بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 17 مايو 2018

الشخصية الطبيعية والشخصية المرضية واختبارات الشخصية الحديثة:

الشخصية الطبيعية والشخصية المرضية واختبارات الشخصية الحديثة:
د. حسان المالح
مقدمة:
إن محاولة فهم الشخصية الإنسانية ووصفها وتصنيفها إلى فئات وأنماط مختلفة له تاريخ بعيد في ميدان علم النفس .. وهو موضوع مثير وشيق لأنه يفتح لنا باباً لفهم ماهو ضروري ومفيد عن أنفسنا وعن الآخرين.
وإذا كان وصف وتصنيف الشخصية دقيقاً وصحيحاً فإنه من الممكن التعرف على الشخص بسرعة أكبر وعلى إمكانياته وأيضاً توقع سلوكه وما يمكن أن يقوم به.
وقد صنف أبقراط اليوناني  (Hippocrates) (حوالي 400 ق.م  وهو يعتبر أبو الطب تاريخياً) الشخصيات إلى أربعة أنماط  وهي الشخصية الدموية: حيوية ونشيطة واجتماعية، والشخصية السوداوية: دقيقة ومتشائمة وحزينة، والشخصية الصفراوية: عصبية ومتقلبة المزاج وقيادية، والشخصية البلغمية: هادئة وعميقة ومتبلدة.
وهذا التصنيف وفقاً لأخلاط (سوائل) الجسم الأساسية المسيطرة في جسم الشخصية .. وبالطبع هذا التقسيم غير دقيق وخرافي بالنسبة للنظريات الحديثة ولكنها محاولة لفهم وتصنيف الشخصيات لها أهميتها التاريخية.
وفي العصر الحديث قام عالم النفس شيلدون ( حوالي 1940) بتقسيم الشخصيات إلى 3 أنماط وفقاً لبنية الجسم الظاهرية وهي: البدين وهو بطيء ومرح واجتماعي، والعضلي وهو مسيطر ومغامر وعدواني، والنحيف وهو انطوائي وحساس وسري.
وبالطبع فإن هذه الصفات والملاحظات صحيحة ولكنها تنطبق على بعض الأشخاص فقط ولا يمكن تعميمها.
وهناك نظريات أخرى عديدة لفهم وتصنيف الشخصية ومنها نظرية فرويد وبنية الأنا والأنا العليا والهو، ونظريات سلوكية ومعرفية لفهم الشخصية مثل نظريات العلماء ثورنديك وسكينر وباندورا، ونظريات إنسانية مثل نظريات العلماء ماسلو وروجرز، وغيرها من النظريات.
العوامل الخمسة الأساسية في الشخصية:
يبدو أن دراسة الشخصية وتصنيفها من خلال أساليبها وصفاتها المميزة لها هو الأسلوب الأوسع انتشاراً في الأوساط النفسية والعامة في القرن العشرين والوقت الحالي .. وقد بدأ ذلك مع علماء نفس مثل ألبورت وكاتل وأيزنك وصولاً إلى نظرية العوامل (الأبعاد) الخمسة الأساسية في الشخصية.
حيث طرح كوستا وماكري (Paul Costa & Robert Mcrae) مقياس العوامل الخمسة الأساسية للشخصية ((NEO-FFI-S عام 1992. ويعتمد هذا الاختبار (المقياس) على مبادئ إحصائية واجتماع عدد من الصفات معاً على "بعد" أو "محور- عامل" في الشخصية من صفر إلى 100 والصفات متناقضة على طرفي كل "بعد" مثل: السيطرة – الخضوع والانبساط – الانطوائية وهكذا ..
وقد تطورت هذه النظرية خلال سنوات قبل ذلك واعتمدت على من سبقها من علماء الصفات وأخذت منهم. كما أن هناك عدة تعديلات لهذا المقياس ونسخ مطولة أو مصغرة منه.
والمقياس المذكور يضم 60 سؤالاً أو عبارة تتم  الإجابة عنها بخمسة احتمالات: أوافق بشدة – أوافق – حيادي – لا أوافق بشدة – لا أوافق.
وبناء على نتائج الإجابات يتم عرض نتائجك على هذه الأبعاد (العوامل) الخمسة وهي على الشكل التالي:
العامل الأول: العصابية – التوازن (Neuroticism)
الأشخاص الذين يحصلون على درجات عالية على هذا العامل يتميزون بصفات مثل: انخفاض تقدير الذات –  قابلية للإنجراح – عدائية – اندفاعية –  انفعالية - توتر وقلق - اكتئاب وغيرها.
والأشخاص الذين يحصلون على درجات منخفضة على هذا العامل يتميزون بالتماسك والنضج الانفعالي والتوازن.
العامل الثاني: الانبساطية (الانطلاقية، المخالطة، الخروج خارج الذات) – الانطوائية Extroversion) Introversion-)
الأشخاص الذين يحصلون على درجات مرتفعة على هذا العامل يتميزون بعلاقات وتفاعلات اجتماعية كثيرة ونشاطات متعددة ومخالطة، إضافة إلى كثرة الكلام والسيطرة وتأكيد الذات والبحث عن الإثارة الحواسية.
وعكسهم يتميزون بالانطوائية والنشاطات الفردية الذاتية والهدوء والتحفظ  والصمت والسلبية.


