .. وأن الإصابة تختلف فيي موقعها وشدتها ومرحلة النمو التي حدثت فيها ، وأن هذه الإصابة يمكن لها أن تؤدي إلى موت الجنين أو الطفل أو شلل دماغي خفيف أو صرع أو تخلف عقلي . والأشكال الخفيفة من هذه الإصابات الدماغية تؤدي إلى اضطرابات التعلم الخاصة أو نقص الانبتاه / فرط النشاط أو كليهما .
وهكذا نجد مجموعة من النتائج حول أسباب الاضطراب .. وهي تتلخص بالعوامل الوراثية ، ونقص وزن الوليد ، والتعرض للمواد السمية ، وإيذاء الطفل ، واضطرابات الغدة الدرقية ، وغير ذلك من الفرضيات والنظريات .
وكما هو الحال في معظم الاضطرابات النفسية فإن الأسباب الدقيقة لاتزال مجهولة ، والاحتمالات متنوعة ومتشابكة . ولاتزال الأبحاث جارية للوصول إلى نتائج أفضل وفهم أوضح لآليات الاضطرابات وأسبابها ، ومن ثم تصنيفها بشكل أفضل (1،3،4).
وبشكل عملي يهتم الأطباء النفسيون بإعطاء التشخيص الظاهري لجملة الأعراض والأحداث والتغيرات والسلوكيات مع الأخذ بعين الاعتبار الأسباب المحتملة المتنوعة ، دون أن يعيق ذلك العلاج المناسب (1) .
النظريات السببية:
- -صعوبة تنظيم ” كاتيكول أمين ” وهي من الأمينات الدماغية .
يدل على ذلك : نقص مادة الدوبامين في المنطقة الحوفية Limbic area والنواة المذنبة ، الاستجابة للمنشطات ، نقص حمض هموفانيليك HVA ” في السائل الدماغي الشوكي ”.
يناقض هذه النظرية : ليس كل الأدوية التي تزيد الدوبامين مفيدة ،بعض مضادات الدوبامين مفيدة .
يدل عليها أيضاً : نقص مادة نور أدرينالين في التشكيلات الشبكية ، الاستجابة لمضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقة ، الأدوية المثبطة للخمائر وحيدة الأمين المؤكسدة MAOI ، كلونيدين .
- صعوبات في أداء الفص الجبهي - الجسم المخطط .
- تأخر في نضج الدماغ .
- عوامل غذائية تؤثر على نضج الدماغ .
- إصابة دماغية في مناطق مختلفة ، في أوقات مختلفة في المرحلة الجنينية تؤدي إلى:
• اضطراب ADHD ، •الشلل الدماغي ، •الصرع ، •التخلف العقلي .
- إصابة دماغية خفيفة Minimal Brain Damageتؤدي إلى : •اضطراب ADHD ، •اضطراب تعلم محدد ، •الاضطرابين معاً .
تعليق على أسباب اضطراب نقص الانتباه ، فرط الحركة:
إن هذا الاضطراب هو حالة نفسية عصبية أو مجموعة حالات لها جملة أسباب معقدة :
الوراثة ، نقص وزن الوليد ، التعرض لمواد سامة ، إيذاء الطفل ، اضطرابات الغدة الدرقية ،وغير ذلك..
وبشكل عملي المطلوب التعرف على هذا التناذر وعلاجه وإجراء مزيد من البحوث عليه(1،3،4) .
التشخيص التفريقي:
يصعب تفريق اضطراب نقص الانتباه ، فرط النشاط في بعض الحالات ..ولابد من تفريقه عن سلوك الأطفال النشيطين والمناسب لعمرهم . وأيضاً عن حالات التخلف العقلي حيث تظهر عليهم أعراض نقص الانتباه . كما يجب التفريق عن الأطفال الأذكياء الذين يعيشون في محيط تعليمي منخفض المستوى حيث تظهر عليهم أعراض متنوعة من نقص الانتباه إلى المواد الدراسية البسيطة التي لاتشبع ذكاءهم العالي .
ويفرق عن اضطراب المعارضة بأن الطفل المصاب به لايرغب بالانصياع والاستجابة لطلبات الآخرين كنموذج للسلوك العام بينما الطفل المصاب بنقص الانتباه / فرط النشاط ينزعج ويرفض الأعمال التي تتطلب التركيز .
ولايشخص الاضطراب إذا كانت الأعراض الموجودة تتناسب بشكل أفضل مع تشخيص اضطراب نفسي آخر مثل اضطرابات المزاج - اضطرابات القلق - الاضطراب التفككي - اضطرابات الشخصية - اضطرابات متعلقة بالمواد الإدمانية . وفي كل هذه الاضطرابات فإن سن ظهور الأعراض عادة يكون بعد السابعة . وفي بعض الحالات يمكن أن يترافق اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط مع أحد الاضطرابات السابقة وعندها يطلق كلا التشخيصين . أما في حالات اضطرابات الطفولة المتعممة أو الفصام فلا يطلق تشخيص اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط معها ( 2) .
وفي حال ظهور أعراض نقص الانتباه وفرط النشاط والاندفاعية بسبب استعمال بعض الأدوية مثل الموسعات القصبية وإيزونيازيد والمهدئات، لايطلق تشخيص الاضطراب عليها بل تشخص على أنها اضطراب متعلق بالأدوية .
ويجب تفريق الاضطراب عن حالات جذب الانتباه والاحتيال ، والحرمان الثقافي والاجتماعي ، والازدحام الشديد ، وزيادة استعمال الكافئين ( شاي ،قهوة ، كولا ، شوكولا وغيرها ) ( 3،4).
التشخيص التفريقي DD:
- -السلوك الطبيعي ، الذكاء العالي ، الذكاء المنخفض .
- -التخلف العقلي ( يمكن إعطاء كلا التشخيصين ) .
- -اضطراب المعارضة : معارضة في كل شيء وليس في الواجبات المدرسية فقط .
- -اضطراب المزاج ، اضطراب القلق ، الاضطراب التفككي ، اضطراب الشخصية ، الإدمانات: كلها تبدأ بعد سن 7 سنين، كلا التشخيصين ممكن .
- -حالة ذهانية - جذب الانتباه ، الاحتيال - الحرمان الثقافي والاجتماعي ، الازدحام الشديد .
- -زيادة استعمال الكافئين . ( 3،4)
موجودات مخبرية وعيادية:
هناك عدد من الموجودات المخبرية والعيادية في بعض حالات اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط . ومنها زيادة نسبة الرصاص في الدم ، وأيضاً الزنك ، واضطراب مستوى هرمونات الدرقية . ويظهر الصرع عند نسبة قليلة . وفي تخطيط الدماغ أثناء النوم يظهر نقص كمون مرحلة حركة العين السريعة ، وأيضاً صعوبة الدخول في النوم . وفي الفحص الجسمي العصبي يمكن أن نجد بعض الاضطرابات الجسمية التشريحية الخفيفة ، وأعراض عصبية لينة . ويمكن أن تكون الموجودات كلها طبيعية (3،4).
موجودات مخبرية وعيادية ممكنة :
- -ازدياد الرصاص والزنك في الدم .
- -هرمونات الدرقية زيادة أو نقصان .
- -اضطرابات في تخطيط الدماغ الكهربائي ، صرع .
- -تخطيط الدماغ أثناء النوم : نقص كمون مرحلة الحركة السريعة للعين ، زيادة الحركة الجسمية ، صعوبة الدخول في النوم .
- -علامات مرضية جسمية خفيفة : ابتعاد المسافة بين أزواج الأعضاء ، الأذنان المنخفضتان ، جروح وكسور ، غير ذلك
- -موجودات جسمية طبيعية ( 3،4) .
سير الاضطراب وإنذاره:
تتحسن نسبة كبيرة من الحالات في مرحلة المراهقة والشباب . وتتراوح النسب بين 40-80% وفقاً للدراسات المختلفة (3،4،5،7). وبعض أعراض الاندفاعية تستمر إلى مابعد سن التاسعة عشرة وبنسبة 30-50% . ويكون التحسن كبيراً وواضحاً في أعراض فرط النشاط ، ولكن تبقى بعض الأعراض في سن الشباب مثل التململ وعدم القدرة على الجلوس فترة طويلة دون أن يؤثر ذلك على التكيف العام .
ولايمكننا أن نقول بأن اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط اضطراب حميد ويشفى تلقائياً .. ونجد في السيرة الحياتية للمصابين به : تحصيل دراسي أقل من الأشخاص العاديين ، نقص في المهارات الاجتماعية وفي تقدير الذات لدى نسبة كبيرة منهم في مرحلة بداية الشباب ، يتعرضون لنسبة أكبر من حوادث السيارات ، أقل استقراراً في في عملهم ومسكنهم وهم يتنقلون كثيراً ، يستعملون الكحول والماريوانا أكثر من الآخرين في مرحلة المراهقة ولكن ليس في مرحلة الشباب ( بعد سن 19) ، يتعرضون لمشكلات مع القانون أكثر ، يقومون بمحاولات الانتحار أكثر من غيرهم ، لديهم أعراض أكثر من القلق والمخاوف والأعراض التجسيمية والرضوض النفسية والجنسية . ولاتزيد اضطرابات سوء استعمال المواد الإدمانية أو الفصام وفقاً لبعض الدراسات .
وهناك علاقة متكررة في الدراسات بين اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط وبين الشخصية المضادة للمجتمع ، حيث تصل نسبة ذلك إلى 25-30% من الحالات في مرحلة الشباب ، ولاسيما عندما يظهر لديهم اضطراب السلوك المنحرف قبل ذلك . وعلى الرغم من أن اضطراب السلوك المنحرف يترافق مع 40-70% من الحالات في مرحلة الطفولة ، فإن نسبة منها تتحسن مع التقدم في العمر . والحالات التي لاتترافق مع العدوانية في الطفولة ، لاتؤدي إلى ظهور السلوك المنحرف أو السلوك المضاد للمجتمع .
وعند الكبار يمكن أن تستمر أعراض متبقية من نقص الانتباه والاندفاعية والتغيرات المزاجية على الرغم من أن أعراض فرط النشاط الحركي قد تحسنت تماماً . وفي بعض الدراسات تبين أن 2% من البالغين يعانون من اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط وهم يستجيبون لنفس العلاجات .
ويرتبط الإنذار الأفضل للاضطراب بعدم وجود اضطرابات أخرى مرافقة ، ووجود نسبة ذكاء عالية ، ووسط اجتماعي داعم ، وزيادة في التحصيل الدراسي أو العملي أو الاجتماعي (3،4،5،) .
سير الاضطراب وإنذاره:
- -40 – 80 % يتحسنون في سن المراهقة .
- -أعراض الاندفاعية تستمر إلى مابعد سم 19 سنة في أكثر من ثلث المرضى .
- -فرط الحركة تتحسن بشكل واضح ، تبقى بعض الأعراض الخفيفة مثل التململ ، عدم الاستقرار في المكان ولكن بشكل لايؤثر على التكيف العام .
- -لايمكننا أن نقول أن اضطراب نقص الانتباه / فرط الحركة ” حميد ويشفى ذاتياً ” .
- نجد في سيرتهم الحياتية ، مقارنة مع الأشخاص العاديين :
- أقل : المهارات اجتماعية ، تقدير الذات ، التحصيل المدرسي .
- أكثر : حوادث السيارات ، انتقال من المنزل والمدينة ، مشاكل قانونية ،
استعمال الكحول والحشيش في المراهقة ،
محاولات الانتحار ، قلق ، مخاوف ، اضطرابات تجسيمية ، صدمات نفسية جنسية .
- لاتوجد زيادة في مرض الفصام .
- -يترافق مع اضطراب السلوك الجانح 25-30 % ولكن كثيرون يتحسنون .
- -تتطور لديهم الشخصية المضادة للمجتمع في 25-30% من الحالات في حال ترافقه مع السلوك الجانح
- -2% من البالغين لديهم أعراض متبقية من الاضطراب .
- -الإنذار الجيد : غير مترافق مع اضطرابات أخرى ، ارتفاع نسبة الذكاء ، المحيط الداعم ، مهارات أكاديمية وعملية واجتماعية أعلى ( 3،5،4).
العلاج :
يتضمن العلاج عدة محاور وهي : العلاج السلوكي ، والعلاج التعليمي التربوي ، والحمية الطعامية وتعديل الغذاء ، والعلاج الدوائي .. والنتائج العلاجية مشجعة عموماً ، و50% من الحالات يتركون العلاج بعد 3 سنوات (4) .
- العلاج السلوكي :
وهو يتضمن تدريب الطفل على زيادة التركيز ، والتخفيف من فرط النشاط ،وتعديل السلوك المزعج . وتستعمل في ذلك مختلف الأساليب السلوكية ومنها : التدعيم الإيجابي ، وجدولة الأعمال والواجبات المطلوبة ، والاهتمام بالإنجاز على مراحل مجزأة مع التشجيع والمكافأة .
والتدريب المتكرر على القيام بنشاطات تزيد من التركيز والمثابرة مثل : تجميع الصور ، وتصنيف الأشياء ، والكتابة المتكررة ، وغير ذلك . إضافة للإبعاد المؤقت ( Time Out ) عند ظهور السلوك الاندفاعي أو العدواني .
كما يتضمن تعديل درجة الإثارة في البيئة المنزلية مثل توفير الغرفة الهادئة في المنزل للمذاكرة مع إبعاد المؤثرات الصوتية والبصرية مثل التلفزيون والألعاب والألوان الصارخة المثيرة . وأيضاً الابتعاد عن الحفلات والأسواق التجارية والازدحام .
وتعتبر كل هذه الأساليب من النصائح العامة المفيدة والضرورية ونتائجها لاتزال مثيرة للجدل ( 3،4،5،7) . وهي تعطي نتائج أفضل في حال مشاركتها مع العلاج الدوائي ( 7).
العلاج السلوكي:
يقوم على : التدريب على زيادة الانتباه ، التخفيف من فرط النشاط ، تعديل السلوك الاندفاعي .
- التدريب على زيادة الانتباه والتركيز : إكمال الصور ، إعادة الكتابة ، التصنيف .
- -إثابة إيجابية للسلوك المطلوب ، التشجيع والمكافأة .
- -العزل ” Time Out ”عند ظهور سلوك اندفاعي أو فوضوي .
- -تجزئة الأعمال مطلوب إنجازها إلى وحدات أصغر .
- -تعديل درجة الإثارة والملهيات .
- -النشاطات المنظمة .
- -النقد الذاتي .
- -الأوامر الذاتية .
- -نشاطات هادئة ، عدد قليل من الأشخاص .
مفيدة عموماً وهي نصائح عامة ، نتائجها غير موثقة بحثياً ؟ (3،4،5،7)
- العلاج التعليمي:
