بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 3 أكتوبر 2016

أطفالنا والإجازة الصيفية .. ملاحظات نفسية تربوية:

أطفالنا والإجازة الصيفية .. ملاحظات نفسية تربوية:
الدكتور حسان المالح
 مقدمة عامة: 
الإجازة الصيفية مناسبة هامة ومفيدة لأطفالنا.. وهي أيضاً مناسبة هامة لللآباء والأمهات لمراجعة النفس ومراجعة أساليب تعاملنا مع أطفالنا ..
 وتسعى الأمهات والآباء إلى توفير مايمكن توفيره لإسعاد أطفالهم وتسليتهم وقضائهم لأوقات مفيدة ومثمرة في العطلة الصيفية .. ويمكن أن تكون الإجازة الصيفية مناسبة للتفكير في كيفية التعامل مع الوقت والزمن والعمر.. وبعض الأشخاص يعتبرها فرصة للهو والعبث والعطالة والنوم ..وفرصة لتبديد المال وتضييع الوقت وصرف الطاقات دون جدوى .. كما يحلو للبعض الفراغ وانعدام المسؤوليات وقضاء أوقات طويلة في اللعب بأشكاله المتنوعة الحديثة والقديمة .. وكل ذلك سلوك سلبي وفيه مضمون عدواني موجه إلى الذات أوإلى الآخر ، بشكل لاشعوري .. فالعطلة الصيفية ليست احتفالاً بالعبث وهدر الوقت واللامسؤولية ..
 وبالطبع فإن الراحة مطلوبة بعد الجهد والجد .. وكذلك اللعب والمرح والترفيه عن النفس والترويح عنها بكل الأساليب المتوفرة .. والمشكلة تظهر حين ينعدم التوازن بين الجد واللعب ويستغرق الطفل في اللعب لأوقات طويلة ولايستطيع الموازنة بين أوقاته .. وهو بذلك قليل التحمل كثير التعب .. ويرتبط كل ذلك بالقيم والتربية وتكوين المجتمع وكثرة الملهيات وغياب قيم الجد والانتاج والتطور..
وترتبط الإجازة الصيفية عموماً بالنشاطات الخفيفة والمسلية ، والرحلات ، والإكثار من المتع واللذات ، وأيضاً بالابتعاد عن الهموم والمشكلات والتعقيدات .. ومن الناحية النفسية العميقة تمثل الإجازة " ضوءاً " أخضر يضيء في الفضاء الداخلي للإنسان . وهو يبيح له أن يتفلت من ضوابطه بشكل نسبي .. حيث تقل الممنوعات وتزيد المسموحات . وينطبق ذلك على عدد من الأمور ومنها قواعد الثياب وشكلها وأوقات النوم واليقظة والإحساس بالوقت ونوعية الطعام .. إضافة للسلوكيات الأخلاقية والنشاطات الترفيهية السطحية وغير ذلك .
تنمية المهارات:
الحقيقة أن عقل الطفل وشخصيته يمران بمرحلة ذهبية في التعلم يجب الاستفادة منها وتطويرها وإغناؤها بكل ماهو مفيد .. وفي مواجهة الفراغ الطويل والعطالة تبدأ قائمة النشاطات والأعمال المفيدة والمثمرة خلال الإجازة .. مثل الرياضة وممارستها وبذل الجهد والوقت لتنمية المهارات الرياضية المتنوعة والاستمتاع فيها .. والنشاطات الثقافية عديدة مثل القراءة الجادة للكتب والمجلات وزيارة المتاحف والآثار وغيرها ..إضافة للنشاطات الاجتماعية المتنوعة والزيارات للأهل والأقارب والأصدقاء والرحلات ..
وهناك نشاطات تعليمية واكاديمية متنوعة ودورات تضيف إلى مهارات الطفل وقدراته .. ووقت الفراغ يساعد الإنسان على أن يتم فيه مالم يستطع إنجازه خلال أوقات العمل او الانشغال.. وبعضهم يهتم بالقراءة أو الكتابة أو الرياضة أو اللعب .. وبعضهم يهتم بأنواع المأكولات والمشتريات والتسوق .. وبعضهم ينكب على التسلية الموسيقية أو البصرية .. وبعضهم يلعب ويلهو فقط ..
ولابد من التخطيط لأوقات الفراغ  وبذل الجهود للتعرف على مايمكن عمله وانجازه خلال الإجازة .
ومما لاشك فيه أن التعليم والتدريب منذ الصغر يزيد من مستوى الذكاء العام وكذلك الرعاية الصحية والبدنية ، إضافة للاستقرار النفسي والعائلي والاجتماعي .. وذلك لأن كل مايؤثرعلى الجهاز العصبي سلبياً يقلل من تركيز الذهن و الانتباه ، من خلال ارتفاع درجات التوتر والقلق أو اجترار الآلام او المشكلات أو من خلال الضعف الجسمي ونقص التغذية . وكل ذلك يؤثر على القدرات العقلية بالتحليل الأخير. ويمكن القول أن أساليب التربية التي تشجع الفرد وتكسبه الثقة بنفسه تزيد من قدرات الفرد وتحصيله وذكائه . وفي مجتمعاتنا لايزال ينقصنا الكثير في مجال تشجيع وتنمية المهارات والقدرات الإبداعية والابتكار في مختلف الميادين ومن ذلك إعداد البرامج الدراسية الخاصة التي تتعرف على مهارات الطفل وميوله ومن ثم تتناسب مع قدراته وتنميها. وأيضاً تزويد المتفوقين بالمواد الأولية اللازمة والحوافز والألعاب الخاصة والتأكيد على التشجيع المنظم  لهم في مختلف المراحل الدراسية والعملية ..
ولعله من المثير ان كلمة إبداع أو ابتكار أو مهارات خاصة لاتتكرر في لغتنا اليومية وحواراتنا بينما نستعمل كثيراً من الكلمات التي تتضمن التقليد والاجترار والاستهلاك السلبي .
ثقافة الأم والأب التربوية:
لابد من التأكيد على أن الأم تقوم بدور أساسي في ثقافة أبنائها وتربيتهم في مختلف النواحي الفكرية والخلقية والعاطفية وكلما كانت الأم أكثر جهلاً كلما أثر ذلك في الأبناء .. ولابد للمرأة من أن تطور نفسها وقدراتها وأن تكتسب ثقافة مناسبة كي تستطيع أن تساهم بدورها بنجاح في ثقافة أبنائها وتوجيه وعيهم وسلوكهم نحو الطرق السليمة والناجحة .
 ومن المهم في الإجازة الصيفية أن تزيد الأمهات والآباء من ثقافتهم التربوية العامة .. كي يطوروا من أساليبهم في تعاملهم أطفالهم مما ينعكس إيجابياً على الجميع .. والحقيقة أن المفاهيم التربوية ومايترتب عليها من توجيهات ونصائح تتنوع وفقاً للظروف الاجتماعية والأفكار السائدة في مجتمع معين .. ومن الملاحظ أن جميع المربين يواجهون كماً هائلاً من المعلومات والملاحظات التربوية من خلال إطلاعهم وتجاربهم الشخصية والأفكار المتناثرة التي يحصلون عليها بشكل يومي من مصادر عدة . والأساليب التربوية العلمية لاتمثل في مجملها أكثر من " التفكير السليم المنطقي "  و" الإدراك العفوي الشائع "  والقواعد التربوية ليست ألغازاً معقدة أو نظريات يصعب فهمها وتطبيقها ..
ومن المعروف أن الدلال الزائد وإرضاء حاجات الطفل طول الوقت مهما كانت هذه الحاجات ، يمثل أسلوباًخاطئاً وفاسداً وهو يؤدي إلى ضعف شخصية الطفل وازدياد اعتماديته على الآخرين كما يجعل منه شخصاً سريع الغضب قليل التحمل للإحباط وغير ذلك من الصفات السلبية ..
كما أن العقاب الصارم والقسوة والعنف لها آثار سلبية كثيرة وتؤدي إلى الشعور بالحرمان والنقص والتمرد والضعف .. ولابد من الاقتراب من الطفل وفهم حاجاته المتنوعة وتوفيرها دون إفراط او تفريط . ولابد للطفل من أن يتعلم أنه مرغوب فيه وأن هناك من يعينه على تأمين حاجاته ورغباته وأن الحياة من حوله محبة له وتعلمه كيف ينجح وكيف يعتمد على نفسه وكيف يحقق ذاته وسعادته ..
ومن الملاحظات الواقعية نجد أن كثيرأ من الآباء يأخذ موقف " التأديب فقط " من الطفل دون الحب أوالتعليم او الرعاية .. والحقيقة ان الطفل ليس " شيطاناً صغيراً " يجب كبحه وعقابه والسيطرة عليه طول الوقت . كما نجد كثيراً من المربين والمدرسين والمدرسات يلجأون في تعاملهم مع الأطفال إلى أساليب العقاب والاستهزاء والتحقير إضافة إلى الإهانات المتكررة والتجريح والضرب .. وتدل الدراسات العلمية ان العقوبة قد تمنع الفعل السيئ ولكنها لاتخلق "الطفل الجيد المتوازن".