العامل الثالث: الانفتاحية (الانفتاح على الخبرة) - الانغلاقية (Openness- Closedness)
يتميز الأشخاص الذين يحصلون على درجات عالية على هذا العامل بأنهم يهتمون بالثقافة والفن والجمال والنضج العقلي وأنهم خياليون وابتكاريون ويهتمون بما هو جديد.
وعكسهم العمليون بطبيعتهم والتقليديون، وأفكارهم مقيدة وجامدة واهتماماتهم محدودة.
العامل الرابع: الضمير الحي (الضمير اليقظ – حيوية الضمير) – الضمير الضعيف
 (Conscientiousness Undependability-)
ويتميز الأشخاص الذين يحصلون على درجات عالية على هذا العامل بالترتيب والنظام والالتزام بالواجبات والمثابرة والطموح والكفاءة والجدارة وضبط الذات وتحمل المسؤولية ويمكن الاعتماد عليهم.
والعكس بالعكس في صفاتهم وسلوكهم (فوضوي – مهمل – لا يعتمد عليه).
العامل الخامس: القبول الاجتماعي (التوافق – الطيبة) – تنافر(تخاصم) (Agreeableness-Antagonism)
يتميز الأشخاص الذين يحصلون على درجات عالية على هذا العامل بالتعاطف الوجداني مع الآخرين والإيثار والدفء والتواضع وحسن المعشر (حباب).
والعكس بالعكس في صفاتهم وسلوكهم (قاسي – بارد – غير محبوب).
ويمكن اختصار هذه العوامل الخمسة بالانكليزية بكلمة OCEAN لتسهيل حفظها Openness - Conscientiousness -Extroversion  - Agreeableness - Neuroticism.
ويعتبر نموذج العوامل الخمسة في الشخصية من أهم النماذج والتصنيفات التي فسرت سمات الشخصية في وقتنا الحاضر، وهو يتميز بلغته السهلة والواضحة للعموم. وقد بينت الدراسات صدق هذا النموذج في عديد من اللغات العالمية. وأمكن تطبيق هذا النموذج على الأطفال والمراهقين أيضاً.
ويساعد هذا المقياس في التوجيه الإرشادي والمهني، وهو يساعد على فهم الشخص ككل وعلى كيفية التعامل معه.
وقد بينت الدراسات أن النساء يحصلون على درجات أعلى من الرجال في عامل العصابية، وأن العصابية والانبساطية تتناسب عكساً مع العمر .. أي أنها تقل مع التقدم في العمر.
وكذلك بينت الدراسات أن الأشخاص الأكبر سناً لديهم درجات أعلى على عامل الضمير اليقظ مقارنة مع الأشخاص الأصغر سناً.
وأيضاً هناك علاقة بين المستوى التعليمي ودرجة الانفتاحية، وأن القبول الاجتماعي يرتبط إيجابياً مع الضمير اليقظ، وغير ذلك من النتائج المفيدة.
وهناك تطبيقات لهذا المقياس في المجالات التربوية والانتاجية المختلفة. ومنها أن الضمير اليقظ يؤدي إلى النجاح الوظيفي. وأن درجات عالية على عامل الضمير الحي وعلى عامل الانفتاحية  يرتبط إيجابياً بالموافقة على المتقدمين للعمل في الطب والتكنولوجيا ووكالات التأمين والتجارة والتمريض والسكرتارية.
وقد بينت الدراسات أنه من الممكن التنبؤ بعدد من الأمور الهامة في حياة الشخص مثل سعادته ونجاحه الأكاديمي ومشكلات علاقاته وسلوكه الإجرامي وتوظيفه، وغير ذلك.
وهناك دراسات عديدة ومتنوعة حول تطبيقات هذا المقياس في البيئة العربية في ليبيا والكويت ومصر والعراق وغيرها.
وقد أعد ترجمة هذا المقياس إلى اللغة العربية د. محمد بدر الأنصاري عام 1997(الكويت).
ومن المفيد أن نعلم أن العوامل الخمسة في الشخصية ترتبط بالوراثة والبيئة معاً حيث بينت الدراسات على التوائم الحقيقية أن بعد الانفتاحية يرتبط بنسبة 61% بالوراثة، وبعد الانبساطية يرتبط بنسبة 53%، وبعد الضمير اليقظ يرتبط بنسبة 44%، وبعد العصابية والقبول الاجتماعي يرتبطان بالوراثة بنسبة  41%.
بين التصنيف الكمي والتصنيف النوعي لاضطرابات الشخصية:
هناك اتجاهات حديثة في الدراسات الغربية لفهم اضطرابات الشخصية المرضية من خلال احتواء نظرية الأبعاد الخمسة للشخصية والتي تتحدث عن الشخصية السوية عادة.
حيث يمكن اعتبار الشخصيات المرضية أنها انحراف وتطرف في الصفات الاعتيادية للشخصية الموجودة على الأبعاد الخمسة .. ومثلاً فإن الشخصية المرضية المضادة للمجتمع لديها صفات الخداع والاستغلال والعدوانية وهي من صفات "بعد" القبول الاجتماعي السلبية (التخاصم، التنافر)، ولديها أيضاً صفات اللامسؤولية والإهمال والتهور وهي من صفات "بعد" الضمير اليقظ السلبية (الضمير الضعيف ، لا يعتمد عليه)، ولديها صفات البحث عن الإثارة وتأكيد الذات وهي من صفات "بعد" الانبساطية المتطرفة.
وقد تضمن الدليل التشخيصي الأمريكي الحالي DSM5 عام 2013، تصنيفاً بديلاً للشخصيات المرضية ضمن فكرة الأبعاد وأن اضطراب الشخصية هو تدرج من الطبيعي إلى المرضي وفقاً لعدد الصفات والسلوكيات. وهذا يسمى التصنيف الكمي. لكن الدليل المذكور أبقى على التصنيف النوعي للشخصيات المرضية وجعلها اضطرابات محددة تحتاج إلى التشخيص والعلاج، وهي عشرة أنواع:
اضطراب الشخصية الزورية (الشكاكة) - الشخصية الفصامية - الشخصية ذات النمط الفصامي - الشخصية المضادة للمجتمع - الشخصية النرجسية - الشخصية الحدودية - الشخصية الهيستريائية - الشخصية التجنبية - الشخصية الاعتمادية - الشخصية الوسواسية *.
إضافة إلى اضطراب شخصية محددة أخرى، ويستعمل هذا التشخيص في حال وجود اضطراب شخصية آخر يختلف عن الاضطرابات العشرة المذكورة، واضطراب شخصية غير محدد، وهو يستعمل في حال وجود اضطراب شخصية لكن لا تنطبق عليه بشكل كاف صفات أي من اضطرابات الشخصية العشرة المذكورة.
ووفقاً للتصنيف البديل في الدليل المذكور نجده يتضمن تصنيفاً مزيجاً نوعياً وكمياً (وليس كمياً فقط) لاضطرابات الشخصية المرضية .. حيث طرح الدليل 6 اضطرابات للشخصية فقط وهي:
الشخصية ذات النمط الفصامي  )Schizotypal( - الشخصية المضادة للمجتمع) Antisocial(- الشخصية النرجسية  )Narcissistic(- الشخصية الحدودية ((Borderline- الشخصية التجنبية (Avoidant) - الشخصية الوسواسية  )(Obsessional.
وتم استبعاد الشخصية الزورية والفصامية والهيستيرية والاعتمادية.
وتضمن أيضاً تصنيفاً يعتمد على الصفات الخمسة الأساسية في حال لم تنطبق معايير التشخيص المحددة للاضطرابات الستة المذكورة.
وتم طرح عدد من المسميات المعدلة لهذه الصفات الخمسة الأساسية، حيث تم التأكيد فيها على الجوانب المرضية أولاً .. وهي كما يلي:
1- الانفعالات السلبية Negative Affectivity (بدلاً عن العصابية) – التوازن الانفعالي Emotional Stability
ويضمن ذلك القلق والاكتئاب والشعور بالذنب والغضب وسلوكيات مرافقة مثل  إيذاء النفس والاعتمادية. تغير في الانفعالات وشدة ظهورها وعدم تناسبها مع الموقف  الذي يثيرها، خوف من الرفض وخوف من الانفصال، الخضوع، وغير ذلك.
2- الانسحاب  Detachment (بدلاً عن الانطواء) – الانبساطية  Extraversion
ويتضمن ذلك الانسحاب من التجارب الاجتماعية الانفعالية وتجنب العلاقات الحميمة ومشاعر اكتئابية وشك  وبرود انفعالي وغيره.
3- التخاصم Antagonism – القبول الاجتماعي Agreeableness
ويتضمن ذلك الشعور بالتفوق على الآخرين وعدم التعاطف معهم وضعف إدراك مشاعرهم وسلوكيات احتيالية ومخادعة مع غضب وقسوة وغيرها.
4- عدم التحفظ (الانفلات) Disinhibition – الضمير اليقظ  Conscientiousness
ويتضمن ذلك  الاتجاه للإرضاء الفوري للرغبات والاندفاعية دون حساب للعواقب وعدم المسؤولية في السلوك وضعف التخطيط  وصعوبة التركيز على عمل معين والبحث عن المغامرات، وفي الجانب الآخر الاصرار الجامد على الاتقان وضياع الوقت في الدقة والتفاصيل وصعوبة تغيير الآراء وغير ذلك.
5- الذهانية  Psychoticism (بدلاً عن الانفتاحية) – الصفاء العقلي Lucidity
ويتضمن ذلك غرابة في التفكير والتجارب الحواسية وقراءة الأفكار  وغيرها.
ويضم التصنيف 25 صفة مرضية للاختيار منها وتشخيص الشخصيات الستة المذكورة. بينما يضم مقياس العوامل الخمسة 100 صفة).
وببساطة فإن إدراج هذا التصنيف في الدليل الأمريكي الخامس يدل على التأثير الواضح لنظرية العوامل الخمسة (ومايشبهها من مقاربات) في الوقت الحالي .. وربما نشهد في التصنيفات القادمة تعديلات أكبر في التشخيص الأمريكي للاضطرابات النفسية باتجاه التصنيف الكمي.
وتؤكد بعض الدراسات أن اعتماد معايير العوامل الخمسة في تشخيص اضطرابات الشخصية يمكن له أن يفتح مجالات أوسع لعلاج هذه الاضطرابات بأساليب علاجية متنوعة بما فيها العلاجات الدوائية، بينما هناك ندرة في الدراسات العلاجية للشخصيات المرضية وفقاً للدليل الأمريكي (ما عدا اضطراب الشخصية الحدية) وذلك لتنوع الحالات وعدم تجانسها ضمن التشخيص الواحد.
إضافة لذلك يمكن لمعايير العوامل الخمسة في تشخيصها للشخصيات المرضية أن تساهم في تخفيف الوصمة السلبية المرتبطة باضطرابات الشخصية. لأن التصنيف المعتمد على العوامل الخمسة يفسح المجال للتعرف على نقاط إيجابية في الشخصية يمكن الاستعانة بها في علاج وتأهيل المريض. كما بينت دراسات أخرى أن ثبات التشخيص وفقاً لنظرية العوامل الخمسة أفضل من ثبات تشخيص الدليل الأمريكي بالنسبة للشخصيات المرضية.
وبالطبع فإن هناك انتقادات وتعديلات وتطورات ودراسات مستمرة في موضوع العوامل الخمسة للشخصية وفي تشخيص اضطرابات الشخصية المرضية .. وكل ذلك يساهم في تطوير وتحسين الممارسة العلاجية الطبية والنفسية.
كلمة أخيرة:
لا بد من الإشارة إلى أن تقييم الشخصية ووصفها يتضمن عدة أساليب ومنها اختبارات الشخصية المتنوعة مثل مقياس ماير – بريغز لنمط الشخصية MBTI  وهو يفيد في التوجيه المهني ويقسم الأشخاص إلى 16 نمطاً محدداً، واختبار منيسوتا متعدد الأوجه MMPI وهو اختبار طويل وفيه حوالي 550 سؤال ويستعمل في الحالات العيادية المرضية وفيه مقياس لكذب المفحوص، وأيضاً الاختبارات الإسقاطية المختلفة ومنها اختبار رورشاخ (بقع الحبر) واختبار رسم الشخص وغيره.
كما أن المقابلة الشخصية والتعرف على الشخص بشكل عملي وواقعي مفيد جداً في تقييم الشخصية وكذلك سيرة حياة الشخص وأية معلومات أخرى عنه من الآخرين.
وبالتأكيد فإن موضوع فهم الشخصية الطبيعية أو المرضية موضوع بالغ التعقيد .. وقد حاولت تبسيطه قدر الإمكان في هذه المقالة.
وفي الأثر حول معرفتك لشخص ما .. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هل تعرفه؟ هل سافرت معه؟ .. فأنت لا تعرفه!!
ملاحظة:
يمكنك إجراء اختبار العوامل الخمسة الكبرى والتعرف على شخصيتك ونسبتك المئوية على كل عامل باللغة الانكليزية المبسطة من خلال الرابط التالي مجاناً (هناك روابط أخرى أيضاً يمكنك البحث عنها)
المراجع:
* أنظر إلى مقالتي "الشخصيات الصعبة في الحياة اليومية" في مدونة حياتنا النفسية 
- علم النفس (كتاب مترجم)- طبعة 2- سبنسر إيهراثوس (2011) دار الفكر- دمشق، سورية.
- مقدمة في علم النفس (كتاب جامعي) د. حسان المالح - منشورات الجامعة العربية الدولية - دمشق، سورية - 2018 (قيد الطباعة والنشر).
- محمد بدر الأنصاري، أحمد عبد الخالق (1996) مدى كفاءة قائمة العوامل الخمسة الكبرى في المجتمع الكويتي، مجلة علم النفس العدد 83 ، السنة العاشرة، الهيئة المصرية العامة.
- DSM- 5, American Psychiatric Association,2013