وهو يتضمن العلاج الخاص في عدد من الحالات بسبب نقص التحصيل الدراسي . ويتضمن أيضاً التعليم الفردي ، وزيادة نسبة المدرسين إلى عدد الأطفال . ويفضل عموماً وجود عدد قليل من الأطفال في نفس الفصل الدراسي ، وأن تكون النشاطات ضمن مجموعات صغيرة ، إضافة للجلوس في المقاعد الأمامية لزيادة الضبط والمراقبة بالنسبة للحالات الأشد . وأيضاً زيادة المراقبة والمتابعة في الفسح ودروس الرياضة وفي ركوب الحافلة والجلوس في المقصف.
وهذا العلاج أساسي ومفيد عموماً.
التعليم الخاص:
- -كثيرون يحتاجون إلى تعليم خاص .
- -التعليم الفردي ، وقت إضافي .
- -نسبة عالية مدرس إلى الطلاب .
- -الصفوف الأولى لزيادة الضبط والمراقبة .
- -نشاطات ضمن مجموعة صغيرة .
- -مراقبة في صالة الألعاب ، الاستراحة ، الباص .
أساسي ومفيد عموما ً .(4)
- الحمية الطعامية وتعديل الغذاء :
هناك عدد من الحميات الطعامية التي يمكن تطبيقها ومنها الحمية عن المواد الملونة في الطعام وربما تفيد 5-10% من الحالات . وحمية فاين غولد ( Feingold ) عن المواد الملونة و الساليسيلات ، نتائجها متناقضة .
وأما نظرية أن الاضطراب ينتج عن زيادة تناول السكريات ومن ثم الحرمان منها خلال اليوم فهي غير صحيحة . ونظرية التحسس الغذائي كمسبب للاضطراب لايوجد دليل على أن الاضطراب ناتج عن عمليات مناعية ارتكاسية( Immunological Reaction). والعلاج بإعطاء كميات كبيرة من الفيتامينات غير مفيد ويمكن أن يؤدي إلى حالات تسممية . وإعطاء المغنيزيوم أو الزنك أو أوميغا 3 أو غيره لايزال غير مدروس بشكل كاف . وكذلك أهمية الحمية الطعامية ، والحمية عن الملونات والمواد الحافظة ( 3،4،7).
تعديل الطعام:
- -الامتناع عن الأطعمة المحتوية على الملونات يمكن أن يفيد 5-10 % من الحالات (4).
- حمية فاينغولد Feingold Diet عن الملونات، ساليسيلات : نتائج متضاربة .
- -نظرية التسمم بالسكريات وسحبها . نظرية رد الفعل على نقص السكر : غير صحيحة
- إعطاء جرعات عالية من الفيتامينات : غير مفيد ، ضار .
- -نقص المغنيزم ؟ إعطاء زنك مغنيزيوم وغيره:غير مدروس.
- الحساسية للطعام : لايوجد دليل واضح على تفاعلات مناعية.
- -حمية طعامية ، حمية عن الملونات والمواد الحافظة : خلافي (3،4).
- -أوميغا 3 وغيرها ؟ (7)
- العلاج الدوائي :
وهو يتضمن العلاج بالمنشطات النفسية من زمرة الأمفيتامين ، وقد بدأ استعمالها منذ 1937 . ويعتبر مثيل فينيديت (Methylphenidat - Ritalin ) أكثرها استعمالاً بعد سن السادسة . ومنها دكستروأمفيتامين ( Dexedrine) ، ومزيج من أملاح الأمفتامين ( Adderall) ويمكن استعمالهما في سن مبكرة 3-4 سنوات، و بيمولين ( Cylert ) وهو منشط مختلف عن الأمفتامين يعطى بجرعة واحدة يومياً ، وقد قل استعماله بسبب آثاره الضارة على الكبد في 1-3% من الحالات . وإذا لم تستجب الحالة لدواء معين يمكن تغييره إلى دواء آخر من نفس الزمرة.
والأدوية المنشطة يمتد تأثيرها 4-5 ساعات وهي تعطى بجرعة صباحية وجرعة ظهراً وأيضاً جرعة بعد العصر ، وذلك خلال النشاط المدرسي وفي المنزل ، ويمكن استعمالها في العطلات والمناسبات الاجتماعية إذا كان ذلك ضرورياً . ولاتعطى في المساء لأنها تسبب الأرق . وهناك مركبات منها طويلة الأمد وتعطى جرعة واحدة يومياً ( Concerta ) ، ولكن تأثيرها أقل فعالية وفقاً لبعض الدراسات (4).
وهي لاتسبب الإدمان في حالات الأطفال ولاترتبط بظهور الإدمان في مرحلة الشباب ، وتفيد دراسات حديثة بأنها يمكن أن تشكل وقاية من حدوث الإدمان في مرحلة الشباب ( 7) . وهي تؤثر على الشهية في الأسابيع الأولى وينصح عموماً بتناولها بعد تناول الوجبات كي لاتتأثر الشهية ، وعلاقتها مع تأخر النمو غير ثابتة . ومن أعراضها الجانبية ظهور العرات الحركية في بعض الحالات . وفي حال ظهور أعراض الاندفاعية وزيادة الكلام يجب تخفيف الدواء أو تغييره . وهي لاتوصف في حال وجود أمراض قلبية أو زيادة في الضغط الشرياني أو فرط نشاط الدرقية .
وتخفف المشروبات الحامضية من امتصاص المنشطات مما يقلل من تأثيرها ، وكذلك دواء فينوتيئين المضاد للصرع ، وتزيد من مستواها في الدم مدرات البول من زمرة ثيازيد ، ويحاصر هالوبيريدول التأثير المنشط الدماغي وكذلك كلوربرومازين وهو يستعمل في حالات التسمم بالمنشطات لتخفيف ارتفاع ضغط الدم ويستعمل كذلك فينتولامين .
ومن العلاجات الأخرى إيمبرامين وديزيبرامين وهي من المركبات ثلاثية الحلقة وهي فعالة ومفيدة . ويمكن أن تفيد الأدوية المثبطة للخمائر وحيدة الأمين المؤكسدة ( MAOI) وقد ندر استعمالها نظراً لتفاعلاتها الخطرة مع الطعام والأدوية الأخرى . ويفيد استعمال المهدئات الكبرى مثل هالوبيريدول وريزبيريدون ولكنها غير مناسبة على المدى الطويل .
ولاتستعمل المهدئات الصغرى من زمرة بنزوديازيبام أو مركبات باربيتورويت في علاج هذا الاضطراب وهي يمكن أن تزيد من أعراضه . وفي حالات الأرق المصاحبة يفضل استعمال دي فييل هيدرامين وكلورال هايدريت .
وهناك عدد آخر من الأدوية التي تستعمل أيضاً في علاج هذا الاضطراب وبعضها غير مفيد مثل كاربامازيبين وبروزاك وبعضها لاتزال نتائجه غير أكيدة مثل كلونيدين وبروبروبيون (3،4،5،6،7).
العلاج الدوائي :
•المنشطات: مثيل فينيديتRitalin ، دكستروأمفيتامين Dexedrine ، مزيج من أملاح الأمفيتامين Adderall ، بيمولين Cylert .
- تخفف الحركة والاندفاعية وتزيد التركيز ، تختلف عن كافئين ، المهدئات .
- قصيرة الأمد 4-5 ساعات ، طويلة الأمد: أداؤها غير ثابت ؟ (4)
- ليس قبل عمر 3 سنوات، بعد الطعام، عطلات دوائية، مراقبة
- الاستجابة الأفضل: ^ نسبة الذكاء ، عدم الانتباه ، v عمر .
- أعراض جانبية : نقص الشهية ، أرق ، عرات عضلية .
- لاتستعمل في أمراض القلب ، زيادة الضغط ، فرط الدرقية . تحليل درقية + زنك + رصاص / ECG
- كلوربرومازين ، فينتول أمين : في حالة الجرعة الزائدة .
- -الحموضة + فينوتيئين : نقص الامتصاص .
- -ثيازايد : زيادة النسبة في الدم .
- -غير إدماني حتى عمر 14 سنة (4).
- -تزداد مخاطر ظهور اضطراب استعمال المواد الإدمانية عند المراهقين في حال : 1- استمرار الأعراض ، 2- 3 قصة عائلية للاضطراب ، للإدمان 4- 5 مرافقة اضطراب الجنوح ، اضطراب المزاج.
- -مشكلة الإدمان أو تحويل الدواء للآخرين :مشكلة صغرى وعموماً الحذر والدقة في إعطاء العلاج
- -العلاج طويل الأمد يمكن أن يخفف من احتمال ظهور اضطراب استعمال المواد الإدمانية : متنازع عليه ؟ (7).
- •إيميبرامين ، ديزيبرامين (3،4).
- •مثبطات الخمائر أحادية الأمين المؤكسدة MAOI .
- •كلونيدين ؟. بوبروبيون . فلوكستين : غير مفيد .
- •المهدئات الكبرى : هالوبيريدول ، ريزبيريدون : السلوك المنحرف .
- •ليثيوم : اضطراب المزاج ثنائي القطب ، كاربامازبين : غير مفيد بوضوح .
- •بنزوديازيبين ، باربيتورات : تأثير اشتدادي ، ديفينيل هيدرامين ، كلورال هيدريت : حالات الأرق
- •لصاقة النيكوتين : مفيدة ، تحتاج لمزيد من الدراسات (4).
وهناك عدد من الأدوية الحديثة قيد الدراسة .. وآخر دواء تمت الموافقة عليه كعلاج لاضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط هو أتوموكستين ( Straterra ) وقد بدأت الأبحاث عليه كمضاد للاكتئاب ولم يكن مفيداً ووجدت الدراسات أنه فعال ومفيد في حالات نقص الانتباه / فرط الحركة عند الأطفال وعند الكبار .
وهو مثبط انتقائي للنور أدرينالين ( Selective NorEpinephrine Reuptake Inhibitor ) ويمكن استعماله بجرعة واحدة صباحاً أو بجرعتين . وأعراضه الجانبية نعاس ودوخة، وأعراض هضمية مثل إنزعاج في البطن وغثيان وإقياء . وعند الكبار جفاف في الحلق ، وغثيان ، واضطراب الوظيفة الجنسية ، وإمساك ، وإزعاج في التبول . وهو بشكل كبسولات لها عيارات متنوعة وتتم زيادة الجرعة تدريجياً ، ولاتفتح الكبسولة لأنها مخرشة للجلد والعين . وتجب مراقبة المريض تحت العلاج في حالات الحساسية واضطراب الكبد وتوقيف الدواء في حال ظهور أفكار انتحارية (6،7،8).
-أتوموكسيتين (Straterra ( Lilly :
مثبط انتقائي للنورأدرينالينSelective NE Reuptake Inhibitor
- نصف العمر الدوائي 4-6 ساعات ، يستعمل عند الأطفال والكبار ، جرعة واحدة صباحاً ، وأحياناً جرعة أخرى بعد الظهر ، 10،18،25،40،100 ملغ / صغار 0,5 ملغ / كغ زيادة الجرعة بعد 3 أيام ثم زيادة تدريجياً ، الجرعة العليا 100ملغ . كبار يبدأ 40 ملغ يومياً ثم زيادة ، الجرعة العليا 100 ملغ .
- أعراض جانبية - أطفال : إزعاج في المعدة ، غثيان ، إقياء ، دوخة ، تعب ، تغير في المزاج . كبار : إمساك ، جفاف الحلق ،غثيان ، أرق ، أعراض جنسية ، إزعاج في التبول .
- مضادات استطباب : حالة الاضطراب المزاجي ثنائي القطب ، قصة عائلية ثنائي القطب ، قصة شخصية لنوبات مزاجية ، استعمال MAOI ، زرق .
- -محاذير : اضطراب كبدي ، زيادة ضربات القلب ، نقص الضغط ، مع الأدوية التي تثبط P450
- -الكبسولة لاتفتح ، مخرشة للجلد والعين .
- -لايتعارض مع الكحول .
- -مراقبة وتحذير من ظهور أفكار انتحارية 4/1000 . هلع ، عدوانية ، اضطراب كبدي ، حساسية
- -6 دراسات معشاة على الأطفال ، 2 دراسة على الكبار . (6، 7،8)
- تعليقات حول العلاج الدوائي :
يبدو أن العلاج الدوائي لايشفي الاضطراب بل يساعد الدماغ على معاوضة الاضطرابات العصبية الفيزيولوجية وسوء أدائها . ويجب أن يستمر العلاج سنوات ، وفي حالات كثيرة يمكن التوقف عن العلاج في سن المراهقة ، ولكن بعضها يحتاج لاستمرار العلاج . ولاتوجد دراسات كافية عن استعمال المنشطات وغيرها في حالات الكبار ولكنها يمكن لها أن تفيد ، وهناك أمور خلافية تشخيصية وعلاجية وأخلاقية حول اضطراب نقص الانتباه / فرط النشاط عند الكبار ( 2،3،5).
وتدل الدراسات على أن العلاج يعطي نتائج واضحة وإيجابية على أعراض نقص الانتباه والاندفاعية وفرط النشاط الحركي ، ولكنه لايحسن بالضرورة الأداء المدرسي والتحصيل الأكاديمي ، كما أنه لايؤدي إلى تحسن مستمر في السلوك العدواني أو السلوك المنحرف أو الأداء المهني أو العلاقة الزوجية أو التكيف العام طويل الأمد .. وهذا مايطرح أهمية العلاج السلوكي والتربوي والاجتماعي المرافق للعلاج الدوائي ، وضرورة اكتساب المهارات النمائية والمدرسية والاجتماعية مما يساعد المصابين في الوصول إلى درجات أفضل من التكيف (1).
تعليقات حول العلاج الدوائي :
- -العلاج الدوائي لايشفي الاضطراب ولكنه يساعد الدماغ على التعويض عن العمليات العصبية الفيزيولزجية المضطربة .
- -العلاج الدوائي يستعمل لسنوات عديدة ، كثير من المرضى يتوقفون في مرحلة المراهقة .
- -عند الكبار : لاتوجد دراسات كافية ، جدل وخلافات ؟
- -بينت الدراسات أنه يحدث تحسن واضح في الانتباه والاندفاعية وفرط النشاط ، لايستمر التحسن في العدوانية ، السلوك المنحرف ، العلاقات الزوجية ، العمل ، التكيف العام طويل الأمد .
- -أهمية تعديل السلوك ، التربية ، الانضباط والتدريب والمهارات في المجالات الدراسية والاجتماعية (1،3).
المراجع :
1- الطب النفسي والحياة ، الكتاب الثالث : الدكتور حسان المالح ، دار الإشراقات ، دمشق 1999 .
- 2 - DSM IV . American Psychiatric Association.Washington 1994 .
- 3-- Synopsis of Psychiatry .Edited by R.E.Hales & S.C.Yudofsky.American Psychiatric Press.Washington 1996
- 4 - Goldman LS,Genel M,Bezman RJ,Slanetz PJ: Diagnosis & Treatment of ADHD in Children & Adolescents . Report from the Council on scientific Affairs.Americam Medical Association.Chicago 1997. JAMA March 1997. JAMA ME pp 79-86.Aug1998.
- 5 - WebMD.com. ADD+ADHD.3/2007 .
- 6 - RxList.com.3/2007 .
- 7 - Evidence Based Medicine EBM + ADHD : Personal File 2007, CD, Availiable on Request .
- 8- Straterra.com 3/2007
تم النشر في15/4/2007

