بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 26 يناير 2018

الاضطراب النفسي ليس "زياً موحداً" يلبسه المريض:

الاضطراب النفسي ليس "زياً موحداً" يلبسه  المريض:
 د. حسان المالح

 الاضطراب النفسي لا يشبه الزي الموحد الذي يلبسه شخص ما، ويمكنك أن تعرفه بمجرد النظر إليه من بعيد .. كما تتعرف على شرطي او طبيب أو عامل نظافة او غيره، بمجرد النظر إليه وإلى زيه الذي يرتديه.
ولذلك نجد تنوعاً واضحاً في سلوك وسيرة حياة الأشخاص المصابين باضطراب نفسي معين.
ويختلف الطب النفسي عن فروع الطب الأخرى في ذلك .. وهو ليس كطب الأمراض الجلدية التي يمكن أن يتم تشخيصها بمجرد النظر إليها أو فحص الآفة الجلدية بعدسة مكبرة. ولا بد من الفحص النفسي الذي يتناول تفاصيل كثيرة ومعلومات عن حياة المريض وعن سلوكه وصفات أعراضه التي يشكو منها، وغير ذلك.
وتختلف تفاصيل حياة كل مريض عن غيره .. لأن لكل مريض تكوينه الجسدي والعضوي والوراثي، ولكل مريض ظروفه الشخصية والبيئية والمادية والثقافية .. وهكذا ليست قصص المرضى باضطراب نفسي معين واحدة أو متشابهة .. إلا قليلاً.
ومثلاً الاشخاص المصابون باضطراب المزاج ثنائي القطب نجد منهم المبدعين والمتفوقين في مختلف المجالات العلمية والفنية والأدبية والاجتماعية .. ومنهم أشخاص عاديون موظفون أو حرفيون أو عمال أو طلبة، ومنهم من يترافق مرضهم مع إدمان الكحول أو غيره من المواد الإدمانية .. ومنهم المتدينون والمصلحون، ومنهم غير ذلك.
ومن المناسب ان نقول إننا نعالج أشخاصاً مصابين بمرض معين .. ولا نعالج المرض بذاته .. ويعني ذلك أن علاج المريض الفرد ليس موحداً ولا بد له ان بتناسب مع فردية المريض وتفاصيل حياته الخاصة .. والوصفة ليست واحدة للجميع. ولا بد من "تفصيل العلاج ليناسب مقاس المريض".
ومن الضروري أن نقول أن الشخص مصاب بمرض كذا ولا ننعت الشخص باسم مرضه .. أي أن لا نقول أنه فصامي أو وسواسي أو اكتئابي .. بل لديه "حالة" فصام أو وسواس أو اكتئاب.
وبالطبع فإن تطور الطب النفسي في ميدان التشخيص اعتمد على وصف جملة الأعراض ومدتها فيما يسمى تناذر أو متلازمة مما يساعد على تصنيف الحالات النفسية بشكل أفضل ويساهم بالتالي في التعرف على أسبابها وعلاجاتها.
والممارسة العملية والعلمية الناجحة تقتضي تقديم العلاج والعون للأشخاص المصابين بمتلازمة مرضية أو اضطراب نفسي محدد وفقاً لأحدث المعلومات عن هذه الاضطرابات .. وهذه الاضطرابات ليست بالطبع جراثيم محددة في استجاباتها لمضادات الالتهاب .. بل هي جملة من الأعراض المرضية التي تتداخل مع تكوين الشخص المصاب الجسدي والنفسي والاجتماعي والثقافي. مما يستدعي التعامل مع الشخص نفسه بشكل متكامل.
ومن المعروف أيضاً أن إهمال التفاصيل الشخصية والاجتماعية في علاج الأمراض الجسدية المتنوعة يساهم في تعقيدات العلاج الطبي أو فشله بنسب متفاوتة .. كما أنه يمثل إساءة للمريض نفسه بسبب إهمال العوامل النفسية والشخصية التي تتداخل مع أي علاج طبي .. ولهذا نجد مزيداً من التركيز على العوامل النفسية والشخصية والاجتماعية في الممارسة الطبية في الدول المتقدمة، وهذا ما تفتقر له كثيراً المارسات الطبية في دول العالم النامية وفي بلادنا.
وأخيراً .. تؤكد النطرية العضوية – النفسية – الاجتماعية Bio-Psycho-Social Theory على أهمية العوامل العضوية والنفسية والاجتماعية في نشوء الأمراض المتنوعة، وتداخل هذه العوامل معاً، مع اختلاف في وزن وأهمية كل جانب في مرض معين .. وينطبق الأمر ذاته على نظرية العلاج وضرورة شمولها لكل العوامل السابقة في رسم الخطة العلاجية المناسبة لكل مريض.