الثلاثاء، 1 مايو 2018

الشخصيات "الصعبة" في الحياة اليومية

الشخصيات "الصعبة" في الحياة اليومية:
د. حسان المالح


من الشائع الحديث عن شخصية صعبة في الحياة اليومية .. ونجد هذه الشخصية في أوساط الأصدقاء والأهل وفي العلاقات الزوجية والعاطفية وفي أوساط العمل.
وهناك محاولات متنوعة لتصنيف هذه الشخصيات في علم النفس من خلال سلوكياتها المتكررة ولا يوجد تصنيف كامل أو نهائي لها. وبالطبع كلنا لديه سلوكيات يمكن أن تكون مزعجة للآخر أو للآخرين وبدرجات متفاوتة في الشدة، ولكن الشخصيات الصعبة لديها نسبة عالية من هذه السلوكيات مما يستدعي إطلاق هذه التسمية عليها. وتعبير الشخصية الصعبة (Difficult) له عدة مترادفات في اللغة العامة الشائعة .. ومنها الشخصية المزعجة، والشخصية النكدية، والشخصية التي تسمم الأجواء (Toxic)، وغير ذلك .. وكلها تشير إلى سلوكيات محددة تؤدي إلى إزعاج الآخر أو إحباطه أو صعوبة التفاهم معه، مما يسبب التوتر والمشكلات والخصام، وأيضاً النفور منه أو تجنبه أو قطع العلاقة معه أو الصراع المستمر معه، أو غير ذلك.
ومن هذه الشخصيات الصعبة الشائعة في الحياة اليومية:
1- "الشخصية النرجسية": والتي تتميز بحب الذات المفرط والفوقية والأخذ دون العطاء وعدم الحساسية لمشاعر الآخرين ورغباتهم .. وهي تصبح غاضبة وعنيفة ومزعجة في حال انتقادها أو التقليل من أهميتها أو شعورها بالإيذاء (وهي من اضطرابات الشخصية المرضية في التصنيف الأمريكي الخامس للاضطرابات النفسية  2013 التي سيتم الحديث عنها بالتفصيل فيما بعد).
2- الشخصية الكذابة: وهي تستعمل الكذب والخداع باستمرار مما يصعب تصديقها أو الاطمئنان لها. ولديها صفات مشتركة مع "الشخصية المرضية المضادة للمجتمع" (وهي من اضطرابات الشخصية المرضية).
3- الشخصية المسرحية (الدرامية): وهي تتميز بالمبالغة والإثارة وتضخيم الآلام والحزن والمخاطر. وهي تطلب تعاطفك ودعمك ولكن لا تقبل نصائحك .. وهي تشبه "الشخصية الهيستريائية" في بعض صفاتها وهي من اضطرابات الشخصية المرضية.
4- الشخصية الغيورة: وتتميز بالغيرة الشديدة من الآخرين ومن امتلاكهم أشياء أو مظاهر أو صفات لا تملكها هي .. مما يجعلها حساسة وغاضبة وشريرة وحسودة وهي تطلق الأحكام على الآخرين وتهتم بالشائعات و"القيل والقال". وربما ترتبط في بعض الحالات مع "الشخصية الزورية الشكاكة" وهي من اضطرابات الشخصية المرضية.
5- الشخصية الانتقادية: وهي تأخذ موقفاً انتقادياً من كل شيء وتتأفف باستمرار ولا شيء يعجبها وهي تحاكمك على تصرفاتك كلها .. وبالطبع تختلف تصرفاتها عن تقديم النصيحة المناسبة لأنها تهدف للانتقاد وإطلاق الأحكام عليك.
6- الشخصية المتحكمة: وهي تحاول التحكم والسيطرة في مختلف الأمور وتتميز بسرعة إيجادها للحلول والآراء التي تحاول فرضها بطريقة مزعجة (وهاتين الشخصيتين الأخيرتين تشبهان في صفاتهما الشخصية الوسواسية وهي من اضطرابات الشخصية المرضية).
7- الشخصية السلبية العدوانية: وهي تتصف بالتأجيل والمماطلة والتسويف .. وتعبر عن غضبها وعدوانيتها بشكل سلبي وغير مباشر أو صريح، مما يسبب الإحباط والإزعاج للآخر.
8- الشخصية المغلقة (Stonewaller): وهي تمتنع عن الحوار والكلام عندما يكون ذلك ضرورياً، ولا تتحدث عن انفعالاتها ومشكلاتها وتتهرب من البوح والحوار والمناقشة والانفتاح مع الآخر مما يساهم في صعوبات التفاهم وازدياد المشكلات.
9- الشخصية المتشائمة: التي تستنفذ طاقتك وهي تفكر بشكل سلبي ومتشائم ولديها دائماً شيئاً محزناً أو متشائماً أو سلبياً كي تقوله (ربما ينطبق على الوصف على الاكتئاب المزمن ولا يشكل شخصية معينة محددة).
وغير ذلك من الشخصيات ..
وهذا العرض السريع لبعض الشخصيات الصعبة نجده في الدراسات النفسية العامة أو الدراسات الطبية النفسية التي تتحدث إلى العامة وتحاول تقريب المفاهيم وأوصاف السلوكيات المزعجة الشائعة.
وفي التصنيف الأمريكي الحديث للاضطرابات النفسية (الدليل الخامس 2013) تم تصنيف اضطرابات الشخصية المرضية بشكل دقيق وعلمي إلى 10 أنواع  وهي ضمن 3 مجموعات، وهي باختصار:
- المجموعة الأولى وتضم: 1- الشخصية الزورية (الشكاكة)(Paranoid): نمط من الشك وعدم الثقة بنوايا الآخرين الشريرة تجاه الشخص.
2- الشخصية الفصامية (Schizoid): عزلة وانكماش في العلاقات الاجتماعية مع برود ومحدودية في التعبير الانفعالي.
3- الشخصية ذات النمط الفصامي (Schizotypal): عدم الارتياح مع وجود الآخرين مع سلوكيات وأفكار غريبة.
وهذه الشخصيات الثلاثة يجمعها أنها تبدو غريبة في التفكير والسلوك.
- المجموعة الثانية وتضم: 1- الشخصية المضادة للمجتمع (Antisocial): عدم الاهتمام أو الاعتداء على حقوق الآخرين.
2- الشخصية النرجسية (Narcissistic): الشعور بالتفوق والبحث عن الإعجاب وعدم التعاطف مع الآخرين.