ولابد  من وضوح الأوامر كي يستطيع الطفل استيعابها وكذلك أن يفهم سبب العقاب في حال حدوثه ، وأن "العمل المحدد كذا وكذا"  هو الذي أنتج العقاب. ومن الخطأ تكرار كلمات مثل " عنيد ، لايسمع الكلام ، شقي ، شيطان" وهي أوصاف كلية يتمثلها االطفل عن نفسه مما تسبب له مزيداً من المشكلات في المستقبل . والأجدى توضيح أن " الخطأ محدد في سلوك معين بوقت معين " وليس الطفل كله " خاطئ أو سيئ  ".
ويفضل اختيار العقوبات بشكل مسبق ومتسلسل وتطبيق ذلك بشكل أكيد بدلاً عن " الوعيد والتهديد " الذي لايعلم سوى "الخوف والقلق ".
والمسؤوليات التربوية كبيرة وتحتاج إلى الصبر والفطنة والتوازن النفسي .. والأم المتعبة المرهقة المحبطة لايمكنها أن تكون مربية ناجحة ، وكذلك الأب العصبي الثائر . ويمكننا القول أن مسؤولية الأهل عن أطفالهم تبدأ قبل الزواج وإنجاب الأطفال من حيث الإعداد والتهيئة وصقل الأمومة والأبوة في المرأة والرجل كي يصبحا ناجحين ومفيدين فيما بعد ..
ومن الملاحظات العملية ان تعليمات الأهل تجاه الطفل غامضة وضعيفة وغير فعالة ، وأن التهديدات غير مناسبة أو أنها لاتنفذ.  وأيضاً عدم الثبات في قبول أو رفض سلوك معين من قبل الأهل ، وعدم الاهتمام الكافي بالتصرفات الإيجابية ، وأن تشجيع السلوك الحسن الذي يقوم به الطفل  قليل وغير فعال . إضافة للانشغال عن المشكلة الأساسية السلوكية للطفل بمشكلات فرعية وضياع التركيز . كما أن إعطاء التعليمات والطلبات يتم في أوقات غير مناسبة ، وأخيراً فإن توقعات الأهل مثالية وزائدة عن الحد ولاتتناسب مع عمر الطفل أو إمكانياته.
التلفزيون والمشاهد المؤثرة:
في الإجازة الصيفية ( وغيرها من الأوقات أيضاً ) يتعلق الأطفال بمشاهدة التلفزيون ويقضون أوقاتاً طويلة سلبية يتلقون ما يعرض عليهم من أفلام ومسلسلات وبرامج ..
ومن المعروف أن الإنسان  لايمكنه أن يعيش في حدود الواقع فقط ولابد من الخيال والحلم في الحياة البشرية .. والحقيقة أننا نحلم أوقاتاً طويلة تساعدنا على إعادة التوازن النفسي والعاطفي والفكري وأيضا الجسدي . وتعتبر الفنون والأداب بكافة أشكالها منافذ طبيعية خاصة للخيال الإنساني حيث تتفاعل مكونات الإنسان العاطفية والعقلية مع موضوع معين فني او أدبي ويشارك الإنسان أبطال الرواية او المسرحية كثيراً من الانفعالات والأفكار والآلام وأيضاً الانتصارات .. ويعتبر التلفزيون أحد الوسائل الأساسية التي تؤثر على المشاهد وشخصيته وتشده لمتابعة البرامج المتعددة والأحداث والمسلسلات والأفلام وهو يتفاعل مع هذه المواد بكامل تكوينه وأحاسيسه وخيالاته.
وبعض الأشخاص ( والأطفال ) يدمن على مشاهدة التلفزيون بشكل واضح كما أن بعضهم يستغرق في خيالاته وفي أحلام اليقظة لساعات طويلة . وربما يعكس ذلك مشكلات يواجهها الطفل مع نفسه أوفي المنزل أو خارجه ..
ولابد من الاهتمام بالواقع وتنمية المهارات الدراسية والاجتماعية والفكرية وعد م الهروب من المشكلات بل محاولة مواجهتها بعدة طرق دون يأس أو سلبية.
والحقيقة أن الإنسان يتأثرانفعالياً بما يشاهده أو يسمعه أو يقرؤه من أحداث واقعية حدثت فعلاً كالأخبار والأحداث وقصص التاريخ وأحاديث الأهل والأصدقاء وأخبارهم ويتأاثر أيضاً بالأعمال الفنية والتمثيلية والأدبية بمختلف أشكالها ويفوق تأثير الصورة الناطقة من خلال التلفزيون والسينما والفيديو أشكال الإثارات الأخرى السمعية والبصرية نظرأ للتقنيات العديدة والمؤثرات الخاصة المستعملة . ويختلف هذا التأثير من شخص لآخر وبعض الناس يصل بهم التأثر  في مشهد تلفزيوني إلى البكاء، وبعضهم تزداد ضربات قلبه وتوتره وخوفه ، وآخرون يزداد غضبهم  وحماسهم ويرمون ما بيدهم من كأس أو غيره . وكثير من الأشخاص يحمل انفعالات معينة سلبية أو إيجابية لساعات أو أيام أو سنين بعد مشاهدته حدثاً مهماً.
 ويشترك الأطفال والشباب والشيوخ في تأثرهم الانفعالي بما تتعرض لهم حواسهم البصرية والسمعية ولكن الأطفال بحكم تكوينهم ومرحلة نموهم يكونون أشد قابلية للإيحاء من الفئات الأخرى ، وأكثر استجابة للانفعالات الشديدة التي يمكن لها أن تؤثر عليهم بشكل سلبي. والجهاز العصبي عند الطفل تختلف طاقته واستعيابه عن البالغ .. فهو أقل تركيزا  وأقل تحملاً  من الناحية الذهنية والنفسية . كما أن دفاعات الطفل النفسية وقدرته على  تحليل المواضيع وترتيبها و" هضمها" ضعيفة . وهكذا فهو يقف عاجزاً عن استعياب أحداث هامة كالكوارث والفياضانات والمجاعات والحروب والقتل والعمليات الجراحية وأشكال الموت المختلفة . وتثير هذه المشاهد غير المألوفة بالنسبة لعالمه الشخصي الحسي انفعالاات سلبية تتميز بالقلق والخوف والفزع والارتباك . وقد تكون هذه الآثار عابرة ومؤقتة يحملها الطفل لساعات قليلة وتظهر على شكل كوابيس وأحلام مفزعة ويمكن لها أن تستمر طويلاً في حال تكرارها أو ارتباطها بذهن الطفل بشكل خاطئ بالمحيط الذي يعيش فيه.
وبشكل عام فإن خيال الطفل الواسع وذاكرته الضعيفة نسبياً وتحول انتباهه السريع إلى موضوعات أخرى متعددة كل ذلك يشكل صمام أمان أمام تأثره بما يراه أو يسمعه . حيث يمكن له أن ينسى بسرعة وأن يتخيل أموراً حسية يفهمها بشكل أقل خطراً وتهديدا له من طبيعة مايراه ، كأن يلتفت إلى المسدس المائي الجميل الذي اشتراه له أبوه بدلاً عن المسدس الحقيقي الذي بسبب طلقات مرعبة ونزوفاً ودماء.
كما ان الوضع النفسي العام للطفل وظروفه المعيشية والتربوية يمكن لها أن تلعب دوراً واقياً ومعدلاً للآثار السلبية التي يمكن أن تنجم عن إثارة انفعالات شديدة مزعجة . والحرمان الطفولي والألم النفسي الناجم عن البيئة المنزلية ومشكلاتها تفوق آثارها أضعاف المرات مشاهد عنف أوقتل أو تدمير يراه الطفل على الشاشة الصغيرة .
ولابد من التأكيد على أن الطفل يحتاج لحماية عقله وانفعالاته وسلوكه من كل مايضر به ولابد من اختيار ما يناسب الطفل كي يشاهده ..  وإذا كان لابد من مشاهد مرعبة أو مزعجة فيمكن التدخل من الأهل وشرح بعض الأمور بلغة أقل خطرأ مما يتخيله الطفل. وبالطبع فإن الطفل أثناء نموه وازدياد خبرته سيتمكن من فهم الحياة بحلوها ومرها ..ولابد من تزويده بجرعات من االأمان والرعاية والطمأنينة والفرح ، إضافة للتوجيه والإرشاد ، كي يحسن مواجهة الحياة الواقعية في المستقبل.
 الرياضة وفوائدها النفسية:
إإذا تحدثنا عن الرياضة عموماً وفي الإجازة الصيفية خصوصاً .. يمكننا القول أن الرياضة البدنية بمعظم أشكالها دواء  نفسي مساعد لكثير من الاضطرابات النفسية .. كما يمكن اعتبارها  أسلوباً وقائياً وداعماً للصحة النفسية في حالات أخرى ..