الطفلة التي تضع كل شيء في فمها "استشارة نفسية"

الطفلة التي تضع كل شيء في فمها "استشارة نفسية"

الدكتور حسان المالح - استشاري الطب النفسي - دمشق
تفاصيل عن المشكلة:
تحدثت الأم إلى الطبيب النفسي عن طفلتها الوحيدة بقلق وتوتر بسبب ظهور سلوكيات جديدة للطفلة منذ بضعة أشهر، وتتلخص هذه السلوكيات بأن الطفلة وعمرها ست سنوات أصبحت تضع في فمها أشياء كثيرة وغريبة وتعلكها وتمصها لفترات متفاوتة .. مما أدى إلى حدوث إسهالات وإقياءات .. وكان آخرها ليلة البارحة حيث قضت ليلة مزعجة إلى جانب طفلتها ترعاها بسبب الإقياء المتكرر .. وقد فكرت بأخذها إلى المشفى خشية حدوث التجفاف الذي ينتج عن الإقياء والإسهال المتكرر والذي يؤدي إلى فقد الوعي أو التشنجات إذا لم يعالج وإذا لم يبقى في داخل الجسم سوائل كافية .. حيث يجب إعطاء محاليل وريدية في المشفى إضافة لإعطاء مضادات الإقياء وغير ذلك ( الأم طبيبة عامة مطلقة .. ممتلئة حناناً وحباً وذكاءً ).
وفي ذلك اليوم قامت الطفلة بوضع جوربها المتسخ في فمها وأخذت تعلكه وتمتصه فترة طويلة .. وقد كانت تضع أشياء متنوعة في فمها ( بعيداً عن الأهل ومراقبتهم ) مثل ألعاب بلاستيكية وأدوات متنوعة وقطع قماشية .. وعندما لاحظتها أمها وبختها على ذلك وشرحت لها خطورة هذا السلوك .. وقد وعدت الطفلة بعدم تكراره .. إلا أنه كان يتكرر ..
وتبين من خلال الحوار المتبادل مع الطبيب أن الطفلة قد بدأت منذ عدة شهور بالذهاب إلى الصف التمهيدي في المدرسة . وهذه هي المرة الأولى التي تبتعد فيها عن البيت خلال ساعات الصباح حيث تبقى عادة مع جدها وجدتها بينما تمارس الأم عملها إلى فترة بعد الظهر حيث تبقى الأم غالباً في المنزل برفقة ابنتها تلاعبها وتعلمها وتعتني بها ثم تنام الطفلة في سرير أمها .
ولم تكن الشهور الماضية المرتبطة بذهاب الطفلة إلى المدرسة سهلة أبداً .. وقد رفضت الطفلة الذهاب في البداية ثم وافقت بعد الإصرار والتشجيع .. ومرت أسابيع بين رفض وقبول وتمنع عن الذهاب إلى أن استقر موضوع دوامها في المدرسة نسبياً ، وأصبحت تحب المدرسة وصديقاتها والمعلمة.
والطفلة اجتماعية ومحبوبة .. ذكية ونشيطة ومرحة.. إلا أنها مدللة ووحيدة لأمها ، ولم تألف أن تكون واحدة بين مجموعة من التلميذات في المدرسة .. حيث تعودت على أن تكون مركز الانتباه والاهتمام .. ووضعيتها الجديدة في المدرسة كطفلة مثل بقية الأطفال يسبب لها ضغطاً وقلقاً وتوتراً وجروحاً تترتبط بنرجسيتها وتقديرها لذاتها .. فهي ليست مركزاً للاهتمام الخاص وليست سيدة الصف المدرسي وهناك أخريات مثلها.
معلومات إضافية عامة:
كانت ولادة الطفلة طبيعية وكان الحمل تسع أشهر .. ولم تتعرض لأمراض أو عمليات جراحية . وكان تطورها الجسمي والعقلي ممتازاً . وقد رضعت من حليب أمها حوالي سنتين .. وتم إدخال الأطعمة المتنوعة إضافة لحليب الأم منذ أن كان عمرها ستة أشهر . ولم تتعرف على الرضاعة من قارورة الحليب " المصاصة " ، حيث لم يكن ذلك ضرورياً برأي الأم . ولم تكن تستعمل " اللهاية - وهي قطعة بلاستيكية يقوم الطفل بوضعها في فمه ومصها أثناء النهار أو قبل النوم " ، حيث كانت الأم تعتبرها مصدراً للتلوث والأمراض .
ومن النواحي النفسية كان نموها اعتيادياً وقد تربت مع أمها وجدتها وجدها منذ أن كانت في شهورها الأولى ، وأبوها يراها في أوقات متنوعة ، ولم تظهر عليها مشكلات سلوكية أو معاناة واضحة .. وكانت سعيدة راضية ومحبوبة وقوية الشخصية . وفي عاداتها الطعامية كانت تشبع بسرعة ووزنها عادي وليست ناقصة التغذية أو نحيلة جداً ، وهي أقرب إلى الرشاقة والنحول . وعندما تصر أمها على إطعامها أكثر كانت تغلق فمها أو تحاول الإقياء فتتوقف الأم عن إعطائها مزيداً من اللقمات.
تعليقات:
تضمنت الاستشارة تطمين الأم والتخفيف من قلقها .. وأن مايحدث هو سلوك مفهوم ومؤقت ويرتبط بالتكيف مع المدرسة وسوف يختفي ، وهو يعبر عن قلق الطفلة ومحاولتها للتخفيف من هذا القلق من خلال اللذة الفموية والتي تعطي مشاعر مريحة مضادة للقلق والتوتر .. وبالطبع تم التأكيد على ضرورة السيطرة على الإقياء وعلى إعطاء السوائل بكمية كافية في الوقت الحاضر إلى أن يختفي الإقياء . ومن ثم ضرورة الحزم والتشديد على ضبط السلوك المرضي وهو وضع أشياء في الفم وعلكها ومصها .. ويعتمد الضبط على التوضيح المبسط وبعبارات محدودة حازمة دون الشرح الطويل الذي لايبقى في ذهن الطفلة عادة ، إضافة للاتفاق على سلسلة من العقوبات المتدرجة في حال تكرار السلوك . ومن جهة أخرى تم استعراض عدد من السلوكيات البديلة غير المرضية مثل الإكثار من العلكة والتي تعطي مشاعر فموية إيجابية ، وتناول كميات أكبر من الطعام في الوجبات الرئيسية وبشكل تدريجي وضمن خطة متفق عليها . إضافة لاستعمال كأس بلاستيكية خاصة بالأطفال لها مايشبه النتوء أو المصاصة كي تستعملها للشرب بدلاً عن الكأس العادية المخصصة للكبار.
يضاف إلى ماسبق ضرورة تفهم قلق الطفلة من قبل أمها والسعي إلى تطمينها باستمرار ، وتشجيعها لتقبل المدرسة بكافة الأشكال الممكنة ، والاستماع إلى قلقها حول المدرسة وتعديل نظراتها السلبية إلى المدرسة والآخرين حين ظهورها ، وتشجيع نموها الطبيعي وتكيفها واستقلاليتها دون دلال زائد وبالتدريج .. ودون سلوكيات مرضية.
وقد تفاعلت الأم مع الاستشارة بشكل ممتاز واكتشفت أموراً مفيدة وساهمت في وضع خطة العلاج المتناسبة مع الظروف .. وخرجت راضية متفائلة وأكثر حزماً وتصميماً .. وتم الاتفاق على متابعة الحالة ومناقشة التطورات أسبوعياً.

القلق النفسي .. أعراضه، أسبابه، وطرق العلاج:

القلق النفسي .. أعراضه، أسبابه، وطرق العلاج:

د.حسان المالح - استشاري الطب النفسي - دمشق - العيادة النفسية الاستشارية - شارع العابد - جوار المطعم الصحي 2322841- أستاذ محاضر في الجامعة العربية الدولية (الأوربية سابقاً )
مقدمة :
إن القلق هو من المشاعر الإنسانية الأساسية مثله مثل الفرح والحزن والخوف .. ويعني القلق الشعور بالتوتر والترقب والإحساس بالخطر العام وهو يعني أيضاً عدم الاطمئنان . والقلق مصطلح حديث نسبياً في لغتنا العربية وقديماً استعملت عدة مصطلحات للتعبير عنه مثل الخوف والوجل وغيره .. وفي العامية يستعمل مصطلح التوتر والنرفزة والعصبية للتعبير عنه بشكل تقريبي .
ويمكننا القول" إن قليلاً من القلق لابأس فيه" لأنه يحضر الإنسان لمواجهة الحياة اليومية ويجعله مستعداً بشكل أفضل لدرء المخاطر وإتقان تصرفاته و أعماله المتنوعة ..والحياة اليومية تواجهنا بمواقف كثيرة تتطلب الجهد والرد الصحيح ، والقلق باعث إيجابي للتكيف مع الواقع ومتطلباته .. وتكمن المشكلة عند زيادة كمية القلق أو استمراره فترة طويلة .. وهنا يعتبر القلق مرضاً واضطراباً .. لأنه يعطل الإنسان ويرهقه ويجعل حياته اليومية مؤلمة ومزعجة .. ويجعل أعصابه مشدودة ومتوترة ..كما أن الإحساس بالقلق والترقب فترة طويلة يؤدي إلى المزاج السيئ والإرهاق واستنزاف الطاقة ونقص الإنتاجية .
ولابد من الإشارة إلى أن معظم المجتمعات لديها تراث متنوع يتعلق بالأساليب التي تخفف من القلق والتوتر .. مثل الترويح عن النفس والتسلية ، وتدليك الجسم والعضلات ، وتناول بعض المشروبات والأعشاب ، وأيضاً الأساليب الدينية والروحية المتعددة .
ويوصف العصر الحديث بأنه عصر القلق .. لأن فيه تغيرات سريعة وحادة ومفاجئة .. وفيه أزمات وتغيرات اجتماعية واقتصادية وتقنية وفكرية متنوعة ،والإنسان المعاصر عليه أن يتكيف مع جملة من المتغيرات وأن يلحق بها ،وهو معرض للقلق والاغتراب والإحباط بشكل مستمر .
ومن النواحي الطبية النفسية تترافق معظم الاضطرابات النفسية بأعراض القلق وكذلك عديد من الأمراض الجسمية .
وهناك مجموعة من الاضطرابات النفسية تسمى اضطرابات القلق وهي : القلق العام أو المتعمم(Generalized Anxiety Disorder) ، نوبات القلق الحاد أو الهلع (Panic Disorder)، اضطراب الوسواس القهري ( Obsessive Compulsive Disorder)، المخاوف المرضية المتنوعة مثل رهاب السوق والأماكن المفتوحة (Agoraphobia)والرهاب الاجتماعي (Social Phobia)والمخاوف المحددة من الحيوانات والمرتفعات والأماكن المغلقة والطائرات وغيرها من المخاوف ، اضطراب الشدة بعد الصدمة (Posttraumatic Stress Disorder)،اضطراب الشدة الحاد (Acute Stress Disorder)، وغير ذلك .
وفي جميع الاضطرابات السابقة نجد أن القلق هو العرض الرئيسي الذي يجمع بينها ..وهذه الاضطرابات واسعة الانتشار ولا تسبب اضطراباً شديداً في التفكير مثل الاضطرابات الهذيانية كالفصام أو الشك .. وهي تصنف عموماً ضمن الاضطرابات النفسية الصغرى تفريقاً لها عن الاضطرابات النفسية الشديدة أو العقلية .
اضطرابات القلق المحددة :
واضطرابات القلق بالمعنى المحدد هي : اضطراب القلق العام واضطراب الهلع .. وسنتحدث عنها بالتفصيل فيما بعد.
وأيضاً حالات اضطرابات التكيف (Adjustment Disorders)التي يمكن لها أن تأخذ شكل أعراض القلق والتوتر والعصبية ، وهي ناتجة عن ظروف أو أحداث معينة ، مثل صعوبات التكيف مع المدرسة أو عمل جديد أو علاقة زوجية حديثة أو بعد فشل علاقة عاطفية أو أزمة مالية ، ومن ذلك قلق الامتحان عند اقتراب موعده ، وغير ذلك ..
وهناك أيضاً مايعرف بالشخصية التجنبية القلقة وهي نوع من اضطراب الشخصية المزمن، وفيها(Avoidant Personality Disorder) يزداد القلق تجاه أمور حياتية كثيرة ، وهي تخاف من النقد وعدم الاستحسان لسلوكها ، كما أنها حساسة جداً وتبحث عن القبول ، وتبتعد عن أية تجديد واكتشافات في سلوكها العام . وهي خجولة عموماً وهادئة ومقموعة ، ولديها تقدير منخفض لذاتها ، ونمط حياتها محدود لأنها تتطلب التأكد والأمان باستمرار .
اضطراب القلق العام(Generalized Anxiety disorder):
يعتبر القلق العام أو المتعمم اضطراباً شائعاً ونسبة انتشاره حوالي 5% من السكان .وهو يصيب الذكور والإناث بنسب متشابهة . وهو يشخص في حال وجود : الشعور الزائد بالترقب والخوف وانشغال الذهن حول أمور متعددة ، مع صعوبة السيطرة على هذا الشعور ، ولمدة ستة أشهر على الأقل في معظم الأوقات ، إضافة لوجود ثلاثة أعراض على الأقل مما يلي :
1- الإحساس بالتوتر والتململ وعدم الراحة والغليان ( على أعصابي طوال الوقت ) .
2- سرعة التعب والإرهاق .
3- صعوبة التركيز أو الشعور بفراغ العقل .
4- العصبية والتهيج والنرفزة.
5- التوتر العضلي ( آلام في العضلات ، الشد على الأسنان ، تأرجح الصوت ) .
6- صعوبات في النوم ( الأرق وصعوبة الدخول في النوم ، تقطع النوم وعدم إشباعه ).
اضطراب الهلع(Panic Disorder):
وهو اضطراب شائع ونسبة انتشاره حوالي 3-4% ، وهو ينتشر أكثر عند المرأة وبنسبة ضعف انتشاره عند الرجل . ويترافق في ثلث الحالات أو نصفها مع الخوف المرضي المتعدد أو رهاب السوق والأماكن المفتوحة والحشود( Agoraphobia)، وعندها يزداد انتشاره عند المرأة بنسبة ثلاثة إلى واحد .
ونوبات الهلع تعتبر حالة شديدة مرعبة تستمر لدقائق ثم تختفي وخلالها يصاب الإنسان برعب شديد وقلق حاد وانزعاج وتصل النوبة إلى ذروتها خلال 10 دقائق وهي تتضمن 4 على الأقل من الأعراض التالية :
1- خفقان القلب أو ازدياد النبض .
2- ازدياد التعرق .
3- الرجفة أو الإحساس بالإرتعاش .
4- صعوبة في التنفس ، الكتمة وضيق التنفس .
5- الشعور بالاختناق وعدم القدرة على التقاط النفس .
6- ألم في الصدر أو انزعاج في الصدر .
7- الغثيان أو انزعاج في البطن .
8- الشعور بالدوخة أو عدم التوازن أو الشعور بالإغماء .
9- الإحساس بتغير الشخصية (كأنني لست أنا) أو بتغير البيئة المحيطة واختلافها .
10- الخوف من فقدان السيطرة على الذات أو الخوف من فقدان العقل .
11- الخوف من اقتراب الموت ، الشعور باقتراب النهاية والموت .
12- الشعور بالتنميل والخدر في الجسم والأطراف .
13- هبات في الجسم ساخنة أو باردة .
وفي حال ترافق ظهور نوبة الهلع مع موقف معين مثل وجود المريض في السوق أو في مكان عام مزدحم أو أثناء ركوب السيارة أو الطائرة أو غيرها من المواقف ، فإن المريض يمكن له أن يمتنع عن الذهاب إلى مثل تلك الأماكن .. وفي بعض الحالات الشديدة يبقى المريض حبيس المنزل ولايخرج منه إلا برفقة أحد من أقربائه أو معارفه وبعد جهد كبير .
ونوبات الهلع يمكن لها أن تتكرر في اليوم الواحد وأن تطول لمدة ساعة أو أكثر في بعض الأحيان ..ويتطلب التشخيص ظهور 4 نوبات خلال شهر أو نوبة واحدة خلال شهر يظل المريض خائفاً ومترقباً خلاله من ظهور نوبة ثانية . ونوبات الهلع يمكن أن تظهر مرة واحدة وتختفي لسنوات طويلة وعندها تسمى نوبة هلع منفردة وليس اضطراب نوبات الهلع المتكرر .
وتظهر نوبة الهلع أثناء القيام بعمل اعتيادي أو أنها تظهر بعد موقف يدعو للخوف أو الألم أو بعد الابتعاد عن الأسرة بسبب العمل أو الدراسة . ويمكن أن تظهر النوبة الأولى بعد الولادة أو قبل الدورة الشهرية أو أثناء ممارسة الرياضة أو بعد تناول إحدى المواد الممنوعة كالحشيش أو الكوكائين أو الأمفتامين .
وكثيرون من مرضى الهلع يراجعون أطباء القلب والصدرية وأقسام الطوارئ في المشفيات العامة ، وهم يقومون بفحوصات عديدة ومكلفة ولايظهر تخطيط القلب أو غيره من الفحوصات أية علامات على مرض عضوي، وهم يتنقلون بين مختلف العيادات التخصصية بما فيها أطباء الأذنية والهضمية وغيرها دون تشخيص واضح ودون جدوى .
وقليل منهم من يراجع الطبيب النفسي أو يتم تحويله إلى الطبيب النفسي .. وذلك بسبب الجهل العام والمخاوف التي لامبرر لها حول الطب النفسي والعلاج النفسي .
واضطرابات القلق عموماً هي اضطرابات مزمنة ..والقلق العام أشد إزماناً من اضطراب الهلع الذي يمر بفترات من الإشتداد والسبات ، كما أن بعض الحالات تشفى تلقائياً .
وتأكيد تشخيص اضطراب نوبات الهلع يحتاج إلى الانتباه إلى بعض الأمراض العضوية التي يمكن أن تتظاهر بأعراض مشابهة لنوبات الهلع ويتطلب ذلك خبرة وتدريباً إضافة لبعض الفحوصات الطبية لنفيها أو تأكيد وجودها. وأهم هذه الأمراض نقص السكر في الدم وفرط نشاط الغدة الدرقية أو قصورها إضافة إلى فقر الدم وورم الغدة الكظرية .. وكل ذلك يحتاج إلى تحاليل دموية اعتيادية . ويمكن لبعض الاضطرابات القلبية أن تختلط بنوبة الهلع مثل نقص التروية القلبية وتدلي الصمام التاجي واضطرابات نظم القلب ، وهي تحتاج إلى تخطيط القلب وتصويره بالصدى و الفحص الطبي السريري .
ويضاف إلى ما سبق ذكره من الأمراض العضوية الربو الصدري وصرع الفص الصدغي وهي تحتاج إلى فحص الصدر واختبار الوظائف التنفسية وتخطيط الدماغ .
وأما تأكيد تشخيص القلق العام فهو يحتاج لنفي وجود بعض الأمراض العضوية السابقة وأيضاً استبعاد تأثير تناول مادة الكافئين بكميات كبيرة ( مادة الكافئين موجودة في القهوة والشاي والكولا والمتي والشوكولا وغيرها ).
الاضطرابات النفسية المرافقة للقلق :
يترافق القلق العام مع الاكتئاب بمختلف أنواعه وكذلك اضطراب الهلع . كما تترافق اضطرابات القلق مع بعضها البعض في نفس المريض . ويزداد استعمال المواد الإدمانية مع اضطرابات القلق . وتزداد الاضطرابات الجسمية النفسية مثل تناذر تشنج الكولون أو المعدة والصداع التوتري وغيره .
الأسباب :
تؤكد نظرية العوامل العضوية النفسية الاجتماعية في فهمها للاضطرابات النفسية على أهمية عدة عوامل معاً تساهم في نشوء معظم الاضطرابات النفسية .. وتختلف أهمية عامل معين وفقاً للاضطراب أو الحالة الفردية .. والعوامل العضوية الوراثية لها أهمية في نشوء القلق ولاسيما في حالات نوبات الهلع وتبين الدراسات أن أقارب الدرجة الأولى المصابين بالهلع لديهم نفس الاضطراب وبنسبة 25% ، كما تصل نسبة ظهور الهلع لدى التوائم وحيدة البيضة إلى خمسة أضعاف مقارنة مع التوائم ثنائية البيضة . وتشير إحدى النظريات إلى وجود حساسية خاصة في منطقة جذع الدماغ لغاز ثاني أوكسيد الكربون عند المصابين بالهلع وهي حساسية مزمنة تؤدي إلى فرط التنفس المزمن وسطحيته . وقد تبين بالتجارب العملية أنه إذا كان هواء الغرفة مشبعاً بنسبة 5% من غاز ثاني أوكسيد الكربون فإن ذلك يؤدي إلى حدوث نوبة هلع عند الأشخاص المهيئين له .. وعملياً نجد أن عديداً من الأشخاص المهيئين للهلع ينزعجون عند دخول غرفة مكتظة أو سيئة التهوية مما يفسر الحساسية الخاصة لديهم لغاز ثاني الكربون الناتج عن تنفس الحاضرين الاعتيادي .
وتتفاوت الفرضيات العضوية في تأكيدها على منطقة معينة في الدماغ من حيث زيادة نشاطها أو وجود نقص في إحدى الخمائر المسؤولة عن النواقل الدماغية العصبية وعلاقة ذلك بنشوء القلق . وربما تكون منطقة اللطخة الزرقاء ( Locus Coerrolous) هي المسؤولة عن إفراز دفعة من مادة الأدرينالين المولدة للقلق .
وتؤكد النظريات النفسية على أهمية قلق الخصاء ( Castration Anxiety ) والذي يحسه الشخص على شكل خطر وتهديد من رموز السلطة الأبوية المتنوعة .. وهو ينتج عن أسباب تربوية وصراعات نفسية تؤدي إلى الشعور بالتهديد عندما يحاول المرء أن يتبث ذاته أثناء حله لمشكلة تعترضه أو موقف صعب يعرضه لقلق الفشل أو الشعور بالضعف والقصور .
وهناك قلق الانفصال Separation Anxiety)) والذي يمكن أن يبدأ بشكل خوف من الذهاب إلى المدرسة في سن الطفولة وفيما بعد يظهر بشكل نوبات هلع عندما يغادر الإنسان منزله أو يسافر بعيداً عن أهله وعلاقاته الهامة .
كما أن التعقيدات النفسية والحرمانات والآلام التي يتعرض لها خلال مرحلة الاستقلال والانفصال في نموه النفسي يمكن لها أن تترك جروحاً وحساسية خاصة لكل مايذكر بالاستقلال والانفصال وتؤدي إلى ظهور أعراض القلق والهلع فيما بعد .
وتؤكد النظريات السلوكية على أهمية التعلم الشرطي في فهم القلق ومثلاً يتعلم الإنسان أن ازدياد ضربات القلب مرتبط بحدوث الخطر الشديد مهما كان سبب هذا الازدياد ، ويؤدي ذلك إلى ارتباط الخوف والقلق بالظرف المؤلم وبالتالي بتوقع الخطر .
ويمكن للقلق أن يتم تعلمه من الآخرين ومن البيئة المحيطة حيث يعلم الأباء والأمهات القلق لأطفالهم، كما أن بعض الأشخاص يولدون ولديهم مزاج حساس وقلق .
وتلعب العوامل الاجتماعية العامة والتربوية دورها في ازدياد الشعور بالمخاطر وعدم الأمان ، من خلال الحروب والكوارث والاضطرابات الاجتماعية وأحوال الحياة الاقتصادية والمعيشية وتناقضاتها وتغيراتها الحادة .. إضافة إلى قيم التنافس الشديد والتربية القاسية الشديدة والحرمانات الطفولية .. وكل ذلك يمكن أن يزيد في حساسية الجهاز العصبي والنفسي العامة ، وأيضاً الحساسية لإشارات الخطر المتنوعة .. مما يزيد في حدوث نوبات الهلع والقلق العام . ونمط الحياة العصرية بقيمها وتناقضاتها يمكن لها أن تغذي القلق وأن تشجعه مقارنة مع نمط الحياة البسيطة .
العلاج :
هناك عدد من الأساليب العلاجية المفيدة في علاج القلق النفسي بمختلف أشكاله .. والعلاج الدوائي مفيد وفعال في علاج اضطراب الهلع وهو يمنع تكرار حدوثها ويضبطها . وكذلك يفيد في حالات القلق العام وهو يحتاج للاستمرار فيه عدة شهور أو أكثر . والأدوية الحديثة المضادة للسيروتينين أدوية فعالة وأمينة ولاتسبب الإدمان ومنها : باروكستين (Seroxat) ، سيرترالين (Zoloft) ، سيتالوبرام وإيستالوبرام (Cipram,Cipralex) وفلوفوكسامين (Faverin) وغيرها .. وكذلك الأدوية الحديثة المضادة للسيروتينين تحديداً وللنورأدرينالين ومنها فينلافاكسين Efexor)) .وبالطبع فإن الأدوية ثلاثية الحلقة مفيدة وفعالة وهي من الأدوية القديمة ولها بعض الآثار الجانبية ولاتزال تستعمل كمضاد للقلق مثل كلوميبرامين (Anafranil) وإيميبرامين (Tofranil) .
والأدوية المهدئة من زمرة البنزوديازيبين مفيدة وفعالة وهي تستعمل لفترات فصيرة عادة لمدة أسابيع أو عند اللزوم لأنها تسبب التعود إذا استعملت لفترات طويلة وبشكل يومي . ومنها ديازيبام (Valium) وكلونازيبام (Rivotril) وبرومازيبام (Lexotanil) وألبرازولام (Xanax). وهذه الأدوية المهدئة تخفف من أعراض القلق والخوف وأيضاً تخفف من استباق الخوف (Anticipation anxiety)الذي يتولد عند المريض بعد حدوث نوبة هلع مثلاً ، مما يفيد المريض بأن يجعله يتصرف بشكل مقبول في أموره اليومية دون الهروب والابتعاد عن المواقف التي يتوقع فيها الخوف .
وتفيد الأدوية المهدئة أيضاً في حالات الأرق والقلق المؤقت أو الناتج عن شدة نفسية معينة أو ظروف صعبة مثل قلق الامتحان وغيره ، حيث تستعمل بنجاح خلال فترة قصيرة .
ويعتمد العلاج النفسي غير الدوائي على عدد من الأساليب السلوكية المفيدة مثل : التحكم بالتنفس والتنفس العميق بدلاً عن التنفس السريع السطحي من خلال تمارين الاسترخاء وتمارين التنفس .
ومن المفيد مواجهة نوبة الهلع مثلاً بدلاً عن الهروب منها ..وكذلك مواجهة المواقف التي تثير النوبات ويمكن استعمال دواء مهدئ أو أساليب نفسية إيحائية أوسلوكية وغيرها من المطمئنات التي تعين على البقاء في الموقف ومواجهته ولو بشكل تدريجي إلى أن تتعود الأعصاب وتهدأ في نفس الموقف .. وهذا يزيد من الشعور بالسيطرة على القلق ويعدل موقف المريض من حالته .
ويفيد العلاج المعرفي الذي يعتمد على تعديل أفكار المريض التلقائية ونمط التفكير السلبي الذي تعود عليه والمرتبط بنوبات الهلع مثلاً حيث يعتقد مريض الهلع بجملة من الأفكار الخاطئة التي تساهم في تثبيت الخوف والهلع ويجري مناقشة مثل هذه الأفكار وتحديدها ومن ثم تعديلها من خلال الحوار والجلسات العلاجية .
ويفيد بشكل عام الدعم النفسي والتاكيد على الاستقلالية وتحقيق الشخصية ، وكذلك بحث بعض العقد الشخصية والذكريات المؤلمة من خلال التحليل النفسي المختصر والعلاقة الإيجابية مع المعالج .
كما تفيد بعض الأساليب العامة المطمئنة في تخفيف القلق مثل الأساليب الدينية والروحية والذكر والاستغفار وبعض الأساليب الصوفية القديمة مثل تكرار كلمة معينة لفترات طويلة ، وأيضاً أساليب اليوغا والسيطرة على النفس وأساليب التأمل وغيرها .
ويفيد الاسترخاء العام من خلال أساليب التدليك ( المسّاج ) والرياضة بمختلف أنواعها والحمامات الساخنة وحمامات البخار والترويح عن النفس والموسيقا والرقص وتناول بعض الأعشاب إضافة إلى الأجهزة الحديثة مثل الأجهزة العاكسة للوظائف الحيوية (Biofeedback Instruments) ، وغير ذلك من الأساليب الذاتية وأساليب عالج نفسك بنفسك و"كيف تسيطر على القلق" و"دع القلق وإبدأ الحياة" ..
وقائمة العلاجات التي يمكن استخدامها لعلاج القلق طويلة ..وتظهر علاجات وأساليب جديدة بين الوقت والآخر .. وبعضها غير ثابت في فعاليته ..ومع ازدياد فهمنا للقلق بشكل علمي وطبي من خلال الدراسات والأبحاث ، فإنه من المتوقع تحسن الوسائل العلاجية الطبية الحالية وتلاشي بعضها الآخر .
كلمة أخيرة :
القلق النفسي مرض يحتاج إلى العلاج .. وهو شائع وله عدة أشكال .. وهو يؤدي إلى المعاناة والألم النفسي والجسدي وإلى عدم الاستمتاع بالحياة اليومية وإلى تحديد النشاطات وتضييقها .. كما أنه يستهلك طاقة الإنسان النفسية الداخلية ويجعله أقل فعالية وأقل إنتاجاً في مختلف المجالات .
ولابد من تفهم القلق وعلاجه والتخفيف من أضراره وتبديد الأوهام المرتبطة به .. ولابد من تضافر الجهود الطبية والتربوية والاجتماعية والفكرية والإعلامية لدراسته وبحثه وتسليط الأضواء عليه والعمل على إيجاد أفضل الطرق العلاجية والوقائية بما يخدم مجتمعاتنا وصحتنا النفسية .
المراجع :
1- الطب النفسي والحياة ، الكتاب الأول ، الدكتور حسان المالح ، الطبعة الثانية 1997 ، دار الإشراقات دمشق .
2- DSM IV Diagnostic & Statistical Manual of Mental Disorders.4th Edition, American Psychiatric
Association.Washington,1994
3- Psychology and you, An informal introduction, Julia Berryman and others,3ed Edition, BPS Blackwell, U.K, 2006