3- الشخصية الحدودية (Borderline): اضطراب في العلاقات مع الآخرين وفي صورة الذات والانفعالات مع سلوك اندفاعي واضح.
4- الشخصية الهيستريائية (Histrionic): انفعالية زائدة ولفت الانتباه.
والشخصيات الأربعة هذه يجمعها أنها تبدو مسرحية (درامية) في انفعالاتها، وانفعالاتها مبالغ فيها أو مضطربة.
- المجموعة الثالثة وتضم: 1- الشخصية التجنبية ((Avoidant: نمط من التجنب الاجتماعي ومشاعر الدونية وحساسية زائدة للتقييم السلبي من الآخرين.
2– الشخصية الاعتمادية (Dependent): نمط من الخضوع والتعلق الزائد والرغبة في أن يرعاه الآخرون.
3– الشخصية الوسواسية (Obsessional): الولع بالنظام والاتقان والسيطرة.
والشخصيات الثلاثة هذه يجمعها أنها تبدو قلقة أو خائفة.
وهذه الشخصيات المرضية العشرة منتشرة بنسبة 1-2% لكل منها، ومجموعها حوالي 15% من السكان.
ولكل من هذه الشخصيات المرضية صفات وسلوكيات مرضية تفصيلية يمكن الرجوع إليها في المراجع العلمية.
وهذا التصنيف يسمى تصنيفاً فئوياً أو نوعياً (Categorical). ويتضمن التصنيف الخامس أيضاً تصنيفاً آخراً لاضطرابات الشخصية يسمى تصنيفاً بعدياً أو محورياً  (Dimensional) وهو يرتكز على أن الشخصيات المرضية تختلف فقط عن الشخصيات العادية في شدتها ونسبة وجود الصفات والسلوكيات فيها.
أي أن جميع الشخصيات المرضية تمتلك كمية كبيرة من الصفات والسلوكيات المتطرفة مما يجعلها غير اعتيادية أو غير طبيعية وبالتالي يمكن أن نسميها مرضية، بينما تمتلك الشخصيات الاعتيادية عدداً قليلاً من هذه الصفات الموجودة في كل شخصية مرضية ولكن بدرجة خفيفة ومقبولة.
ويمكن لبعض هذه الاضطرابات أن ترتبط بالاضطرابات النفسية الشائعة من النواحي الوراثية أو الأسرية أو عند الشخص نفسه (مثل الفصام أو الاضطراب المزاجي أو القلق العام أو الوسواس القهري وغيره)
وتجري الدراسات على اضطرابات الشخصية هذه لتحسين تصنيفها، ولتحديد ارتباطاتها بالاضطرابات النفسية بشكل تفصيلي، وعلاقتها ببعضها البعض .. حيث يمكن وجود أكثر من اضطراب شخصية في نفس الشخص، وأيضاً التعرف على أسبابها والبحث في طرق وإمكانيات العلاج المناسبة لها الدوائية والنفسية والسلوكية .. وعموماً لايزال الغموض والتعقيد والتناقض والتساؤلات يحيط بتصنيفها هذا، وهل اضطرابات الشخصية المرضية شكل مخفف من الاضطرابات النفسية أم أنها اضطرابات مستقلة؟ .. وغير ذلك من التساؤلات.
ولا بد من الإشارة إلى أن هناك صفات مزعجة شائعة في اللغة العادية اليومية .. مثل العناد والجمود والبخل والسطحية وعدم النضج وتقلب الشخصية ومزاجها وآرائها (شخصية متقلبة)، والغلاظة (ثقل الدم) وغيرها .. وكلها تساهم في إزعاج الآخرين وتسبب صعوبات في التعامل معهم.
ومن الضروري في دراسة الشخصية بشكل علمي تحديد صفاتها بشكل دقيق واستعمال مصطلحات واضحة يمكن قياسها بشكل مناسب .. ولذلك تم إخراج الدليل التشخيصي الخامس الأمريكي بشكل تفصيلي فيما يتعلق باضطرابات الشخصية المرضية.
كما تم حذف عدد من اضطرابات الشخصية التي استعملت سابقاً في تشخيص الشخصية المرضية، والتي لا يمكن تحديدها بشكل مناسب أو لم يتم الاتفاق على وجودها كشخصية مستقلة .. مثل الشخصية الاكتئابية والشخصية السلبية العدوانية وغيرها.
وتم الاكتفاء بالتشخيصات العشرة المذكورة سابقاً .. ولا يعني ذلك أن الموضوع قد حسم نهائياً في هذا الموضوع وهناك أبحاث كثيرة تتجاوز التصنيف المذكور وتضيف إلى معلوماتنا خبرات ونتائج مفيدة وعملية .. ويبقى موضوع الشخصية من الموضوعات المعقدة التي يصعب تبسيطها.
وأخيراً .. من المهم التنبه إلى الشخصيات الصعبة في الحياة اليومية، مما يوفر على الجميع جهوداً وآلاماً كثيرة .. وفي حالات كثيرة ينصح بالابتعاد عن هذه الشخصيات لتخفيف آثارها السلبية على الشخص نفسه الذي يتعامل معها.
وكثير من الشخصيات الصعبة لا يعترف بمشكلته ولا يراجع الخبير النفسي لعلاجها .. وربما يلجأ المحيطون به إلى عرضه على الاختصاصي بسبب المشكلات والأذى الذي يسببه.
والعلاج النفسي والسلوكي والدوائي يمكن أن يفيد اضطرابات الشخصية المرضية بشكل متفاوت .. وهي تعتبر عموماً صعبة على العلاج وتحتاج إلى جهود كبيرة لتعديل سلوكياتها وصفاتها والتعايش معها .. ومن المطلوب دائماً تخفيف الأذى ووضع الحدود المناسبة لتخفيف الأضرار الناتجة عن السلوك المرضي.
ومن المهم زيادة الوعي العام المرتبط بالشخصيات الصعبة .. ويساهم ذلك في البحث عن معلومات مفيدة حول تعديل السلوك والصفات غير المرغوبة، ويساعد على القيام بجهود مناسبة لتعديل ما يمكن تعديله، كي يصبح الشخص أقل إزعاجاً وأكثر نجاحاً في علاقاته المتنوعة. وبالـتأكيد فإن زيادة مهارات التواصل، وفهم الذات، وتفهم الآخر، وضبط النفس والانفعالات، كلها ضرورات أساسية في النمو النفسي والشخصي. وهي مهارات عامة يمكن للجميع أن يبحث عنها كي يطور من شخصيته وقدراته.
المراجع:
- DSM-5:American Psychiatric press,2013.