الاثنين، 15 يناير 2018

ملاحظات نفسية حول "مايكل جاكسون" المغني والراقص العالمي الشهير:

ملاحظات نفسية حول "مايكل جاكسون" المغني والراقص  العالمي الشهير:
د. حسان المالح


توفي مايكل جاكسون Michael Jackson عن عمر 51 سنة (1958- 2009) بسبب تناوله كميات كبيرة من الأدوية المهدئة مع عقار بروبوفول Propofol، ويستعمل هذا الدواء في التخدير في العمليات الجراحية. وقد أدين طبيبه الخاص وهو طبيب قلبية "بالقتل غير العمد" لأنه كان يعطيه هذا العقار عن طريق الحقن الوريدي دون وجود احتياطات كافية  لمراقبة كمية الدواء والإنعاش وقواعد الممارسة الطبية السليمة، وحكم عليه بالسجن 4 سنوات قضى منها حوالي 3 سنوات وأفرج عنه لحسن سلوكه.
وبيّن تشريح الجثة أنه كان يعاني من مرض البهاق الجلدي  Vetilligo (زوال لون الجلد بشكل بقع بيضاء) في بعض مناطق جسمه. وأن لديه وشماً لرسم الحواجب والشفاه وأن شعر رأسه قليل ومرتبط بشعر مستعار Wig. وفي جسمه آثار عديدة لثقوب الإبر. ووزنه 61 كغ وطوله 175 سم.
وقد تزوج وطلق مرتين وزوجته الأولى ابنة المغني والممثل ألفيس بريسلي وهي مغنية، والثانية ممرضة في العيادة الجلدية، وله ابن وابنتان.
ومن النواحي النفسية .. كان مغنياً شهيراً وراقصاً ومؤلفاً للأغاني منذ طفولته وذاعت شهرته في العالم. ومن المعروف أنه كان مدمناً على عدة أنواع  من المهدئات والمسكنات لفترات طويلة. كما كان يعاني من عدم رضاه عن شكل وجهه وأنفه وأجرى عدة عمليات تجميل للأنف والوجنتين والذقن. وكان يستعمل مواد لتبييض البشرة لاسيما في وجهه. إضافة لحالات اكتئابية وامتناع عن حضوره لبعض الحفلات التي كان عليه أداؤها. وقد اتهم عدة مرات بالتحرش الجنسي مع الأطفال وأدين في واحدة منها ثم تمت براءته بعد مدة.
ومن الواضح أنه كان فناناً مبدعاً ومتميزاً في فنه منذ طفولته .. وقد وصل إلى النجومية والشهرة والعالمية .. وقدم فناً متميزاً لمدة 40 عاماً على الأقل، وانتهت حياته مبكراً بسبب جرعات من مادة مخدرة كان يستعملها للارق الذي يعاني منه بشكل مزمن.
وقد كتب عنه الكثير وعن تفاصيل حياته المتنوعة .. وهناك غموض وأسرار وشائعات في مختلف التفاصيل المرتبطة به، إضافة للتناقضات في الروايات والأحداث وفي تأكيدها. وكثير من المعلومات ربما لا يمكن تأكيدها لأسباب قانونية وشخصية ودعائية وتجارية. وربما تتوضح عدة أمور بشكل أفضل بعد سنوات عديدة.
ومن النواحي النفسية  تم إطلاق عدة تشخيصات عليه ومنها: الخوف المرضي من تشوه الجسم (عدم الرضا عن شكله ووجهه)Body Dysmorphic Disorder ، وقلق من الأمراض Health Anxiety، وسوء استعمال المنومات والمهدئات، والاكتئاب، والقمه العصبي (الخوف من زيادة الوزن ونقص الشهية)Anorexia nervosa . إضافة إلى احتمال الانحراف الجنسي (الولع الجنسي بالصغار).
وبالطبع يمكن لعدة اضطرابات نفسية أن تجتمع معاً .. ولكن كلما كان هناك تشخيص أساسي يمكنه تفسير مختلف الأعراض أو معظمها، كان ذلك أفضل.
وبين بعض الخبراء النفسيين أن طفولته القاسية غير السعيدة والإيذاء الجسدي والنفسي الذي تعرض له، قد ساهم في سلوكه واكتئابه. كما أن ابنته عانت من الاكتئاب وقد صرحت بذلك للصحافة وربما هناك عامل وراثي وراء ذلك.
كما قدر بعض الخبراء والأطباء النفسيين أنه ربما كان يعاني من اضطراب المزاج ثنائي القطب بدرجة خفيفة أو متوسطةBipolar Mood Disorder ، والذي يمكن أن يساهم في تفسير نشاطه الإبداعي الفني وتميزه وحيويته، إضافة لمعظم اضطراباته النفسية وغرابته واندفاعيته، وأرقه واكتئابه.
كما أن اضطراب المزاج ثنائي القطب يمكن أن يترافق مع السلوك الإدماني بنسبة عالية.
ويبدو أن الشهرة وحدها، أو طبيعة نشاطه المهني الفني، لا يمكن لهما أن يفسرا سلوكياته المتنوعة واضطراباته .. ولا بد دائماً من التفسيرات النفسية التي يمكن لها أن تلقي أضواء مفيدة على مختلف أنواع السلوك.