والرياضة تمنح لذة جسمية ونفسية واضحة .. ويعود ذلك إلى عدة أسباب .. ومنها أن الرياضة نوع من اللعب والتسلية مما يذكر بألعاب الطفولة وأفراحها وقلة مسؤولياتها .. والرياضة نوع من النكوص إلى عالم الطفولة والسعادة والانطلاق .
وتتضمن الرياضة البدنية تحريك العضلات وشدها وارتخائها مما يؤدي إلى التخلص من التوتر العضلي والعصبي والنفسي . تدل الدراسات العلمية على أن تحريك العضلات يؤدي إلى زيادة إفراز مادة " الإندورفين "  وهي مادة مسكنة داخلية المنشأ وموجودة  في الجهاز العصبي للإنسان . وهذه المادة لها تأثير مشابه للمورفين وهو من أقوى المسكنات ومضادات الألم ،  مما يعطي لذة ونشوة وراحة أودعها الله في أجسامنا وتركيبها الفيزيولوجي  . والرياضة تحسن من الثقة بالنفس وتشغل وقت الفراغ وتساعد على الاحتكاك بالأخرين وتنمي الجسم والعضلات والعظام ، كما تعيد للجسم صحته وعافيته.. والرياضة تتعارض مع تناول المخدرات بأنواعها ومع حياة الكسل والضياع واللامبالاة ، وهي تضمن تصريف بعض الطاقات الجنسية عند الشباب والمراهقين بشكل سليم وطبيعي ، كما تساعد على ضبط الغرائز . وأيضاً تضمن تفريغ كثير من المشاعر العدوانية والسلبية والتي يؤدي كبتها أو تراكمها إلى الاضطرابات النفسية والجسمية المتنوعة. 
وأخيراً .. الإجازة الصيفية وسيلة ناجحة للتخفف من الضغوط اليومية والمسؤوليات وتجديد النشاط والحيوية للجميع ، ومن ثم العودة إلى العمل والانتاج والمسؤوليات .. ولابد من مراجعة النفس وسلوكياتها .. أثناء العمل وأثناء الإجازة .. ولابد من العمل على تعديل الأنماط السلبية في السلوك والتفكير بما يتعلق بنا كآباء وأمهات وبأطفالنا .. وبما يتناسب مع حياة منتجة وفعالة .. ومع إجازة مفيدة وإيجابية.

الدقيقة التي تذهب لن تعود .. وكذلك الإجازة:

الدقيقة التي تذهب لن تعود .. وكذلك الإجازة:

الدكتور حسان المالح - استشاري الطب النفسي – دمشق 
مما لاشك فيه أن الدقيقة التي تذهب لن تعود .. وكذلك الساعة واليوم والإجازة.. والوقت هو الحياة وإضاعته بما لاينفع إضاعة للحياة نفسها .. وفي ذلك  دعوة إلى الاهتمام بالوقت واحترامه .. وترك الفراغ والانتظاروتمضية الوقت وهدره  بالعبث ..
 والإجازة الصيفية مناسبة هامة لكيفية التعامل مع الوقت والزمن والعمر.. وبعضهم يعتبرها فرصة للهو والعبث والعطالة والنوم ..وفرصة لتبديد المال وتضييع الوقت وصرف الطاقات دون جدوى .. كما يحلو للبعض الفراغ وانعدام المسؤوليات وقضاء أوقات طويلة في اللعب بأشكاله المتنوعة الحديثة والقديمة .. وكل ذلك سلوك سلبي وفيه مضمون عدواني موجه إلى الذات أوإلى الآخر ، بشكل لاشعوري ..
 وطبعاً الراحة مطلوبة بعد الجهد والجد .. وكذلك اللعب والمرح والترفيه عن النفس والترويح عنها بكل الأساليب المتوفرة .. والمشكلة تظهر حين ينعدم التوازن بين الجد واللعب ويستغرق الإنسان في اللعب لأوقات طويلة ولايستطيع الموازنة بين أوقاته .. وهو بذلك قليل التحمل كثير التعب .. ويرتبط ذلك بالقيم والتربية وتكوين المجتمع وكثرة الملهيات ، وبالظروف الشخصية أيضاً ..
كما يرتبط بالفرص المتاحة والمتوفرة أمام الشباب والتي يمكن من خلالها قضاء اوقات مثمرة ومنتجة ومفيدة في العطلات ..بدلاً من العطالة وتبديد الوقت ..
ويقال أن الوقت من ذهب ، وأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك .. والفراغ مرض نفسي ويؤدي إلى الأمراض النفسية والاجتماعية.. ويرتبط الفراغ بالمرض النفسي حيث يستغرق الفرد بتأملاته وبذاته بعيداً عن الواقع ومتطلباته ، ويمكن له أن يجتر أفكاراً وخيالات مرضية تسيطر عليه ويتأثر بها وتستهلك فكره وأعصابه ووقته ،  مثل الوساوس المرضية والأفكار التشاؤمية الاكتئابية وأحلام اليقظة المرضية وغيرها .. وفي عدد من الاضطرابات النفسية مثل الفصام والاكتئاب الشديد ، يتعطل المريض وتقل درجة نشاطاته وتخف دافعيته وحيويته ، ويصبح جامداً متجمداً في مشاعره ومظهره وسلوكه ،مما يطرح أهمية تأهيله وإعادته للعالم الواقعي من خلال نشاطات مفيدة تدريجية .
والفراغ والملل يمكن لهما أن يؤديا بالبعض إلى تعاطي المواد الإدمانية ومن ثم إلى الإدمان وما يرتبط به من مشكلات اجتماعية واخلاقية . كما يمكن لهما أن يؤديا إلى الانحراف والسلوكيات العديدة المضادة للمجتمع .
وبعض الأشخاص يتصفون باللامبالاة وضعف تحمل المسؤوليات والميوعة .. وهم يتعاملون مع الحياة بالضحك واللعب في مختلف الأوقات .. وطبعاً فترة الإجازات فرصة ذهبية لهم لممارسة المزيد من التمتع باللامسؤولية .
وفي الجهة المقابلة بعض الأشخاص تمثل الإجازة لهم قلقاً وإزعاجاً وهم يكرهونها ويعتبرونها عبئاً ثقيلاً ، ولايعرفون مايصنعون بها.. وهم يفضلون الحياة الجادة باستمرار والعمل المتواصل ولايعرفون الاسترخاء وينزعجون من الفراغ  ، وتكثر عصبيتهم ونكدهم ومشكلاتهم مع أنفسهم ومع الآخرين في فترة الإجازات.. وهم يشكون عادة من صفات الشخصية الوسواسية مثل الجمود والجدية المفرطة وضيق الأفق والبخل والإحساس الزائد بالذنب والدقة المتطرفة في المواعيد وفي مختلف الحسابات ، ومنها حسابات الوقت .. وهم يقلقون من الإجازات وإذا أخذوا إجازة تكون قصيرة ومتوترة .
ولابد من التوازن وتطويروتعديل أنماط السلوك والشخصية .. كل يبحث عما يكمله وينقصه ليطور من نفسه وقدراتها وأساليبها ويحقق صحة نفسية واجتماعية أفضل .
ومما لاشك فيه أن الشباب يمتلك طاقات كبيرة ، كامنة وفعلية .. وطاقة الشباب تختلف عن طاقة الشيوخ المتناقصة وطاقة الأطفال العبثية.. ومن الممكن أن تكون هذه الطاقات بناءة وإيجابية ومسؤولة . ولابد للشباب من أن يخلعوا عنهم ثياب الطفولة ويلبسوا ثياباً تناسبهم .. وتناسب مرحلة الشباب بما فيها من استقلال ونضج وجد وبناء وخلق ووعي وطموح .
وترتبط الإجازة عموماً بالنشاطات الخفيفة والمسلية ، والإكثار من المتع واللذات ، وأيضاً الابتعاد عن الهموم والمشكلات والتعقيدات .. ومن الناحية النفسية العميقة تمثل الإجازة " ضوءاً " أخضر يضيء في الفضاء الداخلي للإنسان . وهو يبيح له أن يتفلت من ضوابطه بشكل نسبي .. حيث تقل الممنوعات وتزيد المسموحات . وينطبق ذلك على عدد من الأمور ومنها قواعد الثياب وشكلها وأوقات النوم واليقظة والإحساس بالوقت ونوعية الطعام .. إضافة للسلوكيات الأخلاقية والنشاطات الترفيهية السطحية وغير ذلك .