الاثنين، 23 أبريل 2018

ماهو الفرق بين الطبيب النفسي وطبيب الأمراض العصبية:

ماهو الفرق  بين الطبيب النفسي وطبيب الأمراض العصبية:
 د. حسان المالح


هناك خلط شائع بين الطبيب النفسي (Psychiatrist) وطبيب الأمراض العصبية (Neurologist) في مجتمعاتنا .. وذلك من ناحية الحالات التي يعالجها هذا الطبيب أو ذاك .. ويبدو أن هذا الخلط والاختلاط له أسبابه المتعددة:
1- تاريخياً حيث لم يكن هناك تمايز واضح بين هذين الاختصاصين وبين الاضطرابات التي يعالجها كل اختصاص .. وانتهى هذا الخلط منذ مدة طويلة في الدول المتقدمة. وتتضمن برامج تدريب التخصص الحديثة في الطب النفسي حوالي 3-6 أشهر في ميدان الطب العصبي وأمراضه، وكذلك تدريب طبيب العصبية يتضمن 3- 6 أشهر في ميدان الاضطرابات النفسية .. ولكن هذا التدريب القصير يهدف إلى زيادة المهارات وتفهم المشكلات الشائعة في الاختصاصين ولا يعتبر إجازة علمية لعلاج وتشخيص كافة الاضطرابات المتعلقة بالميدان الآخر.
2- هناك عدد من الأعراض الطبية المشتركة بين الاختصاصين مثل العرات العضلية الحركية (تشنجات متكررة في عضلات الوجه وغيره) (Tics)، التأتأة (Stuttering) وغيرها.. وهي لا تزال ضمن تشخيص الاضطرابات النفسية الحالية على الرغم من أساسها العصبي الفيزيولوجي.
وأيضاً هناك الخرف والتوحد وغيرها .. وتتم دراستها وعلاجها في اختصاص العصبية والنفسية معاً. وهذا يعني أن هناك منطقة مشتركة "لا بد منها" ربما تساهم في الخلط بين الاختصاصين ولكن المطلوب تحديد هذه المنطقة المشتركة بشكل أفضل.
3- هناك عدة أعراض ترتبط بأمراض عصبية  يمكن أن تتشابه مع اضطرابان نفسية أو تتشارك معها، وأكثرها شيوعاً الصداع .. وصداع الشقيقة ( Migraine) مثلاً هو اضطراب عصبي شائع ( حوالي 12% من السكان) يمكن أن يترافق مع الصداع التوتري (Tension headache) ( وهو من أعراض القلق والتوتر والضغط النفسي) أو يختلط به في التشخيص .. مما يتطلب التشخيص الصحيح.
وأيضاً الصرع (Epilepsy) وهو مرض عصبي شائع في جميع المجتمعات (نسبة انتشاره 0.4 - 1 %) وله عدة أشكال الصرع الكبير والصرع الصغير والصرع الجزئي (الصدغي). وهو ناتج عن شحنات كهربائية غير طبيعية في الدماغ. وهو يحتاج إلى تقييم طبيب العصبية (مخ وأعصاب) وفحصه للمريض وإجراء تخطيط دماغ له وغيره من الاستقصاءات. وهناك نوبات شبيهة بالصرع ولكنها ليست صرعاً عصبياً .. وتسمى سابقاً نوبة هستيريائية وحالياً تسمى صرع كاذب أو أعراض تحويلية نفسية. وهي لا تزال شائعة في دول العالم الثالث وفي أوساط المجندين والفتيات المراهقات وغيرهم .. وتشبه أعراضها نوبة الصرع الكبير العصبي المنشأ ولكنها تختلف في أمور عديدة، ويحتاج تفريقها إلى خبرة ودراية ومشاهدة النوبة نفسها أو الحصول على وصف دقيق تصويري لها كي يتم التفريق بين هذين المرضين ومن ثم علاجها بشكل مناسب.
كما أن بعض نوبات الصرع الجزئي أو صرع الفص الصدغي يمكن أن تترافق مع أعراض نفسية مثل الرعب وتلفظ كلمات تكرارية وهياج يمكن أن تسبب صعوبة في التشخيص الدقيق لها. وهي تحتاج أيضاً إلى الخبرة والتدقيق في الأعراض وإجراء عدة فحوصات لتأكيد التشخيص.