الخوف من زيارة الطبيب النفسي:

الخوف من زيارة الطبيب النفسي:

الدكتور حسان المالح - استشاري الطب النفسي - دمشق - العيادة النفسية الاستشارية - شارع العابد - جوار المطعم الصحي- 2322841
الخوف من زيارة الطبيب النفسي لايزال واسع الانتشار في بلادنا ..على الرغم من التطورات والتغيرات الايجابية في ميدان الوعي الطبي والصحي العام ، وتطور الخدمات الصحية والطبية في مختلف الفروع الطبية غير النفسية ..
وفي تحليل هذه الظاهرة لابد من التطرق إلى عدة أمور ..
1- يلعب الجهل دوراً واضحاً في الخوف من كل ماهو نفساني .. وهنا يأتي دور المعلومات الخاطئة الشائعة المرتبطة بالأمور النفسية والتي تحتاج إلى تصحيح وتعديل .. وكلما ازدادت الثقافة العامة والثقافة الصحية والنفسية كلما كان الوضع أفضل . وتتعدد المعلومات الخاطئة الشائعة حول الأمور النفسية وبعضها يتعلق بتحديد المرض النفسي وميدان الطب النفسي وأنه يرتبط بالجنون أو التخلف العقلي أو إدمان المواد الإدمانية .. وفي ذلك نظرة ضيقة وقديمة ولاتتناسب مع واقع الطب النفسي والتطور الكبير الذي حدث فيه خلال العقود الماضية من حيث الاهتمام بالاضطرابات النفسية الصغرى مثل القلق ونوبات الهلع والاكتئاب والوسواس القهري والمخاوف المرضية واضطرابات التكيف وغيرها .. والتي لاعلاقة لها بالاضطرابات النفسية الكبرى مثل الفصام والهوس الشديد والاضطراب الذهاني ( والتي تصل في شدتها إلى مايسمى خطأ بالجنون ) .
وبعض المعلومات الخاطئة يرتبط بالنظرة إلى الأدوية النفسية وأنها تسبب الإدمان أو أنها تستعمل مدى الحياة في كل الحالات .. وبالطبع هذه النظرة خاطئة وهناك أكثر من 150 دواءً نفسياً وعدداً من الزمر الدوائية العلاجية ولاتنطبق مسألة الإدمان إلا على زمرة المهدئات الصغرى ( أو المنومات ) إذا استعملت فترات طويلة ودون متابعة الطبيب .. وعلى أية حال هناك تضخيم واضح لهذه المسألة في أذهان العامة والخاصة .. والتعود الذي يحدث من استعمال المنومات يمكن التعامل معه بتخفيف الجرعات تدريجياً ولايقارن بمشكلاته مع إدمان المواد المحظورة عالمياً .. وتبقى المشكلة وهي محدودة بالطبع عند من يدمن على المواد المحظرة عالمياً ويستعمل إضافة لها المنومات .
وبعض المعلومات الخاطئة يرتبط باضطراب نفسي مثل " الربط " في حال اضطراب الانتصاب لدى الزوج ليلة الزفاف ، والخوف من الجماع مع تشنج المهبل لدى الزوجة ليلة الزفاف على اعتبار أنه نوع من الحسد أو السحر أو غيره ، والوسواس المرضي القهري أنه وسوسة من الشيطان وليس مرضاً نفسياً ولايحتاج إلى طبيب نفسي أو دواء .. أو ترتبط المعلومات الخاطئة بطريقة علاج محددة مثل أن العلاج الأفضل لجميع الاضطرابات النفسية هو التنويم المغناطيسي الذي يجعل المريض ينسى كل آلامه ويعرف كل أسبابها .. أو أن العلاج بالجلسات النفسية هو الحل لجميع الحالات النفسية بديلاً عن الأدوية النفسية الضارة . (للمزيد من التفاصيل راجع اختبارالأفكار الشائعة حول الطب النفسي صفحة 139- 157 في كتابي فوائد نفسية 2001 ) .
ويدل ماسبق ذكره على أن المعلومات النفسية الخاطئة واسعة الانتشار وهي تحتاج لجهود عديدة لتعديلها وللتعرف على ميدان وممارسة الطب النفسي اليوم ضمن تطوره وإمكانياته لتشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية المتنوعة مما يؤدي إلى مساهمة هذا الميدان الطبي بدوره بشكل أفضل في مجتمعاتنا .
2- الخوف من نظرة المجتمع ونظرة الآخرين .. ويتمثل ذلك بالكتمان والسرية والتحفظ وتحمل المعاناة النفسية من قبل المريض نفسه أو أهله المقربين . ويرتبط ذلك بالطبع بالنظرات السلبية في المجتمع للمعاناة النفسية وأنها مرادفة " لفقدان العقل " . ويبرز ذلك بشكل أوضح في البيئات الريفية حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً عن قرب .. وربما كان الوضع أفضل في بيئة المدينة الواسعة حيث يقل الترابط الاجتماعي . ويبدو أن المرأة تتعرض للمزيد من الضغوط في حال معاناتها النفسية لاعتبارات تتعلق بمستقبلها في الزواج ، حيث يبذل الأهل جهوداً كبيرة لإخفاء المرض أو تلفيق الأعذار لها عن معاناتها.
وينتج عن المبالغة في الخوف من نظرة المجتمع ونظرة الآخرين التأخير في عرض الحالة على الطبيب النفسي .. وبعضهم يراجع الطبيب بعد عشر سنوات على ظهور المرض .. ويؤدي ذلك إلى إزمان المرض وصعوبات علاجه ، إضافة للمعاناة والألم دون داع مقبول ، ولابد هنا من التأكيد على القاعدة الذهبية العامة في كل فروع الطب " أن العلاج المبكر هو الأفضل دائماً ".
وكثير من الأمراض أصبحت مقبولة اجتماعياً مثل السكري وارتفاع الضغط وقرحة المعدة وغيرها .. ولايشعر المصاب بها بالعيب والعار وضرورة كتمان أعراضه ومعاناته .. ويعتبر نفسه غير مدان أخلاقياً إذا كانت معدته تتقرح .. بينما إذا تعبت أعصابه وقدراته على الاحتمال وصار مكتئباً فهو مدان .. وهذا غير منطقي وغير مقبول بالطبع .. وجسد الإنسان وأعضائه وأمراضه موضوع شخصي وليس اجتماعي .. وهو يمر بأوقات صحة ومرض وهو يسعى نحو الصحة باستمرار وهذا حقه الطبيعي ولايجوز أن يرتبط ذلك بالعيب والعار .. وعلى المجتمع أن يعينه من خلال مؤسساته الصحية المتنوعة ، وعندما يعاني ويتألم ويمرض فهو يحتاج إلى العلاج الطبي المناسب ، وإلى العون والمواساة والدعاء للتخفيف من مرضه ومعاناته من قبل الأهل والأصدقاء والزملاء .
3- نقص الخدمات الطبية والتأهيلية والعيادية النفسية وعدم كفايتها .. يلعب دوراً هاماً في تردد الكثيرين في الاستفادة من هذه الخدمات أو زيارتها .. وكذلك توزع هذه الخدمات وعدم توفرها في المناطق البعيدة. وتدل التجارب التنموية الصحية في عديد من البلدان على أهمية توفير الخدمات الصحية النفسية في مختلف المناطق وعلى ضرورة وجودها جنباً إلى جانب الخدمات الطبية الأخرى ، إضافة لإنشاء أقسام الطب النفسي في كليات الطب وتطويرها وتفعيل دورها التعليمي والبحثي والعلاجي .. ضمن خطة صحية وتعليمية شاملة تؤكد أهمية الخدمات النفسية المتنوعة وضرورة توفرها وتطويرها وتحسين أدائها .
ويؤدي نقص الخدمات النفسية أو نقص كفايتها إلى ازدهار أشكال علاجية شعبية أو خرافية ضارة أو غير نافعة .. كما يؤدي ذلك إلى نقص الوعي الصحي النفسي العام وتثبت الجهل وانتشار الأوهام والأفكار السلبية المرتبطة بالأمور السلبية .
4- يلعب الإعلام بأشكاله المتعددة دوراً أساسياًً في تحسين الوعي الصحي والطبي والنفسي .. وهو يثير قضايا هامة تتعلق بأحدث المستجدات في المجال الطبي التقني .. وكثير من الموضوعات تتناول عمليات القلب وزرع الأعضاء والعلاج بالليزر وقضايا البدانة وجراحة التجميل وغيرها .. ولاتحظى القضايا النفسية بنصيبها من الإثارة والتغطية والمعلومات .. ونجد في مجتمعاتنا من لديه معلومات مقبولة في كثير من القضايا الطبية ولكن نجد جهلاً وأمية في القضايا النفسية على مختلف المستويات .
كما لاتزال الأمور النفسية تطرح بشكل سلبي في عدد من الأعمال الدرامية والتلفزيونية العربية .. على العكس من الأفلام الغربية التي يحظى فيها الطب النفسي والعلاج النفسي بتقدير مناسب وإيجابي ومفيد .
5- وأخيراً .. لابد من القول بأن الواقع العملي يدل على مراجعة أعداد كبيرة من الناس للخدمات النفسية.. وربما يعكس ذلك قلة الاختصاصيين في هذا المجال وبالتالي ازدياد الأعداد التي تراجعهم ، وأيضاً يعكس التغير النسبي في النظرات السلبية الاجتماعية للخدمات النفسية . ومن المتوقع أن هناك أعداداً كبيرة لاتحصل على العلاج المناسب، وبعضهم يعاني ويتألم مع نفسه أو ضمن أسرته دون علاج .. وبعضهم يراجع أطباء غير نفسيين ولايتم تشخيصه وعلاجه بشكل صحيح ومناسب .. وبعضهم يعالج نفسه أو يعالجه أهله بعلاجات عامة أو شعبية أو دينية غير كافية أو غير مناسبة .
ومن المتوقع أن صاحب المشكلة والمعاناة سيتجاوز خوفه ويبادر إلى العلاج حين يشتد عليه المرض والتعب .. وهو بذلك يتجاوز عقبات عديدة ومخاوف أصبحت لاتتناسب مع العصر الحديث ومشكلاته وتقنياته وأساليب علاجه الحديثة المتطورة .
ولابد من التأكيد على أهمية ودعم الجهود التي تهدف إلى زيادة الوعي الصحي النفسي والثقافة النفسية المفيدة .. مما ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية للفرد والمجتمع معاً .
تم النشر في 22/5/2007