وفي مواجهة الفراغ الطويل والعطالة تبدأ قائمة النشاطات والأعمال المفيدة والمثمرة خلال الإجازة .. مثل الرياضة وممارستها وبذل الجهد والوقت لتنمية المهارات الرياضية المتنوعة والاستمتاع فيها .. والنشاطات الثقافية عديدة مثل القراءة الجادة للكتب والمجلات ومتابعة المناسبات والنشاطات الثقافيةالمتنوعة .. وهناك نشاطات تعليمية واكاديمية متنوعة ودورات تضيف إلى مهارات الشاب وقدراته .. كما أن الأعمال المهنية ممكنة وبأشكال مختلفة .
ووقت الفراغ يساعد الإنسان على أن يتم فيه مالم يستطع إنجازه خلال أوقات العمل او الانشغال ، فيما يتعلق بنفسه أو أهله أو مجتمعه .. وبعضهم يهتم بالقراءة أو الكتابة أو الرياضة أو التأمل .. وبعضهم يهتم بأنواع المأكولات والمشتريات والتسوق .. وبعضهم ينكب على التسلية الموسيقية أو البصرية .
ولابد من التخطيط لأوقات الفراغ  وبذل الجهود للتعرف على مايمكن عمله وانجازه خلال الإجازة .
واخيراً .. الإجازة وسيلة ناجحة للتخفف من الضغوط اليومية والمسؤوليات وتجديد النشاطوالحيوية ، ومن ثم العودة إلى العمل والانتاج .. ولابد من مراجعة النفس وسلوكياتها .. أثناء العمل وأثناء الإجازة .. والعمل على تعديل الأنماط السلبية في السلوك والتفكير بما يتناسب مع حياة منتجة وفعالة .. ومع إجازة مفيدة وإيجابية .

الضغوط النفسية الاجتماعية .. وقلق الامتحان:

الضغوط النفسية الاجتماعية .. وقلق الامتحان:
الدكتور حسان  المالح - استشاري في الطب النفسي - دمشق - أستاذ في الجامعة العربية الأوربية
يعتبر القلق من الامتحانات من المشكلات النفسية الشائعة .. وفيه يعاني الطالب من التوتر النفسي والإحساس بالخطر الوشيك ..ويختلف الأشخاص في تعاملهم مع هذا القلق .. وبعضهم يتكيف معه بشكل إيجابي كأن ينظم أوقاته وينكب على دراسته وحفظه ويسيطر على الأفكار السلبية التي تراوده "قدر الإمكان" حول أدائه في الامتحان وحول النتيجة والمستقبل.. والحقيقة " إن قليلاً من الخوف والقلق لا بأس فيه " .. لأنه طبيعي .. والقلق الطبيعي ينشط الجهود الإيجابية للإنسان كي يتعامل مع الأمور الهامة والصعبة ومن ثم السيطرة عليها والنجاح فيها.
وبعضهم يغلبه القلق ويبقى باستمرار متوتراً عصبياً قليل النوم والأكل كثير الشرود والشكاوى وتتناقص إنتاجيته وأداؤه.. ومن الأعراض المرضية الشائعة في هذه الحالات.. الصداع ونقص الشهية وآلام البطن والإسهال المتكرر والغثيان والإقياء .. إضافة للدوخة والدوار والإحساس بعدم التوازن أحياناً أو بشكل متكرر.. وخفقان القلب وآلام الصدر . وهناك أعراض أخرى مثل الآلام العضلية المتنوعة والشعور بالتعب والإعياء وغير ذلك. وأما الأعراض النفسية الصريحة فهي الترقب والخوف وتوقع الفشل والرسوب وصعوبات النوم والأحلام المزعجة والكوابيس ، إضافة للعصبية والنرفزة والتوتر ونقص التركيز والمثابرة وغير ذلك .. وكل ذلك من أعراض القلق المؤقت والعابر.. ولكنه يستدعي العلاج والدعم النفسي والاستشارة النفسية إذا كان شديداً ومستمراً ومعطلاً ..
ويرتبط القلق من الامتحان بتكوين الشخصية وحساسيتها وقيمها وتاريخها وثقتها بنفسها وقدرتها على التنافس وإثبات الذات.. والشخصيات المتوازنة تتعامل بشكل ناجح مع القلق، بينما تضطرب الشخصيات النرجسية، أو المدللة غير الناضجة، أوالخيالية في طموحها.
 وأيضاً يرتبط القلق بالظروف الشخصية والأسرية والضغوط التي يتعرض لها الطالب من الأهل ومن المجتمع الكبير.. والتخويف الشديد من قبل الأهل يعتبر ضغطاً إضافياً على الأعصاب وعلى تحمل أزمة الامتحان ..وكذلك جو الاستنفار في المنزل وقلق الأهل الواضح وتضخيمهم للمخاطر المرتبطة بالامتحان والحديث عنه طول الوقت . مما يتطلب مراجعة الأهل لأساليبهم وتعديل الأفكار الخاطئة المقلقة والمخيفة وتبني أفكاراً صحية وعملية وواقعية .. وأن يأخذ الطالب بأسباب النجاح من حيث بذل الجهد في الحفظ والاستذكار والدراسة وبشكل مناسب دون إفراط أو تفريط.
 كما أن طبيعة الامتحان نفسه وتفاصيله لها دور واضح في زيادة الضغوط ونسبة القلق والخوف والتوتر ..والاختبارات الحاسمة والتي تحدد مستقبل الطالب المهني والحياتي مثل امتحان الثانوية العامة ترتبط بكمية أكبر من القلق .. وكلما زاد الغموض والعشوائية المرتبطة بالامتحان ونتائجه وكيفيته وتفاصيله كلما كان القلق أشد ..مما يطرح أهمية القيام بالتدريب والتعرف على الامتحان وأسلوبه وأسئلته بشكل كاف وصحيح، وأيضاً يطرح أهمية التواصل بين الهيئات المسؤولة عن إعداد الامتحانات وتحضيرها وإجرائها، وبين الطلبة . والامتحان ليس حلبة صراع مستحيل ضحيته الطالب المعذب العاجز.. حين يؤكد الامتحان على جهله ونقصه وضعفه ، بل هو مقياس منطقي للتحصيل والمعرفة المفيدة والتقييم الدراسي والذي يهدف إلى إعطاء كل ذي حق حقه. ولابد من تطوير الامتحانات باستمرار وتعديل ضغوطها بما يتناسب مع الحاجات الواقعية والتطورية للمجتمع وأجياله .. ومع الصحة النفسية للجميع.
وأخيراً ..لابد من التأكيد على ضرورة الاهتمام بجيل الطلبة في مختلف أعمارهم .. من خلال تخفيف الضغوط عليهم وتقديم العون اللازم لهم النفسي والعملي والواقعي، وتوفير الفرص المناسبة لمستقبلهم الدراسي والمهني لمختلف مستوياتهم، وإعدادهم بشكل متوازن لمواجهة مراحل الحياة المختلفة بقوة وعزم وصبر وجد ومثابرة .. ولابد من التأكيد على ضرورة التعرف على خبرات الحياة المتنوعة والمواقف الصعبة و"الاستفادة من الفشل " في حال الرسوب أو الحصول على درجات متدنية في الامتحانات ، واعتبار ذلك فرصة حقيقة للتطور والتقدم والمراجعة لتنمية القدرات وتعديل الأخطاء والمضي نحو الأفضل دائماً.

لماذا نفضل مصطلح الطب النفسي وليس الطب العقلي؟

لماذا نفضل مصطلح الطب النفسي وليس الطب العقلي؟
الدكتور حسان المالح
مما لاشك فيه أن استعمال مصطلح معين يحمل معه معان ودلالات خاصة لها تأثيراتها وأبعادها المتنوعة .. وينطبق ذلك على كل المجالات التي تستعمل فيها مصطلحات لغوية . وفي الطب النفسي اليوم نفضل في بلادنا العربية عدم استعمال مصطلح الطب العقلي ، أو المرض العقلي ، أو الصحة العقلية .. وبدلاً عنها نستعمل الطب النفسي والاضطراب النفسي والصحة النفسية ..