الاثنين، 8 يناير 2018

في مديح التفاهم اللغوي وضرورته


في مديح التفاهم اللغوي وضرورته :
د. حسان المالح 
" الذين لا يفهمون صمتك .. لن يفهموا كلماتك أبداً"
People who do not understand your silence will never understand your words.
الفكرة السابقة شائعة .. وتستعمل في العلاقات الشخصية الحميمة والعاطفية  والزوجية عادة.. وبعضهم يروج لها .. ولكنها غامضة قليلاً وربما تؤدي إلى مشكلات في التفاهم والفهم.
وهي تعني أن الآخر يجب أن يفهمك دون أن تتكلم .. وهذه حالة جميلة تدل على تقارب وتفاهم عميق حتى دون استعمال اللغة .. ويقال أن أحدهم يفهم على الآخر ما يريده وما يقصده من نظرة واحدة ودون كلام .. وهذا نادر عموماً ويحدث في بعض حالات الحب والعشرة الطويلة. وإذا لم يكن موجوداً في العلاقة أو كان قليل الحدوث فلا يعني ذلك أنه لا يوجد حب أو تفاهم .. وسوء التفاهم جزء أساسي من أي تفاهم .. حيث يتطور التفاهم بدرجات متفاوتة من خلال الزمن والمشكلات والعيش المشترك.
والحقيقة أن الصمت له دلالات متنوعة  وعديدة .. ويقولون أن الصمت علامة الرضا في حالات طلب الفتاة رأيها في العريس المتقدم لخطبتها .. وفي ذلك نوع من الحياء اللطيف والذي أصبح حالياً من التراث والتاريخ .. ولكن يقولون أيضاً أن "الصمت من علامات السب الداخلي" .. حيث يصمت الشخص لأنه لا يستطيع أن يجهر بقوله أو برأيه أمام ما يحدث حوله، وصمته نوع من الغضب وعدم الرضا.
وببساطة فإن اللغة ضرورية دائماً في التفاهم بين الناس وفي العلاقات العاطفية وبين الأصدقاء والأقارب وغيرهم.. ومن المهم الانتباه إلى لغة الجسد غير الكلامية وتفهمها .. مثل تعابير الوجه ووضعية الجسد ومختلف الإشارات غير اللغوية الصادرة عن الشخص .. ويتطلب ذلك تدريباً وتفهماً وخبرة وحدساً وذكاءً.
وهناك أشخاص تصعب قراءتهم بسبب غموضهم أو جمود تعبيراتهم العامة .. أو بسبب الرسائل المتناقضة التي يرسلونها بكلامهم أو بتعبيراتهم .. كما أن بعض الأشخاص يقول شيئاً ويقصد شيئاً آخراً.  إضافة إلى أن اللغة الكلامية نفسها يمكن أن تكون شخصية وذاتية وتحتاج إلى مزيد من الوقت لتفهم على شخص معين مصطلحاته وتعبيراته الخاصة ومدلولاتها المقصودة.
وعموماً يمكن للّغة المنطوقة أو المكتوبة أن تفهم بمعان متعددة ودلالات شتى .. حتى لو كانت واضحة أو مختصرة .. ولذلك نجد ضرورة الشرح والتوضيح لكل ماهو لغوي. مثل شرح النصوص الأدبية أو القانونية أو الدينية أو غيرها .. والتعليق عليها بالهوامش المتنوعة.
ومن الناحية العملية لا بد من تشجيع الكلام المنطوق والحوار والتوضيح للفكرة المطروحة أو المقصود في أي موضوع أو أمر .. في العلاقات العامة وفي العلاقات الزوجية والعاطفية. ويساعد ذلك في تخفيف سوء التفاهم الشائع والذي يؤدي إلى مشكلات عديدة وزوجية. وبعض الأشخاص لغتهم الكلامية معقدة وغامضة وفيها فواصل وعطف وجمل متباعدة أو غير ذلك .. ولديهم عجز لغوي يحتاج إلى تدريب وتطوير وتحسين .. كي تصبح لغتهم اكثر وضوحاً ويصبحوا مفهومين أكثر.
وتبقى الكلمات المنطوقة أساس التفاهم السليم الواضح بين الناس في مختلف التعاملات .. ولغة الإشارة "والصمت جزء منها" تبقى للأذكياء وللشخص اللبيب الذي .. "من الإشارة يفهم".
وأخيراَ .. "إذا كان الصمت من ذهب .. فالكلام من ألماس".