الجمعة، 26 أغسطس 2016

تحليلات وتعليقات - نكتة النسيان

تحليلات وتعليقات - نكتة النسيان

الدكتور حسان المالح
دخل مريض مصاب بالنسيان إلى عيادة الطبيب النفسي وبعد الجلوس و التعارف ، قال له الطبيب : خير مم تشكو ؟ فأجابه المريض : من كثرة النسيان ..وأعطاه بعض الأمثلة عن نسيانه .. ثم سأله الطبيب : منذ متى وأنت تشكو من هذا المرض ؟ فأجابه المريض : أي مرض ؟؟
تحليلات وتعليقات:
1_ مما لا شك فيه أن هذه النكتة مضحكة جداً ..وتتوفر فيها عناصر " المفارقة الحادة ".. حيث نسي المريض شكواه التي جاء من أجلها للطبيب . وهذه المفارقة الحادة تولد الضحك والابتسام عادة ، لأنها تخالف المنطق الاعتيادي والسلوك المألوف . وهي تعتبر أحد العناصر الأساسية في مسببات الضحك ، كما أنها شائعة وتعتمد كثيراً في النكات والهزل وفن الإضحاك.
2_ ومن ناحية ثانية في تحليل هذه النكتة نلاحظ أن المريض بنسيانه مرضه الذي جاء من أجله للطبيب يثير في القارئ أو المستمع فكرة خاصة وهي " نقص ذكاء المريض أو بلاهته وغبائه " مما يساهم في الإضحاك .. والحقيقة أن الغباء يمكن أن يثير الضحك عند الإنسان لأسباب غريزية نفسية إضافة لتأثير ظروف اجتماعية و تاريخية وثقافية معينة ..حيث يكون الغباء مدعاة للسخرية والضحك بدلاً عن التقبل والتعاطف والشفقة ، ويرتبط ذلك بقيم التفوق العقلي والاهتمام بالبطولة والكمال دون الالتفات إلى من هم أقل حظاً من نواحي الذكاء واعتبارهم كائنات دنيا وضيعة تفقد حقها في الاعتبار والاحترام..أي أن الغباء لعلة أو مرض لا يزال موضع سخرية وهزء ، وفي ذلك نوع من العدوانية والكراهية ، وفيه نرجسية ومداعبة لخيالات العظمة والتفوق. وعندما يكون هذا السلوك متكرراً وجارحاً فهو يعبر عن إسقاطات الإنسان الداخلية لنقاط ضعفه وغبائه ونسيانه هو ..والذي لا يرضى عنه أبداً ولا يحتمله ، وهو يحوله إلى الآخرين من الأغبياء عموماً أو في بعض تصرفاتهم وسلوكياتهم ثم يضحك منهم وعليهم.
وهكذا نجد في تحليل الضحك بروز " الجانب العدواني وملامح العنف والسخرية والهزء " كجزء هام يغذي مشاعر الفرح والنشوة والابتسامة.. أي أن إلحاق الأذى بالآخرين هو جزء عميق من ابتسامتنا !! من النواحي النفسية العميقة . ولا يعني ذلك أن نكف عن الابتسام ونخجل من أنفسنا إلا إذا كانت ابتسامتنا خاطئة .. في غير موقعها المناسب ، ومن المؤكد أن الإنسان المصاب بالتخلف العقلي والنسيان طفلاً كان أم كبيراً لا يستحق أن نسخر منه.
3_ وفي جانب آخر من هذه النكتة يبرز موقف الطبيب الذي يشعر بالعجز أمام المريض .." لأنه لم يستطع أن يتفاهم مع مريضه " ، ويضيف هذا الجانب إلى إثارة الابتسام والضحك ، لأنه يفرغ شحنات انفعالية عدوانية في أساسها ضد شخصية الطبيب .والحقيقة أن صورة الطبيب النفسي لا تزال مشوهة وناقصة وغير واقعية في أذهان كثير من الناس في مختلف المجتمعات وفي مجتمعاتنا على وجه الخصوص ..ويرتبط ذلك في جانب منه بمستوى التخلف وتدني الثقافة العامة وبالتشويه المقصود أو غير المقصود الذي تتناقله وسائل الإعلام المختلفة . ومن الناحية التفسيرية فإن مشاعرنا تجاه الطبيب النفسي يمكن أن تكون متناقضة .. وفيها الخوف والرهبة والقلق إلى جانب الإعجاب والثقة والتعظيم .. وهذه المشاعر المتناقضة تنطبق على عدد من الشخصيات التي نتعامل معها ومنها الأب والأم والسلطة بمختلف أشكالها ، وكلما كانت العقد والتناقضات شديدة وحادة تجاه هذه الشخصيات، كلما تصلبت المواقف تجاهها وتغذت بالمشاعر السلبية التي يمكن أن تنفلت في المناسبات الخاصة ومنها النكات . . وغير ذلك.
4- ويبدو من النكتة السابقة أن " الإحساس بالضعف والنسيان من جانب المريض والإحساس بعجز الطبيب " كل ذلك يمكن أن يثير الضحك والابتسام .. والضعف والنقص من الحقائق البشرية والنفسية الأصيلة ، ونحن نتعامل معهما بطرق مختلفة وبعضها طرق ملتوية قد تصبح مرضية غير مفيدة .. وعندما "نحس بالنقص ونشعر به " يمكننا أن نضحك على أنفسنا وعلى غيرنا ، بدلاً من أن نشعر بالمهانة والحزن والألم . فالضعف والنقص يولد القلق الألم والانزعاج ومن الطبيعي أننا لا يمكننا تقبل كل هذه الآلام والمشاعر طوال الوقت ..ولا بد من توجيه هذه الانفعالات بصورة أخرى أقل إزعاجاً ، ومنها أن يتحول القلق والانزعاج والغضب من أنفسنا أو من غيرنا إلى ابتسامة أو ضحكة أو قهقهة .. مما يبث السرور والبهجة والمتعة ويخفف من التوتر السلبي ولو بصورة مؤقتة . وهذه عمليات طبيعية وناجحة تجري داخلنا ما لم تؤد إلى تثبت الأنماط وجمودها وعدم تنوعها ، وهنا يصبح الضحك مرضاً لأنه يعيق التكيف والبناء وزيادة المهارات . فالضعف البشري محرك هام لاكتساب القوة ، والضحك يمكن أن يكون أسلوباً ناجحاً للسيطرة على الضعف والعجز من خلال عمليات التبديل والتحويل والإسقاط وغير ذلك مما يجري في تركيبتنا الداخلية.
5- و أخيراً .. عندما أسمع هذه النكتة أو أقرؤها فإنني كطبيب نفسي أضحك أيضاً.. ولكن في الممارسة الطبية النفسية نتعلم باستمرار أن نضبط انفعالاتنا المختلفة قدر الإمكان .. وربما تتحول الضحكة العالية إلى ابتسامة خفيفة أو نصف ابتسامة نظراً لضرورات الممارسة الطبية وأخلاقياتها وواجباتها التي تتلخص في مساعدة المريض ومعاونته في حل مشكلاته أو التخفيف منها وعلاجها . وبالطبع فإن الطبيب النفسي إنسان يفرح ويحزن وعليه واجبات وله حقوق ، و لابد من النظرة الواقعية العملية لتفهم ما يجري في العيادة النفسية وتفهم أسلوب حياة الممارس النفسي ودوره وعمله.
تم النشر في 21/10/2001

تحليلات وتعليقات - نكتة: غليظ جداً

تحليلات وتعليقات - نكتة: غليظ جداً

د.حسان المالح - استشاري الطب النفسي
دخل المريض وبدأ يتحدث عن شكواه .. وقال إن كل الناس من حوله لا يطيقونه وينزعجون منه .. وما إن يتحدث إلى أحد الأشخاص حتى يمل منه ويتركه .. وعندها أسرع الطبيب وقال للممرضة : أدخلي المريض التالي .
تحليلات وتعليقات:
1- هذه النكتة مضحكة جداً .. وهي سريعة الإيقاع وتعبر عن موقف خاص مؤثر وهو الانزعاج من شخص ثقيل ومزعج لحد كبير ، ولدرجة أن الطبيب النفسي لم يتمكن من تحمله وعلاجه.
وكلنا نصادف مثل هؤلاء الأشخاص في الحياة اليومية ، وكثيراً ما نضطر إلى ضبط انزعاجنا وتحمل الشخص المزعج ..وعندما " تلامس النكتة مشاعرنا " نتفاعل معها أكثر ونضحك أكثر.
2- إن مشاعر الانزعاج والرفض ونبذ الآخر أو إسكاته أو التخلص منه ..تعتبر من المشاعر السلبية التي يصعب ضبطها في كثير من الأحيان ..ويؤدي انفلاتها والتعبير عنها إلى الشعور بالذنب وتأنيب في الضمير ..وهنا تأتي النكتة لتخفف من " شعورنا بالذنب " وكأنها رسالة تقول : لا بأس عليكم في انزعاجكم وغضبكم فهذا الشخص مزعج جداً ولا يمكن لأحد أن يتحمله.
3- إن عنصر " المبالغة " واضح في تركيبة هذه النكتة ..كل الأشخاص لا يطيقونه ، الطبيب النفسي أسرع بقوله للممرضة أدخلي المريض التالي ..والمبالغة لها وقع خاص يثير الضحك . وهي تستعمل بشكل واسع لخلق النكتة والابتسامة في فن الكاريكاتير وفي التهريج والمزاح وكل ما يتعلق بالإضحاك .والمبالغة ركن أساسي في تحليل الضحك وتفسيره من الناحية الشكلية أو من ناحية المضمون.
وهي ترتبط بالمفارقة في كثير من الأحيان ، حيث تعكس المفارقة الحدث غير المألوف وغير الاعتيادي ، وإذا أضيفت المبالغة لعناصر الحدث فإن التأثير يكون أوقع وأشد.
4- هناك مفارقة واضحة في هذه النكتة وهي أن الطبيب النفسي والذي يفترض أنه ينصت للمريض ويعالجه لم يستطع تحمل المريض ..وهذا يضيف للنكتة قوة وبراعة.
5- عندما أستمع لهذه النكتة أو أقرؤها فإنها تضحكني فعلاً ..وفي الممارسة العملية للطب النفسي يمر الطبيب بحالات تشبه حالة المريض المزعج الذي لا يحبه أحد ولا يطيقه كثير من الناس . وبالطبع فإن هذا الموقف من المواقف العيادية الصعبة وهو يتطلب ضبط النفس وتحمل المريض ..ولا مانع من مقاطعته وتوجيه الحوار نحو أمور أقل إزعاجاً..وفي كثير من الحالات تبرز نقاط إيجابية في شخصية المريض وهي تستحق التشجيع ..كما أن اكتساب مهارات الحوار مع الآخرين وتعديل السلوكيات ليس أمراً مستحيلاً بالنسبة لهؤلاء الأشخاص إذا تمت دراسة تفاصيلها ووضعت الخطط اللازمة لاكتسابها.
والحقيقة أن الحالات "الميؤوس منها" (وهذه مبالغة واضحة) تثير الابتسامة لأن اليأس المطلق لا يتناسب مع غريزة الحياة وأسسها . وبمكن أن يتحول اليأس الشديد إلى ابتسامة خاصة.
تم النشر في 21/10/2001