 ويعود ذلك إلى عدة أمور:
- حدثت تطورات هامة خلال النصف الأخير من القرن الماضي في ميدان الطب النفسي مما أدى إلى تأكيد استقلال هذا الفرع من فروع الطب وترسيخ وجوده منفصلاً أكثر عن طب الأعصاب أو طب الأمراض العصبية المرتبط أساساً بأمراض الدماغ مثل الصرع والخرف والجلطات الدماغية و النزف الدماغي وتلف الدماغ وغير ذلك .. وهذا الاستقلال نشأ تدريجياً في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ولايزال التداخل والخلط بين المصطلحات والمصطلحات المرتبطة بها شائعاً حتى في الدول المتقدمة .. لكن دون تأثيرات سلبية واضحة وبشكل متفاوت بين تلك الدول . حيث يستعمل مصطلح الطب النفسي (Psychiatry) كميدان علاجي طبي وهو يعني حرفياً (النفس  =Psych ، طب أو مداواة = iatry) مداواة النفس أو طب النفس ، كما يستعمل مصطلح الاضطراب العقلي(Mental Disorder) في تصنيف الأمراض الطبية وغير ذلك ، ومصطلح الصحة العقلية (Mental Health) في عدد من المجالات . ويبدو أن التطور الاجتماعي والثقافي وتطور العلوم النفسية العامة في تلك الدول ، وتوسع ميدان الطب النفسي  والعلوم المرتبطة به لتشمل مختلف نواحي الحياة المعاصرة .. كل ذلك إضافة إلى المفاهيم الواقعية المتطورة المتعلقة بماهية الاضطراب النفسي ( النظرة العضوية - النفسية - الاجتماعية )، وحقوق المريض ، وتطور الخدمات المتوفرة العلاجية  والداعمة ، قد ساهم بتخفيف الوصمة السلبية المرتبطة بالمرض العقلي أو النفسي ، وأصبح المرض النفسي أكثر فهماً وأكثر قبولاً من قبل المجتمع والأسرة والقانون والطب والإعلام والفن والأدب . وأصبح الذهاب إلى الطبيب النفسي أو المعالج النفسي أمراً عادياً ويومياً ..
- يرتبط مصطلح المرض العقلي في اللغة العربية باضطراب العقل أو زواله .. والجنون هو فقدان العقل ويترتب عليه زوال التكاليف الدينية والقانونية ، كما يترتب عليه نتائج سلبية أسرية واجتماعية متنوعة . والمصطلح يشير بذاته إلى حالة غياب للمنطق والقدرات العقلية غياباً كاملاً ونهائياً .. وهو مصطلح وصفي لايقبل النسبية .. وهذا التوصيف لايطابق حقيقة بعض الأمراض النفسية الشديدة حيث تحدث تغيرات عقلية وغياب للمنطق محدد وليس شاملاً أو دائماً ..
ولايوجد في الطب النفسي حالة غياب كامل للعقل إلا في حالات محددة مثل التهاب الدماغ الحاد أو التسمم الحاد بمواد كيميائية أو غيرها من الأسباب العضوية التي تؤثر على عمل الدماغ ووظائفه بشكل واضح وتسمى حالات اختلاط الذهن الحادة ..وبعضها يشفى إذا تلقى العلاج اللازم وبعضها يؤدي إلى الوفاة وبعضها يؤدي إلى آثار نفسية وعقلية وعصبية طويلة الأمد.
وأما الزوال الكامل للملكات العقلية وبشكل دائم فهو يحدث في حالات الخرف المتقدمة حيث تتدهور المهارات العقلية بالتدريج لتصل بالإنسان إلى حالة خاصة من تلف الدماغ وضموره ومن ثم إلى الوفاة.
وفي حالات التخلف العقلي الشديدة والتي تشكل نسبة صغيرة من حالات نقص الذكاء وبطء التعلم عند الأطفال ، يمكننا القول أن هناك فقداناً كاملاً أو شبه كامل للعقل والقدرات العقلية يحدث بشكل مبكر في الحياة ويترافق مع عدد من الأعراض المرضية الأخرى الجسمية والعصبية وهو يدل على تلف واضح ومبكر في الدماغ  ويمكن أن يترافق مع الموت المبكر.
ومن خلال ماسبق نجد أن حالات زوال العقل بشكل كامل هي حالات قليلة .. ومن الخطأ إطلاق مصطلح الجنون على جميع الحالات النفسية التي لايحدث فيها زوال كامل للعقل ..
والحقيقة أن عدد التشخيصات المرضية في الطب النفسي المعاصر تصل إلى مئة وخمسين تشخيصاً .. وهي تتنوع من القلق والمخاوف المرضية والوساوس القهرية والأعراض الجسمية النفسية واضطرابات التكيف إلى الاكتئاب بدرجاته المختلفة واضطرابات الشخصية والاضطرابات الجنسية واضطرابات الطعام وغيرها .. كما يتدخل الطب النفسي في مشكلات الزواج والطلاق وفي الاستشارات والمشكلات المهنية والاجتماعية المختلفة.
وهذه الاضطرابات تشكل في نسب انتشارها أكثر من 80 بالمئة من الحالات النفسية المنتشرة في المجتمع وهي تعتبر حالات غير عقلية حيث لاتترافق مع أعراض الذهان مثل الهلوسة والهذيان وتفكك المنطق وغير ذلك .. وأما الاضطرابات النفسية الشديدة والتي ترافقها أعراض ذهانية وعقلية مثل الفصام والهوس (الاضطراب المزاجي ثنائي القطب) والزور (الاضطراب الهذياني) والاضطراب الذهاني الحاد المؤقت وبعض الحالات الإدمانية وغيرها .. فهي يمكن وصفها بأنها عقلية أو نفسية شديدة ، ولكنها في الوقت الحاضر أصبحت قابلة للعلاج والتحسن ولها علاجات فعالة مفيدة ، وبعضها يشفى، وبعضها يشفى لفترة ثم تنتكس الحالة، وبعضها الآخر مزمن ومعطل. وهذه الاضطربات أصبحت مفهومة أكثر من النواحي الكيميائية والعلاجية وهي لاتبتعد كثيراً عن الأمراض الطبية الأخرى مثل أمراض الغدد والسكري والتهاب المفاصل الرثوي وغيره .. وهذه النظرة المتوازنة إلى هذه الاضطرابات الشديدة يمكن لها أن تعدل من النظرات السلبية الكثيرة والأوهام المرتبطة بها.
- إن مصطلح نفس ونفسي أصبح أكثر قبولاً واستعمالاً في مجتمعاتنا ولغتنا اليومية .. وكذلك مصطلح الاكتئاب والقلق .. وفي ذلك تطور إيجابي مقبول وخطوة نحو الأمام واقعية وعملية تنحو نحو تقبل الاضطراب النفسي والنظر إليه بشكل عملي ومنطقي وطبي ومن ثم السعي إلى دراسته وتفهمه وعلاجه ..ويعود ذلك إلى التطور العام الذي شهدته مجتمعاتنا ، وإلى جهود متراكمة من قبل الاختصاصيين، وإلى وسائل الإعلام المختلفة ، وأيضاً إلى ازدياد عدد العاملين في المهن النفسية والعلاجية وتطور الخدمات النفسية بشكل عام ..
- ارتبط الجنون تاريخياً بأنه غير قابل للعلاج ولاشفاء له .. وارتبط أيضاً بالسلوك الشاذ والغريب وغير الأخلاقي ، وأيضاً بالعنف . كما ارتبط بدخول الجني إلى الأنسي أو بدخول الأرواح الشريرة ، أو بتأثير العين والحسد وغيرها من الغيبيات ومن ثم ارتبط بعلاجات مثل الضرب والتعذيب والكي واستعمال البخور والتمائم وأساليب علاجية عجائبية شعبية وفيها مفاهيم خاطئة وبعيدة عن جوهر الدين . وفي الوقت الحالي ارتبطت الأمراض النفسية بشكل خاطئ بالبعد عن التدين وضعف الوازع الديني حيث لجأ بعض المتحمسين إلى اعتبار الدين وطقوسه علاجاً من جميع الأمراض الاجتماعية والنفسية وحتى الطبية؟ وفي ذلك نظرة خاطئة إلى جوهر التدين ووظيفته. ومما لاشك فيه أن التدين ( من حيث الإيمان والشعائر التعبدية ) يمكن له أن يخفف من القلق ومن أعراض الاكتئاب واليأس والقنوط ومن الانتحار ومن السلوك الإدماني ومن الانحرافات الجنسية وغيرها .. ولكنه لايكفي في كثير من الحالات العيادية .. ولا بد من التأكيد أن العلاج الطبي لايتعارض مع الإيمان ومع الأخذ بالأسباب المعروفة للأمراض على أنواعها ومنها الاضطرابات النفسية .. وذلك في سبيل العلاج والتداوي . والدعاء والرقية سنة مفيدة تدعم العلاج الطبي ولاتعارضه أو تنفيه.
- يرتبط مصطلح الجنون ومجنون بما يمكن تسميته "الحملة الدعائية السلبية والهجومية" على كل مايوصف به . وهو ليس مصطلحاً محايداً في اللغة العربية (وكذلك في الإنكليزية Insane - Insanity ولم يعد يستعمل في لغة الطب النفسي) ولذلك فهو لايصلح لوصف طبي أو مرضي في العصر الحديث.. وكذلك مصطلح عقلي أو مرض العقل أو الطب العقلي .. على اعتبار أن العقل نقيضه الجنون.
