بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 30 سبتمبر 2016

لماذا يرسم "بوتيرو" أشخاصاً بدينين؟ Why does Botero Paint Fat People

لماذا يرسم "بوتيرو" أشخاصاً بدينين؟
Why does Botero Paint Fat People
ترجمة وإعداد الدكتور حسان المالح- استشاري الطب النفسي - دمشق - العيادة النفسية الاستشارية - أستاذ في الجامعة العربية الدولية (الأوربية) 

مقدمة:
"فيرناندو بوتيرو" من مواليد عام 1932 كولومبيا ، توفي أبوه وعمره 4 سنوات ، أولى رسوماته للصحف المحلية في عمر 16 عاماً حيث تابع دراسته الثانوية وعرض لوحاته محلياً . ثم سافر إلى إسبانيا مع مجموعة من أصدقائه ودرس فيها الفن كما سافر إلى إيطاليا ثم فرنسا وعمق دراسته الفنية لفناني عصر النهضة في متحف اللوفر .
تتضمن أعماله طبيعة صامتة ومناظر طبيعية ، وتتميز لوحاته ومنحوتاته بالتضخيم والبدانة وأجسامه مستديرة شديدة الإمتلاء. يرسم رموز القوّة والسلطة في كل مكان، مثل الرؤساء والجنود والكهنة،وهناك لمسات مرح خاصة سواء في محاكاة لوحات شهيرة أو في تصوير رموز السلطة..
وهو يعتبر من أشهر الفنانين الكولومبيين في الوقت الحالي ، ويعتبر فناناً تجريدياً بشكل أو بآخر ..وتعرض أعماله ومنحوتاته في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ، وهو يعيش في باريس منذ عام 2003 وله لوحات عديدة حول الحرب الأهلية وحول المافيا في مسقط رأسه التي كاد أن يقتل بسببها .وقد لقي المزيد من الاهتمام في عام 2005 بعد أن رسم أكثر من 180 لوحة وعرضها في أوروبا بعد أن قرأ عن أعمال التعذيب بعد فضيحة "سجن أبو غريب" في العراق ، كما عرضت هذه اللوحات في الجامعة الأمريكية في واشنطن عام 2007. خرج "بوتيرو" إلى العالم بصرخة ملونة ومدوية مرسومة على القماش لأجساد معذبة ومنزوعة الكرامة .
لماذا يرسم "بوتيرو" أشخاصاً بدينين ؟
يجيب "بوتيرو" دائماً : أنا لاأرسم أشخاصاً بدينين ..وإجابته هذه غامضة ومثيرة بالطبع ..لأن جميع الأجساد التي يرسمها ليست نحيلة أو هزيلة بل إنها جميعها أجساماً ممتلئة وبدينة وفي بعض الحالات بدينة جداً .ولابد من التأكيد أن "بوتيرو" لايرسم فقط أشخاصاً بدينين ولكن كل الأشياء الأخرى في لوحاته سمينة أيضاً ..
وهو يؤكد أن التضخيم في لوحاته ينبع من حسه الجمالي وأن ذلك نوع من الأسلوب الذي يعجبه ويتبناه .
إن لوحات "بوتيرو" ليست واقعية .. وهي تتوجه نحو الواقع ولكن لاتصوره حرفياً ..إن كل شيء في لوحاته ضخم وذو حجم كبير .. الموز ، ضوء المصباح ، شجرة التمر ، الحيوانات ، وطبعاً الرجال والنساء ..
يهتم "بوتيرو" بتحويل أو تشويه الواقع كأسلوب لتحويل الواقع إلى فن .وهو يقول إن التشويه في الفن له تاريخه الطويل .. ومثلاً فإن "جيوتو" و"رفائيل" و"إلجريكو" و"بيكاسو" كلهم شوهوا الواقع والأشياء ليصنعوا شيئاً آخر منه .