سلفادور دالي ..حياته وفنه واضطراباته النفسية

سلفادور دالي ..حياته وفنه واضطراباته النفسية
الدكتور حسان المالح - استشاري الطب النفسي - دمشق - العيادة النفسية الاستشارية - أستاذ في الجامعة العربية الدولية
يعتبر الفنان الإسباني سلفادور دالي 1904- 1989 من أهم فناني القرن العشرين . وهو أحد أعلام المدرسة السريالية، وهو يتميز بأعماله الفنية التي تصدم المشاهد بموضوعها وتشكيلاتها وغرابتها ، وكذلك بشخصيته وتعليقاته وكتاباته غير المألوفة والتي تصل حد اللامعقول والاضطراب النفسي..وفي حياة دالي وفنه يختلط الجنون بالعبقرية، لكن دالي يبقى مختلفاً واستثنائياً.. في فوضاه ، في إبداعه، في جنون عظمته، وفي نرجسيته الشديدة..
ولد في " فيغويراس ـ كاتالونيا " Figueras -Catalonia في إسبانيا قرب الحدود الفرنسية . ومثل ماحدث للرسام الهولندي الشهير "فان كوخ" فقد أطلق على سلفادور دالي اسم شقيق له كان قد توفي قبل ولادته بثلاث سنوات، ويقول سلفادرو دالي عن ذلك : " لقد كنت بنظر والدي نصف شخص ، أو بديل ، وكانت روحي تعتصر ألماً وغضباً من جراء النظرات الحادة التي كانت تثقبني دون توقف بحثاً عن الآخر الذي كان قد غاب عن الوجود‍‍".
عاش الصغير دالي مرفهّاً بين أسرة ثرية، وكان والداه يوفران له كل مطالبه . ونتيجة لدلاله المبالغ فيه فقد عُرف عنه سلوك الطائش ، كدفعه صديقه عن حافة عالية كادت تقتله، أو رفسه رأس شقيقته " آنا ماريا " التي تصغره بثلاث سنوات، أو تعذيب هرّة حتى الموت، واجداً في أعماله تلك متعة كبيرة ، كالتي كان يشعر بها حين يعذب نفسه أيضاً حيث كان يرتمي على السلالم ويتدحرج أمام نظر الآخرين .. ولعل هذه التصرفات التي أوردها الفنان في مذكراته شكلت الشرارة النفسية الأولى للمذهب الفني الذي اختاره للوحاته.
وقد ساهم أحد جيرانه وهو "رامون بيشوت" في دخوله إلى عالم الرسم ، ففي السابعة من عمره رسم أولى لوحاته ، واستطاع في مدرسته أن يلفت النظر إلى رسومه التي تنبأت له بمستقبل فنان بارع ، مما دفع بعائلته وأساتذته إلى حثه على دخول كلية الفنون الجميلة في "سان فيرناندو" في مدريد .
تصرف سلفادور خلال الأشهر الأولى من التحاقه بأكاديمية الفنون الجميلة كتلميذ نموذجي مبتعداً عن المجتمع المحيط به يأنف الاختلاط بأقرانه من التلاميذ .
وفي كل يوم أحد كان يذهب إلى متحف "برادو" حيث كان يمضي ساعات طويلة متسمراً أمام لوحات المشاهير وعندما يعود إلى الأكاديمية يرسم رسوماً تكعيبية للمواضيع التي شاهدها في هذه اللوحات. وفي ذلك الوقت تعرف على الفن التكعيبي ولكنه ثار على المفاهيم التي يدعو إليها هذ الفن ويدافع عنها ، واستبدل ألوان قوس قزح في لوحاته بالألوان الأبيض والأسود والأخضر الزيتوني والبني الداكن فكانت ألوانه حزينة.
وفي أحد الأيام دخل إلى قاعة النحت في الأكاديمية وبدأ يفرغ محتويات أكياس عديدة من الجص في وعاء كبير ويصب فوق الجص ماء غزيراً . ما لبثت أرضية القاعدة أن غمرت بطبقة من سائل أبيض بدأ ينساب إلى خارج القاعة حتى وصل السيل إلى قاعة الدخول وبدل من أن يهتم دالي بالأمر شق طريقه نحو المخرج يلتفت إلى الوراء لمشاهده جمال الطبقة الجصية وهي تجف بسرعة.
لم يغب عن اهتمام طلاب أكاديمية الفنون الجميلة التطور الفني والأدبي الذي كانت تشهدها أوروبا وبالأخص المذهب الراديكالي في الفنون والآداب الذي سخر من كل القيم المعترف بها . كان الفنانون والأدباء مثل "لوبيل بونويل" و "غارسيا لوركا" و" بدرو غارفياس" و "يوجينو مونتير" المحركات المحفزة لمجموعة صغيرة من الفنانين الأصوليين يضاف إليهم سلفادور دالي الذي ما لبث أن احتل مركزًا مرموقاً ضمن هذه المجموعة.
وكان أعضاء المجموعة يمدحون بحماس لوحات سلفادور التكعيبية التي حوت أفكاره الغريبة ، بعد ذلك بقليل أصبح طريق سلفادور مفروشاً بالورود .
بدأ سلفادور يرتاد المقاهي الفنية ويشترك في النقاشات الفكرية الحامية حول الفن والأدب والنساء والجنس. ثم طرد دالي من الأكاديمية ومنع من متابعة الدروس فيها لمدة سنة لأنه دافع بحرارة عن أحد أساتذته اليساريين مما أثار غضب إدارة الأكاديمية فعاد إلى "فيجويراس" وهناك أُلقي القبض عليه بسبب أفكاره الثورية وظل في السجن لمدة شهر ثم أطلق سراحه بعد عدم عثور المحققين على أدله تثبت اشتراكه في إثارة الرأي العام ضد الحاكم الملكي المستبد في إسبانيا. وبعد انقضاء مدة إبعاده عن الدراسة في الأكاديمية في مدريد عاد إليها ليستعيد فوراً شهرته.
درس دالي المستقبلية الإيطالية و في عام 1924 بدأ يهتم بالمدرسة الميتافيزيقية وبمبادئها التي وضعها كل من "جيورجيو شبيريكو" و "كارلوكارا". وتلك الفترة كان لها أثر كبير في حياته ، إذ تعرف على المذاهب الفنية كافة والتقى فنانين عالميين مختلفين منهم الشاعر "فيديريكو غارسيا لوركا" الذي أنجز معه عملاً مسرحياً كان الأول له ، و"لويس بونييل" الذي اختلف معه بسبب آرائه السياسية التي شهدت انقلاباً غريباً من الفكر الثوري إلى البورجوازية الخاضعة لملذات الحياة.
وخلال فترة دراسته اهتم بمطالعة مؤلفات فلسفية مثل كتابات "نيتشه" و"فولتير" و"كانت" و"سبينوزا" وصمم على توجيه اهتمامه الكامل إلى أعمال الفيلسوف "ديكارت" الذي استند على أفكاره في رسم عده لوحات رائعة.
وبعد أن تعرف على كتابات "نيتشه" وانتهائه من قراءة كتاب"هكذا تحدث زرادشت" عمد إلى إطالة شاربه ليكون مثل شارب "نيتشه" وظل محتفظاً بهذا الشارب إلى نهاية حياته.
وفي العام 1926 بدأ سلفادور بصقل موهبته واختيار أسلوبه الخاص لا سيما بعدما تعرف على أب المدرسة التكعيبية "بابلو بيكاسو" ، ومن ثم بدأ ينظم لقاءات دورية مع رسامين سرياليين آخرين أمثال " لويس أراغون" و" أندريه بريتون" مما ساهم في بلورة أسلوبه وتفوقه عليهم جميعاً .
احتفظ دالي بعصا للاستناد عليها وهو يسير متشبهاً بالنبلاء الذين كانوا يسيرون في الحقول وبأيديهم عكازات مزخرفة بالأحجار الكريمة للمباهاة. وقد رافقته هذه العصا خلال حياته واستخدمها كموضوع مسيطر في لوحاته في وقت لاحق .
زوجته:
"جالا" فتاة روسية تدعى "إيلينا ديماكونوفا" ، جاءت إلى فرنسا بمفردها عام 1913 وهي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها . أقامت في مصح للمعالجة من مرض السل ، وبعد أربعة أعوام التقت الشاعر"بول إيلوار" وتزوجت منه ونذرت نفسها له حتى وقعت في غرام الفنان "ماكس أرنست" . ثم ارتبطت حياة دالي بحياة جالا في عام 1929 وكانت تكبره بأكثر من عشر سنوات ، وظهر تأثيرها الواضح عليه وعلى أعماله الفنية ، لأنها كانت حريصة على منع تخيلاته المتطرفة في الحياة والفن من أن تصبح حالة مرضية . وهذا الحرص الدائم كان سبباً في الجاذبية المتصاعدة والمستمرة بينهما إلى درجة أن دالي كان يوقع على بعض لوحاته باسمه واسم جالا معاً.
وكان يكرر فكرته عن ارتباط اسم جالا بالعبقرية ، حين يقول : " إن كل رسام جيد يريد أن يكون مبدعاً وينجز لوحات رائعة ، عليه أولاً أن يتزوج زوجتي ".
وقد توفيت أم دالي عام 1921 وكان عمره 16 سنة وقد علق على موتها فيما بعد " بأنها الصدمة الأعظم التي تعرض لها في حياته وأنه كان يعبدها ". وقد وجد المحللون أن ارتباطه بجالا وحبه لها يمكن أن يكون تعويضاً عن فقدانه لأمه .. وأنها تمثل له الزوجة الأم بشكل واضح.
وتحولت "جالا" مع الوقت إلى مديرة علاقاته العامة والمسؤولة عن تسويق "منتجات دالي". وبدوره فقد كان دالي يتعلّم كيفية استغلال فضائحه واستفزازاته في مشاريع تجارية مربحة .
من أفلامه:
في باريس كتب دالي إلى جانب "بونيويل" سيناريو فيلم " كلب أندلسي" ويبلغ طوله 17 دقيقة وهو مزيج حلمي غريب ،والمشاهد والأفكار لا يمكنها أن تثير تفسيراً عقلانياً من أي نوع : شفرة موسى تفقأ عين فتاة والمعنى ربما "فقؤ" كل ما هو تقليدي وسائد ، رجل ينزع فمه من وجهه ، بيانو تزينه جثث حمير ، نمل يزحف على يد رجل ، واحد في الشارع يحمل مكنسة تنتهي إلى يد آدمية يدفع بها الفضلات.. ومن الطريف أنه لايوجد في الفيلم أي كلب أو أندلس ..
سرياليته:
وفي باريس أيضاً تعرّف على الشاعر والطبيب النفسي "أندريه بريتون"(1896 ـ 1966) الذي كان قد نظم في عام 1924 "البيان الأول" الذي يعتبر بمثابة الرسالة التأسيسية للسريالية.
وكان دالي يتحول تدريجياً إلى راية ودليل للسريالية ..ومصطلح السريالية surrealism وضعه عام 1917 الشاعر "غويوم أبولينير" وهو مؤلف من كلمتين : sur وتعني ما فوق، و realism وتعني الواقعية . أي ما فوق الواقعية وهو مذهب أدبي فني فكري أراد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية ، وزعم أن فوق هذا الواقع واقع آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعاً، وهو واقع اللاوعي أو اللاشعور ، وهو واقع مكبوت في داخل النفس البشرية ، ويجب تحريره وإطلاق مكبوته وتسجيله في الأدب والفن. وتسعى السيريالية إلى إدخال مضامين غير مستقاة من الواقع التقليدي في الأعمال الأدبية. وهذه المضامين تستمد من الأحلام سواء في اليقظة أو المنام ، ومن تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق السبب والنتيجة ، وهكذا تعتبر السريالية اتجاهاً يهدف إلى إبراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامه بالتأليف.
وقد اعتمد فنانو السيريالية على نظريات فرويد رائد التحليل النفسي خاصة فيما يتعلق بتفسير الأحلام. كما وصف النقاد اللوحات السيريالية بأنها تلقائية فنية ونفسية تعتمد على التعبير بالألوان عن الأفكار اللاشعورية والإيمان بالقدرة الهائلة للأحلام .
وقد تخلصت السيريالية من مبادئ الرسم التقليدية وذلك بواسطة التركيبات الغربية لأجسام غير مترابطة ببعضها البعض ، كما إن الانفعالات تظهر ما خلف الحقيقة البصرية الظاهرة . واعتمد السيرياليون في تصويرهم على طريقتين ،الأولى : هي الأسلوب الذي ابتكره "سلفادور دالي" ويعتمد على التجسيم الواقعي أو "الهذيان الناقد" والذي يستخدم فيه رموز الأحلام ليرتفع بالأشكال الطبيعية إلى ما فوق الواقع المرئي ، لكن مع التجسيم الطبيعي لها . والثانية : تشبه الأسلوب التكعيبي المسطح ذا البعدين ، وهي أقرب إلى الأشكال التجريدية ، وإن كانت تختلف عنها في أن السيريالية لاتهتم بالشكل ولا بالصور ولا بالهندسة ، الأمر الذي يهتم به التجريديون .
وبعد حقبة الثلاثينات توجه دالي إلى نيويورك حيث كانت شهرته قد ذاعت وكثر المعجبون بفنه. ولم يتأخر في اكتشاف عالم الأغنياء والأرستقراطيين في المدينة ، ويقول في ذلك:"لقد كانت الشيكات تنهمر كالإسهال ".
وقد لجأ دالي إلى أساليب ملتوية لتحقيق الشهرة العالمية كتأييده لحكم "فرانكو" في إسبانيا ، وخلال فترة صعود الحزب النازي إلى الحكم في ألمانيا رسم دالي العديد من اللوحات التي تظهر "هتلر" في أوضاع عجيبة- بعضها أنثوي- ويقال أن "هتلر" أعجب ببعض هذه اللوحات ، مما دفع "بريتون" والفنانين السرياليين إلى إتخاذ قرار جماعي بفصله من الحركة السيريالية بسبب ذلك إضافة لاتهامه بالولع الشديد بالمال ، وما لبث أن ألف "بريتون" من حروف اسم دالي كلمة " avida Dollars " أي جشع الدولارات. غير أن دالي لم يتأخر في الرد حيث قال له : ليس بإمكانك طردي ، فالسريالية هي أنا!!
تحولاته الأخيرة:
عاش سلفادور دالي في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1940 إلى 1948، وهناك قام بتصميم العديد من الواجهات الشهيرة ، ومجموعات الحلي ، والملابس ، وخشبات المسارح ، بل واتفق مع المخرج والت ديزني على مشروع فيلم "ديستينو " ولم يتم إنجاز ذلك إلا مؤخراً عام 2003.
وفي عام 1948 عاد الفنان دالي إلى "فيغويراس" وبيته ، وكانت عودته هذه المرة عودة الابن البار حيث تصالح مع والده بعد فترة قطيعة طويلة.
وانطلاقاً من إعجابه المعلن بالرسامين الكلاسيكيين أمثال "فيلاسكيس" و"رافائيل" و"فيرمير" انطلق نحو ما سماه " الفن الكلاسيكي الديني" ورسم بعدها " مادونا بورت ليجات" وهي عبارة عن عذراء بوجه جالا ، ثم مسيح "سان خوان دي لاكروس".
بين عام 1937 و 1939 قام دالي بثلاث رحلات إلى إيطاليا وقد وجد روما الكاثوليكية وقد دمرتها التجديدات الحديثة التي أمر "موسوليني " بها .وتطلب ميله الجديد للكلاسيكية موضوعية أكثر ودراسة لفنون الرسم في عصر النهضة ، فاهتم بقوة بالهندسة والرياضيات وعلم التشريح والمنظور قدر اهتمامه القديم بالإيحاء من اللاوعي . في نفس الوقت طور دالي إيماناً متزايداً بالمراتب الكهنوتية الكاثوليكية وبالنظم الملكية ، وقد طلب في أحد الأيام الحصول على موافقة البابا لرسم إحدى لوحاته كما أعلن بوضوح أن آماله في المستقبل هي الدعوة إلى نهضة دينية جديدة على أساس مبادي كاثوليكية متطورة.
قبالة شواطئ البحر الأبيض المتوسط قضى دالي بقية أيام حياته ، وظل هناك لما بعد وفاة زوجته عام 1982.وفي عام 1984 احترق دالي في غرفته ضمن ظروف مريبة ربما كانت محاولة انتحار ، لكنه لم يمت وعاش خمس سنوات تالية ، ثم صدرت عنه لفتة كريمة جداً قبل أن يموت ، فقد أهدى كل ثروته ولوحاته للدولة الإسبانية .
بعد ذلك أخذ دالي يذوي رويداً رويداً، وأخذ ذلك الاستفزازي الذي كان يواجه الموت يحتضر تدريجياً حيث كانت أنابيب الأوكسجين ترافقه ليل نهار إلى أن توفي عام 1989.
لقد ودعنا دالي تاركاً إشارة استفهام ضخمة حول حجم الإرث الذي خلّفه على هامش القائمة الكبيرة من الفضائح التي أصبحت حسب قوله تشكل جزء من التراث الشعبي. ويقول النقاد بأنه ليس بإمكان أحد أن ينكر ملكة الرسم الخارقة التي كان يتمتع بها دالي ، أو أن يتجاهل قيمة لوحاته العظيمة وخصوصاً في مرحلة السريالية الأولية ، أما المرحلة التي تحول فيها إلى "رجل أعمال" فيرى الكثيرون بأنها أثرت على طبيعة فنه وعلى نزاهة وعفة أعماله.
وعلى هامش ما قيل وما سيقال فإن ذلك الفنان العظيم ذو النظرة الجنونية العميقة ، والشاربين الصلبين المعقوفين ، والذي تمكن من إلغاء الحدود بين الروح المشاكسة الهائجة والاستعراضية الفاضحة ، قد تحوّل دون شك إلى "أسطورة " . ومع كل نظرة إلى لوحاته العظيمة تشعر الروح بأنها اكتسبت جناحين ، وتحتفل المخيلة بولادة وانطلاقة جديدة ..
في متحفه:
في مسقط رأسه وبعد أن أصبح شهيراً وثرياً قرر دالي أن ينشئ متحفاً خاصاً به وبأعماله ..المكان المُختار عبارة عن قصر قديم يقع في القسم القديم من المدينة ويتألف من عدة طوابق تطل شرفاتها على حديقة داخلية.
وفي الحديقة ووسط الأشجار هناك نافورات ماء غريبة الأشكال. واحدة من النافورات عبارة عن سيارة قديمة في وسط الحديقة مكتوب عليها عبارة: "اضغط هنا" فإذا وقع المرء في الفخ الذي نصبه له دالي وضغط على الزر الصغير فسوف يندفع الماء ليغسل وجهه . وهذه واحدة من مداعبات دالي لزوار متحفه.
بعد ذلك تصعد إلى الطابق الأول حيث جمع دالي بعض لوحاته الكبيرة. تدخل هناك في عالم حافل بالجمال والغرابة وبكل ما هو غير متوقع . إنه عالم دالي : لوحات تمثل جالا المرأة التي شاركت دالي حياته ،لوحات طبيعة صامتة ، ورسوم أخرى.
الإيحاءات الغريبة التي تخلفها رسوم دالي في النفس تجعلك خارج الزمان والمكان . تتابع الزيارة في الأرجاء وترى المنحوتات والأشياء والتكوينات السريالية التي صنعها دالي وهي لا تقل غرابة وجمالاً عن لوحاته ، ويكاد يخيل إليك أنها كائنات حية تنظر إليك وتخاطبك..ويذكر " فرويد" أنه لم يأخذ على محمل الجد اعتباره من قبل السرياليين كأب لحركتهم حتى التقى بذلك الشاب الإسباني دالي 1938 والذي جعله بتقنياته الفنية العالية يعيد النظر في أحكامه السلبية على الحركة السوريالية .
في الطابق الثاني من المتحف رتّب دالي أشياءه الخاصة . صندوق نحاسي على الأرض لمسح الأحذية ذهبي اللون يعود إلى العهد العثماني ، أضاف إليه دالي بعض اللمسات الفنية فحوله إلى قطعة فنية مسكونة بالغرابة.
في الواجهات الزجاجية تستطيع أن ترى الطبعات الأصلية والأولى من كتب دالي "حياتي السرية" والكتب الأخرى. ثم الكتب الشعرية التي صمم دالي أغلفتها بنفسه وزينها برسوماته ، بالإضافة إلى ذلك تجد رسائله إلى أصدقائه ورسائل أصدقائه إليه ثم عشرات الصور الشخصية التي تعود لسنوات قديمة وفيها يبدو دالي مع أصدقائه من شعراء وكتّاب ورسامين صنعوا أدب وفن القرن العشرين ، أسماء هي اليوم شهيرة وطوى الموت أصحابها.
عند نهاية الزيارة وفي القاعة الأرضية وقبل أن تغادر المكان ثمة مفاجأة سريالية أخرى بانتظارك هناك ، قبر دالي نفسه كما قام بتصميمه هو قبل موته ، قبر رخامي ضخم يرقد فيه اليوم بجانب زوجته.
حيثما يوجد دالي فلا مكان للضجر . إن الداخل الى متحف سلفادور دالي في حي مونمارتر في باريس، مفقود وهارب إلى دفء الفن والذوق المختلف ، والخارج منه مولود ولادة مغايرة كالعائد من رحلة جمالية ضرورية للروح ومنشطة للحواس.
من كتبه:
في عام 1964، أصدر سلفادور دالي كتاباً بعنوان "يوميات عبقري" في باريس، وهو مأخوذ من دفتر يوميات يغطّي المرحلة الممتدة من عام 1953 إلى عام 1963 من حياته. ويُشكّل الكتاب تكملة لسيرته الذاتية التي صدرت بعنوان "حياة سلفادور دالي السرّية".
نتعرف في هذا الكتاب الذي يحتوي على 300 صفحة،على أفكار دالي وشواغله كفنانٍ وظروف لقاءاته مع أبرز شخصيات عصره ومواقفه الجمالية والأخلاقية والفلسفية والبيولوجية ، الأمر الذي يمكّننا من فهم شخصيته المثيرة والمعقّدة ومن التعمّق في منهج عمله الفني الذي أطلق عليه اسم "الذهان التأويلي النقدي" ، وبالتالي يمكننا من تحديد طبيعة عبقريته التي سعى طوال حياته إلى إبرازها وإلى الترويج لها.
من أبرز الموضوعات التي يتناولها في هذا الكتاب: إلحاده في بداية مساره النابع من قراءته للكتب التي كانت موجودة في مكتبة أبيه، سرّياليته التي لم تكن تعرف أي إكراهٍ جمالي أو أخلاقي، نزعة التفوّق لديه التي استمدّها من كتب نيتشه ، حبّه المفرط لزوجته جالا، تفضيله التقليد على الحداثة والنظام الملكي على الديموقراطية ، والصوفية على المادية الجدلية، احترامه الكبير لأندريه بروتون ونشاطه الفكري وقيمه بالرغم من موقف هذا الأخير السلبي منه بعد عام 1934، كذلك نتعرف على احتقاره أرباب الوجودية ونجاحاتهم المسرحية والمرحلية، ولعه بالرسام رافاييل، "الجانب الفينيقي" من دمه على حد قوله و الذي جعله يحب الفيلسوف" أوغست كونت" الذي وضع المصرفيين في المرتبة الأولى من المجتمع .
وسنتعرف في يوميات "دالي" على حبه اللامحدود لزوجته جالا التي يعتبرها المحرك الأساسي له، والتي لولاها لما ظهرت عبقريته ولما استمرت. عنها يقول في المقدمة: "هذا كتاب فريد، هو أول كتاب يكتبه عبقري، كان حظه الفريد أن يتزوج من "جالا" المرأة الأسطورية الفريدة في عصرنا". وحينما بدأ يرسم لوحته الشهيرة "صعود العذراء" التي يمثل فيها السيدة العذراء وهي ترتفع إلى السماء، اختار وجه "جالا" ليكون وجه العذراء.
وعادات "دالي" شديدة الغرابة ، فبالنسبة للنوم يقول: "الناس عادة تتناول الحبوب المنومة حين يستعصي عليها النوم، لكني أفعل العكس تمامًا، ففي الفترات التي يكون فيها نومي في أقصى درجات انتظامه وروعته، فإني بتصميم أقرر أن أتناول حبة منوم، وبصدق وبدون ذرة استعارة، فإني أنام كلوح الخشب، وأستيقظ مستعيدًا شبابي ثانية". ومن مكان لآخر يعطينا "دالي" تقريرًا شبه يومي عن عمليته الإخراجية وكيف أنها تتم بسلاسة ونظافة، ويتكلم بحيرة عن عدم فهمه لإهمال المفكرين والفلاسفة لهذه العملية رغم أهميتها للإنسان..
وعشق "دالي" للذباب لا يوجد ما يبرره، فقد قال ذات مرة: يعجبني الذباب ولا أكون سعيدًا إلا حين أكون عاريًا في الشمس والذباب يغطيني.وفي موقف آخر يفاجأ بالصحفيين يحيطون به ويتذكر أنه كان قد وعد بتقديم تصميم جديد لزجاجة عطر، وأعد مؤتمرًا صحفياً لذلك ، وبعد أن تسلم الشيك من صانع العطور، وسأله الصحفيون عن التصميم الجديد، فوجئ بأنه نسي كل شيء عنه ، فاتّبع أول ما ورد على ذهنه لينجو من هذا الموقف ، تناول لمبة فلاش محترقة من أحد الصحفيين ورفعها قائلاً : إن هذا هو تصميمه الجديد، وأطلق عليه اسم "فلاش"، وهتف الصحفيون وهللوا ومعهم صانع العطور!!
من لوحاته:
- رسم دالي لوحة شهيرة بعنوان "ثبات الذاكرة" Persistence of Memory "1931"، يظهر فيها عدد من الساعات التي تشير إلى الوقت، وهي تبدو مرتخية وفي حالة مائعة ، وتعرف اللوحة أيضاً باسم الساعات اللينة، الساعات المتساقطة، والساعات الذائبة. وفيها موقف نسبي من الوقت والزمن فيما يشبه نظرية "إينشتاين".