- يرتبط مصطلح الأمراض العقلية أو المرض العقلي بكثير من المعاني السلبية التي يمكن أن تحملها هذه المصطلحات في ثقافتنا المعاصرة .. وليس سهلاً تحديد أسباب ذلك أو إحصاء جميع الأسباب الممكنة التاريخية وغيرها والتي أدت أو تؤدي إلى هذه الحال .. والكلمة بذاتها توحي بالخوف والرعب والنفور وغير ذلك من المعاني السلبية .. وهناك عديد من المصطلحات المستخدمة في الميدان الطبي لها مثل هذه المعاني السلبية غير الحيادية وهي شائعة ولاتزال تستخدم في الوقت الحاضر ولكنها غير مناسبة .. مثل مرض الصرع والسرطان والذئبة الحمامية وغيرها .. وهناك دعوات مستمرة لتعديل مصطلح معين وتغييره (في مختلف دول العالم) بما لايؤثر سلبياً على حياة المريض المصاب أو على من حوله من أهل أو أصدقاء، أو على من يقوم بتشخيصه وعلاجه من أشخاص ومؤسسات.
- وأخيراً .. يمكننا القول من خلال ماسبق أن مصطلح الطب النفسي في الوقت الحالي يمكن اعتباره مقبولاً ومفيداً ولايحمل في ثناياه معان سلبية أو دعائية غير مقبولة .. وهو بديل موفق عن مصطلح الطب العقلي أو الطب العصبي .. ولابد من الجهود المستمرة من قبل الاختصاصيين أنفسهم والمؤسسات التعليمية الطبية والتربوية والإعلامية ، والتي تهدف إلى ترسيخ المفهوم الإيجابي والفعال والمفيد لكل مايتعلق بقضايا الطب النفسي كي يستطيع هذا الميدان الطبي أن يقوم بدوره المناسب في خدمة المجتمع والفرد دون عوائق ونظرات سلبية ومخاوف لاتتناسب مع هذا الميدان الحيوي الهام والذي يمكن له أن يتدخل إيجابياً في جميع شؤون حياتنا المعاصرة.

   
           

الإبداع والاضطراب النفسي: Creativity and Psychopathology راكيل فريدمان Rachel Friedman (مراجعة Review)

الإبداع والاضطراب النفسي:
     Creativity  and Psychopathology                                                                                   راكيل فريدمان Rachel Friedman مراجعة Review) )                                                                                                                                                                                   The Harvard Brain. Volume 7  Spring 2000
ترجمة وإعداد الدكتور حسان المالح


 " بالنسبة لي الجنون هو عقلانية متفوقة .. الطبيعي هو الذهاني .. الطبيعي يعني غياب التخيل وغياب الإبداع "
جان دوبفيه ( 1901- 1985 ) رسام فرنسي ونحات وفني صور في مجلة نيويوركر 16/6/1973
الإبداع والاضطراب النفسي .. مقدمة:
مالذي يجمع بين فينسنت فان كوخ وتشايكوفسكي وبيكاسو ورخمانينوف ؟  إضافة لكونهم يشتركون في الشهرة التاريخية كموسيقيين أو كفنانين تشكيليين .. فإن هؤلاء الرجال الأربعة يشتركون في خاصية متميزة  يمكن وصفها  بالإبداع المتميز وبالاضطراب النفسي الشديد معاً ( Post,1994 ) .
ولكنهم ليسوا وحدهم في تلك الخاصية .. كتبت جاميسون في مقدمة دراستها حول هذا الموضوع " إن التطرف في المزاج وفي الأفكار وفي السلوك بما في ذلك الحالات الذهانية قد ارتبط بالإبداع الفني منذ القدم ومنذ أن كتب الإنسان أو لاحظ هؤلاء الأشخاص الذين يكتبون أو يرسمون أو ينحتون أو يؤلفون الموسيقا " ( 1989 ).
والحقيقة أن غوغان وكوليه وتولستوي وشارلوت برونتي وكافكا هم أمثلة قليلة من شخصيات أخرى لا تعد من مشاهير الفنانين الذين عانوا من اضطرابات نفسية موثقة تاريخياً ( Post,1994 ) .
إن ذلك كاف لأن يجعل المرء يتساءل : ما هي الآليات الفيزيولوجية أو النفسية التي تشكل مصدراً للإبداع ؟ وهل هذا الارتفاع الظاهري في نسبة اضطرابات المزاج وغيرها من الاضطرابات النفسية لدى هؤلاء المبدعين العباقرة محض مصادفة ؟ أم أن هناك ارتباطات ضمنية أو حتى علاقات سببية بين الموضوعين كما حاولت عدة  دراسات أن تبرهن ؟
مساران للبحث أفضل من مسار واحد:
في أبحاثي حول الموضوع وجدت ما يبدو أنه مقاربتان تجريبيتان مختلفتان لموضوع الإبداع والاضطراب النفسي  . المقاربة الأولى التي استعملها جاميسون وبوست (Jamison ,Post) وهي تستعمل معايير التشخيص الحديثة لتشخيص الاضطراب النفسي عند الفنانين وغيرهم من المبدعين المتميزين . والمقاربة الثانية تستعمل وسائل أقل دقة من الأولى .. والنتيجة هي  تأكيد الفكرة النمطية عن " العبقري المجنون " من خلال إظهار ارتباطات إحصائية عالية بين الإبداع واضطرابات المزاج ، إضافة لطرح قضايا أخلاقية هامة حول دلالات التشخيص وحول العلاج الدوائي للاضطرابات المزاجية عند هؤلاء المبدعين . وعلى الرغم من النتائج المقنعة فإن كلتا المقاربتين غير كافييتين في إثبات العلاقة السببية بين الإبداع والاضطراب النفسي أو بإعطاء تبصر علمي جازم حول مصدر الإبداع في الدماغ وكيف يتطور لدى الإنسان .
ولذا فإنني سأفحص فيما يلي  مساراً جديداً نسبياً في البحث حول الفكرة الآسرة المتعلقة بارتباط " المرض النفسي " أو " اللا طبيعية " مع الإبداع.
شكراً للتقدم الذي حدث مؤخراً في ميدان تقنيات التصوير العصبي الدماغي ..والذي أدى إلى تشخيص أكثر دقة للمرض النفسي في الأشخاص الأحياء. فقد اكتشف أطباء العصبية نسبة قليلة من الناس ولديهم تميز خاص، وقد فتح ذلك الباب أمام مجموعة من الاستقصاءات حول الارتباطات الفيزيولوجية بين الفن البصري وبين تلف الدماغ. وهذا يناقض تماماً الأشخاص المصابين بداء ألزهايمر، والذين لديهم تدهور واضح في كل المهارات الفنية التي اكتسبوها من قبل ( Cummings & Zarit ,1987 ) ، ميللر ( Miller  ) وهو الرائد في هذا المجال الجديد نشر عدة مقالات حول الظهور الفعلي لمواهب فنية عند أشخاص لم يكن لهم أي تميز ولم يكونوا فنانين . وكما سأناقش من خلال مراجعتي لأبحاثه ، فإن الحالات الخمسة التي قدمها جميعها وجد لديها من خلال التصوير الدماغي بتقنية SPECT ، شكلاً  من الخرف تم وصفه وتحديده مؤخراً، يعرف باسم الخرف الجبهي الصدغي  ( FrontoTemporal Dementia,FTD ) . وبعد مناقشة مختصرة لصعوبة تعريف وتحديد الإبداع على أنه ينشأ من جزء محدد أو من وظيفة من الدماغ سوف أقدم الموجودات التي وجدها ميللر وسأختم بطرح احتمالات قضايا فلسفية وأخلاقية يثيرها الموضوع.
الارتباط بين الإبداع والجنون هل هو مصادفة فقط ؟
في العشرين سنة الأخيرة تم تكديس كميات متزايدة من الأبحاث الطبية ذات الدعم النقدي والتي تقدم دليلاً على وجود رابط بين الإبداع وبين الاستعداد للاضطرابات المزاجية ( Hare.1987:Jamison.1993;Post,1994 ) . وعلى الرغم من صعوبة تصنيف وقياس صفة غائمة مثل الإبداع ، فإن هذه الدراسات تمثل هزة أرضية لما فيها من استقصاءات منهجية للموضوع . وفي دراسة Post  تم اختيار 291 من الشخصيات العالمية المتوفين والذين اختيروا على أنهم مثال للأشخاص المبدعين ، وكل واحد منهم تم تصنيفه ضمن ستة فئات : علمي ، مؤلف موسيقي ، سياسي ، فنان ، مفكر ، أو كاتب . وقد اختير الأشخاص وفقاً  لتوفر ونوعية ومصداقية المعلومات المناسبة عن حياتهم وعن صفاتهم الشخصية ( معلومات موضوعية وليس سيرة ذاتية شخصية ) Post ,1994)  ) . ومن ثم فإن المعلومات المستخلصة عنهم تم تحويلها إلى تشخيص نفسي عندما يكون ذلك مناسباً ، مستخدماً الدليل الأمريكي لتشخيص الاضطرابات النفسية المتوفر في حينه(DSM-III-R American Psychiatric Association ) .
