بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 19 مارس 2021

التشجيع يصنع المعجزات!

خواطر شخصية: التشجيع يصنع المعجزات!

د. حسان المالح

في المرحلة الابتدائية كنت أحصل على تشجيع المدرسين بشكل لفظي ومن خلال منحي بطاقة "مرحى" أو بطاقة "امتياز" تقديراً لتفوقي في المواد الدراسية.

وكنت أفرح بها ويضعها والدي في مكان ظاهر في غرفة الجلوس. إضافة لكلمات الثناء والتقدير الجميلة التي يكتبها أستاذ الصف مع الجلاء المدرسي في مكان خاص للملاحظات جانب العلامات التي حصلت عليها، مثل "ثابر على اجتهادك أتوقع لك مستقبلاً زاهراً وفقك الله". وكان والدي حريصاً على كتابة كلمات الشكر للمدرسة في المكان المخصص لولي الطالب. ولا زلت أحتفظ بعدد من هذه الأوراق في درج الذكريات.

وفي المرحلة الإعدادية تم تكريمي مع عدد من المتفوقين في كل سنة دراسية وكنت الأول على كل صفوف الصف الأول الإعدادي (وكان عددها 6) أمام اجتماع المدرسة الصباحي لكل المدرسة بما فيها القسم الثانوي في مدرسة (الثقفي) وقدم لي المدير يومها هدية تقديرية وهي كتاب البخلاء للجاحظ.

وطبعاً فرحت بالكتاب وقرأته من الغلاف إلى الغلاف دون ملل.

وفي شهادة الصف التاسع (الكفاءة) كنا قد انتقلنا إلى مدرسة حديثة التأسيس وكان فيها 7 صفوف للصف التاسع. وكنت الأول على المدرسة ومن العشرة الأوائل على سورية وتم نشر ذلك في الجريدة.

وقد فرح مدير المدير بنشر اسم مدرسته الحديثة (أبو رمانة المحدثة) وطلبني إلى مكتبه بحضور عدد من أساتذتي وهنأني وأثنى علي لأنني رفعت اسم المدرسة عالياً وأهداني حقيبة جلدية مدرسية جميلة. واعتذر على هديته المتواضعة بسبب إمكانيات المدرسة المتواضعة.

طبعاً فرحت بها كثيراً وكان لونها مميزاً وكنت استعملها في العام الدراسي التالي إلى أن تلفت.

وأذكر في المدرسة الثانوية أن أحد الأساتذة الشهيرين طلب مني تقديم تلخيص لكتاب صعب ومعقد أمام مجموعة من الطلبة. وقد بذلت جهدي وقدمت التلخيص وأعجب به الجميع وكالوا لي الثناء لأنهم لم يفهموه سابقاً أبداً.

أما الأستاذ فقد علق على ذلك بأن الكتاب سهل مع نصف ابتسامة وسط استغراب الزملاء. وقد امتعضت حينها وسكتت.

وفيما بعد عاتبته على تعليقه وبرر نفسه بشكل غير مقنع أنه يخشى علي أن أصاب بالغرور إذا امتدحني كثيراَ!

وفي شهادة البكالوريا حصلت نتيجة تفوقي على كتاب ثمين تراثي من مجلدين من نفس الأستاذ الذي يخشى الغرور.

ويبدو أن فكرة التشجيع يصنع الغرور تفهم بطريقة مغلوطة وغير مناسبة.. والتشجيع المفرط على كل أنواع السلوك هو المشكلة لأنه يساهم في نشوء الشخصية النرجسية والغرور المزيف. بينما تشجيع السلوك الناجح يساهم في استمرار ذلك السلوك ويعزز الثقة بالنفس.

ويبدو لي أن جيلنا من الطبقة الوسطى لم يتلق إلا قليلاً من التشجيع والمكافآت مقارنة مع جيل أبنائنا والجيل الحالي. وعلى الرغم من ذلك فإن الدأب ودافع الإنجاز والطموح العلمي والعملي كان أساسياً في ثقافتنا التربوية المنزلية والمدرسية والاجتماعية.