وفي الحالات السابقة المذكورة لا بد من توضيح التشخيص ومتالعة العلاج مع الطبيب المناسب العصبي أو النفسي وفقاً للتشخيص .. وفي بعض الحالات تتشارك الأعراض النفسية شبيهة بالصرع مع الأعراض الصرعية العضوية، وهنا لا بأس في تعاون الأطباء من الاختصاصيين في علاج الحالة.
وهناك أعراض أخرى أو أمراض أقل شيوعاً تساهم في الخلط بين العصبي والنفسي ولكن لا يتسع المقام هنا لذكرها وتفصيلها.
4- وربما يكون السبب الأكثر شيوعاً في بلادنا هو الجهل المرتبط بالأمور النفسية والوصمة السلبية الاجتماعية المرتبطة بكل ماهو نفساني .. ولذلك يفضل كثير من المرضى زيارة طبيب العصبية لأن المشكلة في "أعصابه التعبانة والمتوترة" .. وليس في نفسيته. ولا يمانع المريض أبداً في الحديث على أنه راجع طبيباً للأعصاب .. ولكنه يتحفظ كثيراً ويصمت عن كل ماهو نفسي.
وبعض الأطباء النفسيين يستخدم مصطلح عصبية لصالحه حيث يدمج في تخصصه عصبية – نفسية تخفيفاً لتأثير كلمة نفسي المجردة .. وطبعاً هذا يزيد في مشكلة الخلط ولا يساعد على تخفيفها. والمشكلة الأكبر هي طبيب العصبية الذي يعالج جميع الاضطرابات النفسية ويفتي فيها بما لا يعرفه عن هذا الميدان النفسي الذي تطور بشكل واضح في العقود الماضية في تشخيصه وعلاجاته المتنوعة.
ولا بد من التأكيد على أن قلة عدد الأطباء النفسيين في بلادنا له دور في استمرار هذا الخلط بين ميدان العصبية والنفسية، والحاجات العملية لأوضاع الدول النامية ربما لا تشجع كثيراً على وضوح وتطور هذين الفرعين من التخصص الطبي بشكل مناسب .. لكن لا بد من السير في الطريق الصحيح.
وأخيراً لا بد من التأكيد على أن أعراض القلق والتوتر والعصبية (النرفزة) والأرق هي ضمن اختصاص الطب النفسي وهو يعالجها وليس الطب العصبي. وكذلك الاكتئاب والوسواس القهري والمخاوف الاجتماعية والمرضية المتنوعة ونوبات الهلع والخوف واضطرابات بعد الصدمة النفسية. وكذلك مايسمى "الانهيار العصبي" وهو مصطلح قديم لا يزال شائعاً وربما يدل على نوبة ذهانية أو اكتئابية شديدة أو حالة هوسية أو فصام أو غيرها. وأيضاً الآلام الجسدية نفسية المنشأ والتي ترتبط بالاكتئاب أو القلق ويطلق عليها العامة "التهاب أعصاب" وهذا خلط غير مقبول وخاطئ.
وأيضاً هناك غير ذلك من الاضطرابات النفسية حيث يصل عدد التشخيصات النفسية الحديثة إلى 360 تشخيصاً محدداً.
بينما يهتم الطب العصبي بمرض الصرع والجلطة الدماغية وماينتج عنها من شلل وكذلك أورام الدماغ وشلل العصب الوجهي ومرض التصلب اللويحي المتعدد وغيره من الأمراض العصبية.
أما أطباء الجراحة العصبية فهم اختصاصيون في العمليات الجراحية المتعلقة بالجهاز العصبي مثل أورام الدماغ وإصابات الحبل الشوكي (في فقرات العمود الفقري) والأعصاب المحيطية ( النفق الرسغي) وغيرها.
وأخيراً .. لا بد من زيادة الوعي الطبي والنفسي عند الجميع .. ولا بد من التأكيد على ارتباط الطب النفسي بفروع الطب الأخرى .. ولا بد من تعاون الاختصاصات الطبية كلها فيما يفيد المريض ويساهم في تنوير وتطوير المجمتع.