وقد أوحت نتائج هذه الجهود الكبيرة أن هناك اضطرابات نفسية أكثر انتشاراً في الفئات الإبداعية مثل الفنانين والكتاب مقارنة مع العلماء أو المثقفين الأقل إبداعاً. وقد ختم Post  بأن هناك صفات مرضية في الشخصية مرتبطة سببياً مع بعض أنواع الإبداع القيم ( 994 ).
وأنا أوافق على أن هذه الدراسة قد طرحت نقاطاً ممتازة في مناقشة الآراء الفلسفية المتباينة حول ما إذا كان الإبداع والعبقرية يعتبر في النهاية معياراً على التعبير الإنساني الأرفع ، أو أنه بشكل معاكس يعتبر فقط  دليل على اللا طبيعية ، فإن ارتفاع معدلات هذه الصفات المزدوجة المشتركة لا يدل بالضرورة على ارتباط سببي . وفي الحقيقة فإن نسبة أعلى  في أشخاص العينة المدروسة كانوا من البروتستانت ، ولا يعني ذلك أن هناك علاقة سببية بين الإبداع والبروتستانتية.
الإبداع والليثيوم: لا يتوافقان معاً
بينما كانت جاميسون Jamison تقوم ببحث يشبه مشروع بوست من حيث الأسلوب ، فإنها قدمت مناقشة أكثر منطقية في عدة أمور ، لأنها كانت تحاول أن تجيب على سؤال أكثر تحديداً وأكثر قابلية للقياس الكمي .
فقد قفزت فوق حدود البذرة التي زرعها DeLang  و Aldershof وهما اللذان وجدا أن هناك انتشاراً عالياً وبشكل غير عادي في المهارات الخاصة مثل الموهبة الفنية ، في عينة من الأطفال المصابين باضطراب الهوس الاكتئابي ( 1993 ) . فقد خططت جاميسون دراستها  لتختبر النظرية التي تقول أن التطرف في المزاج أو التفكير أو السلوك مرتبط بالتحديد بالإبداع الفني ( 1989 ) . وقد وصلت إلى ذلك من خلال دراسة معدلات العلاج من الاضطرابات المزاجية في عينة من عمالقة الكتاب والفنانين البريطانيين ، ودرست الاختلافات في حال وجودها بين فئات المجموعة نفسها من حيث نوعية المهنة ( شعراء ، كتّاب الرواية ، كتّاب مسرحيين ، كتّاب السيرة الذاتية ، والفنانين ).
وقد تضمنت النتائج وجود نسب انتشار أعلى من القصص المرضية للنوبات الدورية للاضطراب المزاجي الشديد  عند الفنانين والكتاب ، مقارنة مع نسب الانتشار عند عموم الناس . وعملياً فإن جميع الحالات المدروسة قد أوضحت أن لديهم نوبات مكثفة ومنتجة وإبداعية . وأن 90 بالمئة منهم أوضحوا أيضاً أن هذه الفترات المزاجية والمشاعر كانت جزءاً ضرورياً أو على الأقل هاماً ، في تطويرهم وتنفيذهم لعملهم ( 1989 ) . إضافة إلى ذلك لاحظت جاميسون " أن كتّاب السيرة الذاتية والذين وفروا عينة مقارنة بكونهم متميزين ولكن ربما أقل إبداعاً ، أنه لم يكن لديهم نوبات من التقلبات الدورية للمزاج أو نوبات من زيادة المزاج " ( 1989 ).
القضايا:
ناقشت جاميسون أيضاً بعض ما يترتب على بحثها من قضايا نظرية وعيادية وأدبية واجتماعية أخلاقية . وقد وضعت بعين الاعتبار مسائل مثل فهم العمليات العقلية والإدراكية والمزاجية وتغيرات السلوك والتي تشترك فيها حالات الهوس والاكتئاب والحالات الإبداعية . وأيضاً الإمكانيات الممكنة لتخفيف الوصمة السلبية المرتبطة بالمرض النفسي ، وتأثيرات العلاجات النفسية ( مثلاً : دواء الليثيوم ) على الإبداع ، والتحفظات المثارة حول الأبحاث الوراثية على اضطرابات المزاج ( Jamison,1989 ) .
وهكذا وعلى الرغم من أنها لا تقدم نتائج علمية قطعية حول العلاقة السببية بين الإبداع والاضطراب النفسي ، إلا أن بحثها فتح الحوار حول هذه القضايا والمسائل الهامة المترتبة عليه.
وقد أثار كميينغس وزاريت ( Cummings & Zarit ) مسائل هامة مشابهة في مقالتهما حول " احتمال مرض ألزهايمر عند فنان " (1987)" Probable Alzheimer Disease in an Artist " . حيث قدما حالة رسام وعمره 75 عاماً تدهورت مهاراته الفنية بشكل واضح خلال عامين ونصف من التقييم المبدئي لسلوكه والتقييم العصبي النفسي الذي خضع له  بسبب احتمال مرض ألزهايمر عنده . ومن خلال مراقبة تأثير الأذى الدماغي على التدهور الواضح للإبداع الفني ، طرح المؤلفان نظرية حول طبيعة الموهبة الفنية و اعتبراها صفة فطرية تعكس فرادة منظومة التكوين التشريحي – الوظيفي لدماغ الفنان . و يتضمن ذلك أن الإبداع ظاهرة لا يمكن تربيتها أو تنميتها إرادياً وأنها على العكس فهي فقط نتيجة فيزيولوجية لبنية عصبية معينة .وقد جاءت معارضة مثيرة لهذه القصة من خلال الاستجابات لتلك المقالة . ومن الواضح أن أعداداً كبيرة من النقاد الفنيين رأوا إبداعات خاصة في سلسلة اللوحات التي رسمها الفنان المريض والتي اعتبرها كميينغس وزاريت دليلاً على التدهور الواضح والمثير لمهاراته الفنية والإبداعية، ولم يوافقوا على ذلك الوصف وانتقدوه بعنف. وفي رسالة لكاتب يجادل فيها بأن اللوحة الثانية في سلسلة اللوحات والتي تم رسمها بعد سبع سنين من بدء ظهور مرض ألزهايمر على الفنان أنها " لوحة مذهلة " " و" أنها عمل عبقري يذكر بأهم لوحات فان كوخ " مجلة الجمعية الطبية الأمريكية 1988 ( JAMA ). ومثل رد الفعل هذا يوضح الطبيعة الذاتية في مسألة  تقييم الإبداع ، كما أنه يذكرنا بالطبيعة المعقدة والغامضة غالباً ، لهذه الجوانب من  التفكير والسلوك الإنساني.
النظر إلى الخرف:
أثارت الدراسات الثلاثة السابقة أسئلة مثيرة للاهتمام وأثارت أيضاً احتمال وجود علاقة بين الاضطراب النفسي وبين الإبداع بما فيه السؤال المحدد حول تعريف الاضطراب وتحديده ، ولكن جمعت الأدلة فيها كلها باتجاه واحد فقط .. أي أن الباحثين حددوا أشخاص مبدعين مشهود لهم ، ثم بحثوا عن انتشار الاضطراب النفسي فيهم . وفي دراسة حالة الرجل المصاب بمرض ألزهايمر تم الربط بين تغيرات عصبية خاصة وبين الإبداع فقط لأن مهارات المريض الفنية ضعفت ( وهذا مشكوك فيه ) بالترافق مع التغيرات الدماغية القشرية التي تميز المرض . ولكن رسالة القارئ توحي بأن المريض ربما حدثت لديه زيادة في الإبداعية على الرغم من أن مهاراته الفنية الموضوعية قد تناقصت . وقد يبدو كل ذلك مثيراً للسخرية للوهلة الأولى ولكن كما سنرى لاحقاً فإن هناك دلائل متزايدة على أن بعض الحالات من " خرف غير ألزهايمر " والتي تسمى النوع الصدغي من الخرف الجبهي الصدغي FTD  والتي ترتبط تسميتها بمناطق الدماغ المصابة ، يمكن فيها أن يحدث إثارة للإبداعية والمهارات الفنية البصرية في بعض الأشخاص . وفي واحد من التقارير الأساسية الحديثة تم حدوث إبداعية تلقائية في إطار حالة الخرف ، وقد قدم ميللر Miller ( 1988 ) تفاصيل عن القصص المرضية لعدة حالات ( أربعة ) اكتسبت مهارات إبداعية جديدة أثناء تشخيصها كحالات خرف جبهي صدغي بالتحديد.
الخرف الجبهي الصدغي: جبهة الإبداع الجديدة
إن الخرف الجبهي الصدغي أو اختصاراً FTD هو تشخيص يستعمل لوصف حالات أفراد لديهم انحلال قشري دماغي محدد ( مثلاً ضمور أو انتفاخ خلايا في مناطق محددة أو فصوص من قشر الدماغ ).ويشبه في طبيعته مرض ألزهايمر. ولكنه يفرق عنه تشريحياً وكيميائياً في نقطتين : في مرض ألزهايمر الضمور المبكر في أجسام الخلية وفي الفصوص القشرية يحدث في الجهات القفوية  الجدارية وفي المناطق الأنسية الصدغية من الدماغ ، بينما في الخرف الجبهي الصدغي تحدث التغيرات بشكل محدد في المناطق الجبهية والصدغية . وثانياً فإن الانحلال في الخرف الجبهي الصدغي ينحو لأن يكون غير متناظراً مقارنة مع مرض ألزهايمر والذي يكون متعمماً أكثر .