ومن المؤكد أن الدافع إلى الإنجاز والطموح والمثابرة كل ذلك له أسباب ذاتية وراثية ونفسية وفردية، ولكن تأتي العوامل التربوية والاجتماعية لتوسع من ذلك لدى مجموعة أكبر من الأفراد.

وفي سيرة حياة كثير من المبدعين والناجحين إحباطات تربوية ومدرسية واجتماعية ومع ذلك سار هؤلاء في طريق المثابرة والإبداع.

وتشجع الثقافة الحديثة المعاصرة الفرد وتسعى نحو تنمية إمكانياته وتشجيعه ومكافأته معنوياً ومادياً واجتماعياً.

وتؤكد الأساليب التربوية الحديثة على تنمية المهارات وتنمية الإبداع وتشجيع المتفوقين والموهوبين.

ولا بد من تشجيع الآخرين باستمرار في مختلف المجالات، وأنا أشجع مختلف الحالات المرضية النفسية ولا سيما حالات ضعف الثقة بالنفس وأفكار التشاؤم والسلبية.

ولا بد من تشجيع الأبناء والطلبة والعاملين والناجحين والمتفوقين في مختلف المجالات (وليس فقط للمغنين والممثلين والرياضيين)، وتكريم إبداعاتهم وعطاءاتهم (ليس بعد موتهم) بل خلال الحياة اليومية والمهنية. وهذا يسمى ثقافة التشجيع والمكافأة.. لأن التشجيع يمكن له أن يصنع المعجزات.

 دمشق 18/3/2021

 

الثلاثاء، 2 مارس 2021

وراء كل رجل عظيم امرأة.. تقول له لست عظيماً؟؟

 

وراء كل رجل عظيم امرأة.. تقول له لست عظيماً؟؟

د. حسان المالح

 

مقولة فكاهية ظريفة وتهكمية عن دور المرأة السلبي في نجاح الرجل وعظمته.. وقائلها غير معروف. وربما من أطلقها كان يعاني من المرأة وسلوكياتها المحبطة.

وهذه المقولة ترد على المقولة الشائعة التي تنسب إلى نابليون بونابرت "وراء كل رجل عظيم امرأة"، بمعنى أنها ساندته وساعدته في بلوغ عظمته، وأن لها الفضل في ذلك.

وهناك مقولة ثالثة حول الموضوع تقول "وراء كل عظيم.. نفسه"، أي أنه صنع نفسه بنفسه.

ويبدو لي أن المقولات الثلاث صحيحة جزئياً، وكل منها تنطبق على بعض الأشخاص، والتعميم دائماً خطأ.

ويستحق الموضوع الوقوف عنده لأن له أبعاداً نفسية واجتماعية هامة.

وعملياً يستخدم مفهوم النجاح والبطولة والإبداع في الدراسات التربوية والنفسية. ومفهوم العظمة مشابه للنجاح المتميز والإبداع والعبقرية.

وعندما تساهم المرأة في نجاح الرجل وإبداعه من خلال تحطيمه والتقليل من شأنه وقدراته، فإن ذلك يرتبط بعقدة الخصاء التي تحدثت عنها مدرسة التحليل النفسي الفرويدي والتي تعني الخوف من بتر العضو الجنسي (أو الخصيتين) بالمعنى الرمزي، حيث يهدد الأب ابنه (أو الأم ابنها) بخصائه وذلك للسيطرة عليه وضبطه، ويبقى في خيال الطفل القوة الخارقة المخيفة للأب أو الأم وهو يحمل ذلك الخوف بداخله، كما يسعى للتخفف منه من خلال استقلاله والبحث عن قوته الشخصية.

وعندما تكون الأم متسلطة قوية تتحكم بابنها وتقلل من قدراته ونجاحاته وأهميته فإن قلق الخصاء يتثبت ويستمر في مراحل حياته المختلفة.