الأربعاء، 11 أبريل 2018

ملاحظات أساسية حول أهداف العلاج في الطب النفسي:


ملاحظات أساسية حول أهداف العلاج في الطب  النفسي:
 د. حسان المالح

يهدف العلاج النفسي من الناحية العيادية إلى تحقيق أربعة أمور أساسية وهي:
1- إزالة الأعراض المرضية أو التخفيف منها ( (Symptoms removal or reduction: مثل الأرق وأعراض الاكتئاب وأعراض فقدان الوظيفة في الاضطرابات التحويلية (فقد الصوت أو العمى أو الشلل نفسي المنشأ) .. إضافة لأعراض الهلوسة أو الهذيانات الحادة أو أعراض نوبة الهوس والهياج أو الوسواس القهري وغير ذلك.
وبالطبع مثل مختلف الأمراض الأخرى الجسدية فإن العلاج في الطب النفسي يهدف إلى إزالة الأعراض المرضية تماماً، أو التخفيف منها قدر الإمكان (بالنسبة للأعراض المتبقية أو المزمنة والتي يصعب إزالتها تماماً).
وهذا معروف في الممارسة العملية الطبية ومن الضروري أن يتفهمه المريض وأهله والمجتمع .. وأيضاً العاملون في ميدان العلاج النفسي من مختلف التخصصات. وهناك علاجات فعالة وعلاجات متوسطة الفعالية وعلاجات ملطفة فقط في الميدان الطبي العام وفي الطب النفسي .. ومن المؤكد أن العلاج الطبي والنفسي يسعى نحو إيجاد العلاجات والطرق الأكثر فعالية ونجاحاً، وهو يعمل على اكتشاف علاجات جديدة فعالة ومفيدة دائماً. ولكن في حالات عديدة هناك حالات لا تشفى أعراضها تماماً أو يحدث فيها تحسن نسبي أو جزئي. ولا مانع من إشراك عدة طرق علاجية أو أكثر من دواء واحد في الحالات التي لا تشفى الأعراض فيها بشكل كامل. ومن المقبول والمنطقي وفي كل حالة على حدة ووفقاً لتفاصيلها وأعراضها وظروفها وتاريخها، أن يكون هدف العلاج هو تخفيف الأعراض وليس بالضرورة شفاؤها التام.
2- التكيف وإعادة التكيف الاجتماعي والأسري والمهني (Adjustment & Readjustment): إن العلاج الناجح يساهم في عودة المريض إلى أدائه المهني والاجتماعي .. ومن المطلوب تشجيع المريض على التكيف الجزئي أو التكيف الكافي في بيئته الخاصة المنزلية والأسرية والاجتماعية والمهنية (الدراسية بالنسبة للطلبة والأطفال). ويتضمن العلاج هنا المساهمة في المشورة الزوجية والأسرية والمهنية وتوجيه المريض لإتخاذ قرارات ناجحة بمساعدة الأهل وغيرهم من الخبراء في المجالات المهنية والاجتماعية والقانونية.
ويشمل هذا الهدف معظم الاضطرابات النفسية عند الصغار وعند الكبار.
3- تخفيف الأذى أو الضرر أو التخفيف من الخسائر (Harm reduction): ويعني ذلك الحد من الأضرار الناتجة عن السلوك المرضي بأشكاله المتنوعة .. ويشمل ذلك عدة اضطرابات نفسية فيها سلوكيات خطرة أو مؤذية للفرد نفسه أو للآخرين .. مثل السلوك العدواني والسلوك الانتحاري والسلوك الإدماني واضطرابات السلوك عند المراهقين واضطرابات الشخصية المختلفة .. وكل ماسبق يمكن أن يسبب أذى وأضراراً وخسائر متعددة مادية وجسدية وأسرية ومعنوية. والعلاج الناجح في مثل هذه الحالات يهدف بشكل واضح إلى تخفيف الأذى بكل الأساليب الممكنة السلوكية والعملية .. ومنها إدخال المريض إلى مؤسسات علاجية مثل المشفى وغيرها.
4- تحسين نوعية الحياة (Improving the quality of life): ويعني ذلك تحسين نوعية الحياة النفسية والعملية للمريض بأساليب عديدة. ومنها إعادة التأهيل المهني والاجتماعي بشكل منظم أو بشكل عام وفقاً للإمكانيات المتاحة. وأيضاً التثقيف النفسي والتعليمي والإرشادي الذي يساهم في تفهم المريض لحالته وانفعالاته وأفكاره وزيادة السيطرة عليها وتعديلها. وتفيد هنا الأساليب المعرفية والسلوكية والدعم النفسي والجلسات العلاجية المتنوعة ..
كما تفيد الأساليب المتنوعة التي تهدف إلى زيادة المهارات الشخصية والقدرات المختلفة (بما فيها التنمية البشرية) في تحسين نوعية الحياة التي يعيشها المريض وفي تحسين ثقته بنفسه ورضاه عنها، وربما تفيد في صحة نفسية أفضل.
وأخيراً .. إن كل الأهداف الأساسية الأربعة السابقة تفيد في علاج الاضطرابات النفسية بمختلف أنواعها (حوالي 350 اضطراب نفسي محدد وفقاً للتصنيفات الحديثة)، وأيضاً ربما تفيد في الوقاية من بعضها أو التخفيف من أعراضها أو انتكاستها. ولا يكفي أن ينظر إلى العلاج النفسي على أنه موجه لإزالة الأعراض فقط وهذه نظرة ضيقة وناقصة .. ولا بد من العمل على المحاور الأربعة الأساسية كلها. ومن الضروري توضيح هذه الاستراتيجيات والأهداف العلاجية لأنفسنا كمعالجين وأيضاً للمريض نفسه وأهله والمجتمع، مما يساهم في تفهم العملية العلاجية ويزيد من نجاحها، كما يزيد من التعاون بين مختلف الأطراف لتطبيقها والالتزام بها.
دمشق  11/4/2018