ويقول بعض الباحثين بأن الفكرة الأصلية لهذه اللوحة قد أتت لدالي في يوم صيفي حار. كان في منزله يعاني من الصداع بينما جالا زوجته تتسوق ، بعد وجبته لاحظ نصف قطعة من الجبن تذوب بسبب حرارة الشمس ، وفي تلك الليلة وبينما كان يبحث في روحه عن شيء ليرسمه ، شاهد حلماً لساعات تذوب في الفراغ ، عاد بعد ذلك إلى عمله الذي لم ينته بعد حيث كان رسم المرتفعات والشجرة ، وخلال ساعتين أو ثلاثة كان قد أضاف الساعات الذائبة وأصبحت اللوحة كما نعرفها الآن.
- "تحولات نرجس المسخية "أو "انمساخ نرجس" "1937" The Metamorphosis of Narcissus: وفقاً للأسطورة الإغريقية وقع نرجس في غرامِ انعكاس صورته على سطح بركة صافية وأخذ يحدق طويلاً بصورته وعندما أدرك عدم قدرته على معانقة الصورة المائية ، وهنت قوته فقامت الآلهة بتحويله إلى وردة .
يظهر في اللوحة نرجس جالساً على حافة بركة من الماء يحدق إلى الأسفل. وهناك شكلٌ صخريٌ متحلل قريب منه ، يتجاوب معه عن كثب. لكن الاختلاف كبيرٌ جداً ، صورةٌ ليدٍ تحمل بيضةً تنمو منها زهرةُ نرجس. وفي الخلف مجموعة من الرجال والنساء العارية من مختلف الأجناس، بينما يلوح شكل شبيه بنرجس في الأفق. وقد كتب دالي قصيدة طويلة مرفقة مع اللوحة ، وبين فيها " أنه تخرج من رأس نرجس زهرة هي نرجس جديد .. جالا نرجستي "..
وتبدو اللوحة مثيرة وصادمة بتشكيلاتها وألوانها ..ودلالاتها متنوعة في عمقها ورمزيتها .. وتجاور الرموز يثير ارتباطات هادفة ومعان هامة .. وهي لوحة سوريالية بامتياز قابلة لعدة تأويلات .
- لوحة "ذيل السنونوThe Swallows Tail s آخر لوحة رسمها سلفادور دالي،انتهت في أيار 1983، وقد استندت على نظرية "رينيه توم" الكوارثية.. وفيها غرابة ورمزية معقدة جداً.
- لوحات أخرى .. "الحرب"

 اضطراباته النفسية:
في مقالة حديثة قدمتها الباحثة "كارولين مورفي" Caroline Murphy من جامعة أوكسفورد والمنشورة في مجلة الشخصية والاختلافات الفردية 2009 ، تميل إلى اعتبار دالي مصاباً باضطراب ذهاني واضطراب في الشخصية على الرغم من محاولات دالي إخفاء معلومات هامة عن نفسه في كتبه وتصريحاته الصحفية .
وتشمل أعراضه الموصوفة هلاوس سمعية وحالات من الشك المرضي ونوبات من الغضب والعنف إضافة لهذيانات العظمة وسلوك جنسي استعراضي وإثارة جنسية ذاتية غريبة ، وضحكات غير مناسبة مع تعليقات جارحة غير مناسبة ، وصعوبات في التعاطف مع الآخر مع سلوك احتيالي وسادية.
وإذا وضعنا ماسبق ضمن الإطار التشخيصي للدليل التشخيصي الأمريكي الثالث يمكن إعطاء تشخيص ذهان غير نموذجي وفيه مزيج من أعراض الفصام والاكتئاب، مع عدة أنواع من اضطرابات الشخصية وهي الشخصية الزورية والفصامية والمضادة للمجتمع والهيستيريائية والنرجسية.
وتدل بعض الدراسات الأخرى أنه كان يعاني من اضطراب المزاج ثنائي القطب إلا أن ذلك ليس مؤكداً.
ويشكك باحث آخر في هذه النتائج على اعتبار أن دالي لم يتلق أي علاج نفسي؟؟ وأنه كان فنانً ناجحاً ومبدعاً ولم يسبب له المرض النفسي تعطيلاً عملياً. ويقترح "نظرية الغرابة المسيطر عليها " والتي تعني أن مزيجاً من الأعراض المرضية النفسية مع صفات نفسية صحية يمكن أن تسهل العمل الفني الإبداعي وأن الغرابة نفسها هي التي تسهل النجاح.
وتتضارب المعلومات حول تلقي دالي للعلاج النفسي .. وقد وردت معلومات بأن زوجته كانت تعطيه أدوية سببت له أعراض شبيهة بداء باركنسون وعادة مايكون ذلك بسبب مضادات الذهان التقليدية.
وتبين الدراسات النفسية الحديثة التي تحاول فهم العلاقة بين العمليات الإبداعية بمختلف أشكالها والاضطرابات النفسية، أن درجة خفيفة من الصفات الذهانية الفصامية أو اضطراب المزاج الدوري"هوس اكتئابي خفيف" أو اضطراب التوحد وأسبيرجر، يمكن لها أن تدعم وتفسر العمليات الإبداعية الناجحة .. وأن هذه الصفات مفيدة وإيجابية لأنها تؤدي إلى مرونة في التفكير وانفتاح في الذهن وتحمل للمخاطر، وأنها رافقت الإنسان في سيرته التطورية، وأن الفارق بين الطبيعي والمرضي هو فارق كمي وليس نوعي .. ولكن هناك ثمن لابد منه وهو أن البعض سيصاب باضطراب نفسي شديد ومعطل .
وأخيراً .. سلفادور دالي فنان ثوري مبدع وأصيل له ذهن خصب يعجّ بالإشراقات والابتكارات. ومن المؤكّد أن هواة الأدب والفن والمثقفين على اختلاف أنواعهم والعلماء النفسيين الذين لايعرفونه جيداً، سيعجبون بفنه وإبداعاته المتنوعة، والتي تعكس نبوغ ذلك العملاق وعبقريته الذي قال يوماً :"الفرق الوحيد بيني وبين المجنون هو أني لستُ مجنوناً ".
Reference:
1- http://ar-hp.com/vb/archive/index.php/t-81387.html
2- http://en.wikipedia.org/wiki/Salvador_Dal%C3%AD
3- Creative minds: the links between mental illness and creativity. http://www.independent.co.uk/…/creative-minds-the-links-bet…
4- James CHarris,The metamorphosis of narcissus.Arch Gen Psychiatry 2005,62:124-125.
5- Murphy, C. (2009). The link between artistic creativity and psychopathology: Salvador Dali. Personality and Individual Differences, 46, 765-774.