وفي مرحلة الرشد نجد كثيراً من الأزواج في العصر الحديث يعيشون حياة تنافسية فيما بينهما. حيث تنافس الزوجة زوجها باستمرار وتسعى للتفوق عليه كما أنها تقلل من أهميته وإنجازاته.

ومن المؤكد أن بعض العظماء (وليس كلهم)، كان في سيرتهم أماً متسلطة أو زوجة منافسة شرسة.

وهؤلاء كانوا يسعون من خلال تركيبتهم النفسية الخاصة إلى امتلاك المهارات وأسباب القوة والنجاح ويسعون نحو الإنجاز والعظمة.

وفي الجانب المقابل من المؤكد أن هناك رجال عظماء كان ورائهم نساء ساعدنهم بأشكال متنوعة لبلوغ النجاح والتميز والعظمة. وقد يفرح ذلك بعض النساء بأن لهن دوراً عظيماً ولكن يبقى الرجل في هذه الحالة في الأمام وهي في الوراء.

وفي الجانب الثالث هناك عظماء بنوا أنفسهم بأنفسهم دون عون واضح من المرأة.

وفي دراسة الإبداع يبدو أن كثيراً من المبدعين لديهم اضطراب المزاج ثنائي القطب بدرجاته المختلفة (نابليون بونابرت يرجح أنه كان يعاني من اضطراب المزاج ثنائي القطب)، ونسبة أقل لديهم فصام. كما أن استعمال الكحول يرتبط بالإبداع وكذلك عدد من المواد الادمانية الأخرى.

وتفيد الدراسات أيضاً بأنه من الممكن تنمية الإبداع من خلال التشجيع وتوفير المواد التعليمية والعملية اللازمة، إضافة لتنمية التفكير النقدي والإبداعي والتفكير خارج الصندوق والقوالب الجامدة.

ولا بد من الإشارة إلى الدراسات المرتبطة بالذكاء واختلافات الرجل والمرأة في ذلك. وتدل النتائج أن معدلات الذكاء المتوسطة تتوزع بشكل مشابه بين الذكور والإناث، بينما يزداد عدد الذكور في معدلات الذكاء المنخفضة. ولكن في معدلات الذكاء العالية جداً (أكثر من 130) يزداد عدد الذكور.

ولكن الإبداع لا يرتبط بالذكاء العالي جداً بل يرتبط إحصائياً بالذكاء بشكل متوسط، على عكس الفكرة الشائعة أن المبدعين يجب أن يكون ذكاؤهم مرتفعاً جداً.

ومن ناحية أخرى هناك نساء مبدعات وعظيمات وربما يكون للرجل دور في عظمة بعضهن، وربما يكون لسلوك الرجل القمعي والقهري دور معاكس في تحفيز الإبداع عند بعض النساء. كما أن بعضهن اعتمدن على أنفسهن ووصلن إلى النجاح والتميز دون عون واضح.

ولا بد من التأكيد في عصرنا الحديث ضرورة التربية المتوازنة لنمو الطفل (ذكراً كان أو أنثى) والتي تشجع الطفل وتنمي مهاراته وقدراته وتهيؤ له الظروف المناسبة والوسائل المناسبة لتحقيق ذاته، بدلاُ عن أساليب القمع والترهيب والتسلط وتحطيم المعنويات.

كما أن العلاقة المتوازنة بين الرجل والمرأة تحتاج إلى تعاون الطرفين وتشجيع قدراتهما.

ولا بد من تعديل التركيبة الاجتماعية والقيم السلبية التي تؤكد على التخلف والقهر. ولا بد من التأكيد على التعاون بين الرجل والمرأة وعلى المساواة وتحقيق الذات بعيداً عن الظلم والإيذاء.. وكل ذلك يمكن أن ينتج مبدعين وناجحين ومتميزين من الجنسين.