ولابد من الملاحظة أن هذه التفريقات في المرضى الأحياء أصبحت ممكنة بفضل  ) SPECTالتصوير الطبقي الكمبيوتري لبث الفوتون المفرد). حيث يعطى المريض دواء مشعاً ( بروتين أو جزيئات عضوية مرتبطة بجزيئات مشعة ) تم اختياره وفقاً لخواصه الامتصاصيية من الدماغ . والدماغ السليم والذي تعمل خلاياه بشكل طبيعي ، يمتص كمية محددة من هذه المادة المشعة ، ويظهر ذلك في الصورة على شكل منطقة نيرة .والمناطق النيرة أو العاتمة بشكل غير طبيعي في الصورة تدل على خلل استقلابي في وظيفة الخلايا ومن الممكن أن يدل على ضمور فيها أو موتها.
وقد استعمل ميللر SPECT في تقريره لتشخيص خمسة حالات على أنها تعاني من الخرف الجبهي الصدغي . وفي الحقيقة كانت أربع حالات من خمسة لديها تشخيص الشكل الصدغي من الخرف الجبهي الصدغي ، حيث كانت المناطق الأمامية من الفص الصدغي(وهي المسؤولة عن اللغة والمهارات الاجتماعية) مصابة بالضمور ، بينما كانت المناطق الجبهية الظهرية الوحشية ( dorsolateral frontal ) (وهي المسؤولة عن المهارات البصرية) محافظ عليها بشكل كبير. وكما افترض ميللر فإن هذا الفقدان الانتقائي الفريد في وظيفة المنطقة الأمامية من الفص الصدغي يمكن أن يكون له تأثيراً سببياً على الظهور المفاجئ للمهارات الفنية.
تفاصيل عن المرضى:
بعكس المريض المصاب بمرض ألزهايمر المذكور سابقاً والذي فقد مهارته الفنية والإبداعية ،  فإن مرضى ميللر طوروا مهارات لم تكن لديهم أبداً . ومثلاً المريض رقم 1 لم يكن لديه اهتمام سابق بالفن ولكنه بدأ يحضر دورات في الفن مع ظهور حالة الخرف عنده . وعلى الرغم من سلوكه الفاضح والمتهيج ( وهذا ما يميز مرضى الخرف الجبهي الصدغي أساساً ) فقد بدأ يرسم صوراً لأماكن يتذكرها بوضوح فائق (ميللر 1998) .والمريض رقم 2 أيضاً بدأ يحضر دروساً فنية بشكل مفاجئ ، وبعد مدة قصيرة أصبح ينزعج من المواقف الاجتماعية وأصبح فاقداً السيطرة على مصراته وصار كلامه فاضحاً . وربما كان المثال الصادم بقوة مريض وصف بأن لديه خرف جبهي صدغي وكان المريض الرابع في دراسة إدوارد – لي وآخرين (Edward-Lee et al ) على الشكل الصدغي للخرف الجبهي الصدغي (1997) . والمريض عمره 68 سنة عندما تم فحصه للمرة الأولى بسبب الخرف وهو متاجر بالأسهم متقاعد ، ولم يكن لديه اهتمام بالفن عندما بدأ يرسم من 13 سنة مضت ، وهذه الهواية انبثقت تلقائياً مع حالات وصفها المريض بأنها فترات "انفتاح " وفترات " إغلاق " . وخلال فترات الانفتاح كان الضياء والصوت يحدث مشاعر لذة في المريض مما سمح له بأن يفكر بطريقة إبداعية ( ميللر وآخرين 1998) . وخلال فترات الإغلاق كانت الأحاسيس الحسية الاعتيادية مزعجة  ومؤلمة للمريض ( إدواردز – لي وآخرين ) . وعلى الرغم من ازدياد السلوك الفاضح لديه مع تدهور في اللغة  والذاكرة استمر المريض برسم صور عاشها خلال مراحل الانفتاح والإغلاق .وأكثر من ذلك وكما وصف ميللر فإن دقته وتفاصيله قد تحسنت خلال مسار مرضه ، وقد ربح عدة جوائز في معارض فنية ( 1998 ).
خاتمة:
لاحظ غولدمان راكيك أن العمليات البصرية المكانية التي تتدخل في نشاطات مثل الرسم والتلوين من الذاكرة تعتمد على التلفيف الظهري الوحشي ماقبل الجبهي ( dorsolateral prefrontal convexity  ) . وكما وصف ميللر فإن هذه المنطقة هي المنطقة الأساسية من الدماغ التي لم يمسها الضرر في جميع الحالات الخمسة المصابة بالخرف الجبهي الصدغي ، وكانت كل المهارات الجديدة التي تطورت لديهم بصرية ولم تكن لفظية أبداً . وقد افترض ميللر آلية ممكنة لهذه الظاهرة التي لاحظها وسماها التسهيل الوظيفي المعاكس ( paradoxical functional facilitation  ) .وافتراضياً فإن فقدان المهارات الاجتماعية وظهور السلوك الفاضح ربما لم يكن مصادفة أن يكون ضمن أعراض الخرف الجبهي الصدغي ، ووفقاً لمييلر: فإن الانحلال الانتقائي للقشر الأمامي الصدغي والبصري الجبهي ( والذي يعتقد أنه مرتبط بالمهارات الاجتماعية ) يقلل من ضبط المنظومات البصرية الواقعة خلفها والتي تتدخل بالإدراك ، وبالتالي فهي تزيد وتحسن من الاهتمامات والمهارات الفنية للمرضى (1998).
يمكن للخرف الجبهي الصدغي أن يعطي بعض التبصر حول الأساس الفيزيولوجي للعملية الإبداعية . ولابد من القول بأن جميع الدراسات المذكورة هنا لا تقدم القول الفصل حول الموضوع . والتصوير بواسطة SPECT لم يتم تطويره بعد ليحدد فعلياً " مركز الإبداع " في الدماغ ، على الرغم من أنه قد أثبت أنه نافذة متميزة للتعرف على وظائف الدماغ . ويمكن النظر إلى هذه الملاحظات وعينات المرضى المدروسين على أنها خطوات أولى في البحث العضوي عن " لغز الإبداع " . ويمكن لها أن تثير مناقشات حول العلاقة بين الإبداع والاضطراب النفسي من أنواع أخرى ، وأيضاً حول الإبداع والمهارة الفنية . وهذان المصطلحان تم استعمالهما في هذه المراجعة بشكل متبادل ولكن في الحقيقة لا ندري إذا كانا شيئاً واحداً .. إضافة لذلك يمكن لهذه المناقشة أن تتضمن تخمينات حول الأسس التطورية للإبداع.
 وأخيراً يمكن لنا أن نعالج مسألة الاضطراب النفسي كموضوع غير طبيعي من خلال تعديل الوصمات السلبية الاجتماعية وإمكانيات وسائل تحسين الجنس البشري المتعلقة بالمصابين بالمرض النفسي .. ويمكن لكل ذلك أن يتغير إذا تم التأكيد في المستقبل على أن الإبداع والاضطراب النفسي مرتبطان تماماً.
References
Cummings,J.L.&Zarit J.M. ( 1987 )Probable Alzheimer Disease in an artist.
Journal of the American Medical Association,258,2731-4.
Edward-Lee,T.,Miller,B.L.,Benson,D.F.,Cummings,J.L.Russell,G.L.,Boone,K.,&Mena,I.(1997).The temporal variant of frontotemporal dementia.
Brain,120,1027-40.
Goldman-Rakic,P.S.(1996)Regional and cellular fractionation of working memory.
Proceedings of the National Academy of Science,93,13473-13480 .
Jamison,K.R.(1989) Mood disorders and patterns of creativity in British writers and artists.
Psychiatry,52,125-34 .
Kennes,M.(1995) Creativity and Psychopathology.
Lancet,345,138-9.
Miller,B.L.,Cummings,J.L.,Mishkin,F.,Boone,K.,Prince,F.,Ponton,M.,&Cotman,C.(1998). Emergence of artistic talent in frontotemporal dementia.
Neurology,51,978-82.
Miller,B.L.,Ponton M.,Benson D.F.,Cummings J.L.,&Mena I.(1996).Enhanced artistic creativity with temporal lobe degeneration. Lancet,348,1744-5.
Post,F.(1994).Creativity and psychopathology: A study of 291 world-famous men.
British Journal of Psychiatry,165,22-4.
Stokes,P.(1994). Creativity and psychopathology.
British Journal of psychiatry,165,555-6.