وبالنسبة لجيوتو فقد ركز على مرونة الشكل وحوافه مما أعطى انطباعاً بوجود البعد الثالث في الشكل المسطح .أما "روبينز" فقد استعمل بدوره حساسية الكتل اللحمية ليقدم روعة الإيمان في لوحاته .. وبشكل مخالف تماماً لصوفية "إلجريكو"الذي اعتمد على تطويل الأجسام وثنيها باتجاه الأعلى كأنها تسعى إلى السماء وقد عبر بذلك عن نزعته الدينية الإسبانية .وأما بالنسبة لألبرتو جياكوميتي في القرن العشرين فقد عبرت أشكاله النحيلة الدقيقة عن فلسفته الوجودية بشكل واضح .
إن التضخيم الثابت والشامل المتكرر كأسلوب فني كما ذكر سابقاً هو أسلوب معروف .. ولكن بالنسبة لبوتيرو فقد اعتمد التشويه كقاعدة أساسية في فنه وحولها إلى أسلوب خاص .إن التشويه الذي لايخدم غرضاً آخر يمكن اعتباره أسلوباً شيطانياً أو أنه نوع من الكاريكاتير.. وكلا الحالين لاينطبقان على "بوتيرو" .. وعلى العكس فإن التشويهات التي يصنعها تنبع من الرغبة في زيادة الطبيعة الحسية للوحاته .
وهو يقول: "من المهم معرفة مصدر اللذة التي نحصل عليها عندما نشاهد لوحة فنية .. بالنسبة لي إنها لذة الحياة والوجود مع اللذة الحسية للأشكال ..وهكذا فإن المشكلة بالنسبة لي كيفية خلق هذه اللذة الحسية للأشكال".
إن استعمال الأحجام الضخمة في الفن يعود إلى القيم الإبداعية التي تعتمدها الأعمال الكلاسيكية حيث كان بوتيرو معجباً بالمعلمين الأوائل الإيطاليين إضافة لإعجابه بالفن اللاتيني الذي يعتمد على تمجيد عظمة الله وأيضاً عظمة الحياة نفسها .
إن تناول "بوتيرو" بأسلوبه التضخيمي لأي موضوع يجعل هذا الموضوع يفقد خشونته ووحشيته وتطرفه .. فالمنازل في لوحاته لم تعد خانقة ، وصراع الثيران فقد قسوته ، والمرأة التي تطلي أظافرها بالطلاء الأحمر لم تعد سخيفة ، وحتى الحب فقد كونه مثيراً أو شهوانياً.
إن الأحجام الكبيرة التي يستعملها هي العصا السحرية التي يحول من خلالها الحياة والعالم إلى واقع عائم غير واقعي ..إن الأحجام الكبيرة التي يستعملها تتحول ببساطة إلى أشكال بالونية خفيفة تكاد تطير ..
إن نقاد الفن العالميين لم يستطيعوا إلى الآن أن يكتشفوا أية فرضية صحيحة تكمن خلف أسلوبه في تشكيل لوحاته .. وساهم ذلك في عزلة أعماله عن الاتجاهات الفنية الشائعة في عصره. وربما ارتبط ذلك بتحفظ النقاد الأنجلو أمريكان على الجسد العدائي غير المثير الذي يصوره بوتيرو كما أشار إلى ذلك أحد كتاب "بيرو" الشهيرين وهو يتساءل هل تأكيد الحياة يعتبر سطحياً ؟ وهل المعاناة هي الضخمة والكبيرة فقط ؟
إن أعمال "بوتيرو" تكشف نفسها على أنها تقترب من حافة الهاوية ولكنها لاتغوص فيها . وإن أسلوب بوتيرو المتعمد في التضخيم والذي تمتد جذوره في تاريخ الفن والذي يمكننا أن نسميه أسلوباً متميزاً هو الذي يفرق "بوتيرو" عن الرسامين المبتدئين السذج .
عندما بدأ بوتيرو بالرسم في كولومبيا فإن أسلوبه كان يتبع الأسلوب العالمي الحديث . ولكنه عندما بدأ بدراسة الفن الكلاسيكي اكتشف أسلوبه الذي يعبر عن روح القارة الأمريكية الجنوبية .
هل النحف يعبر عن إنسان المدينة ؟ وهل البدانة تعبر عن إنسان الريف ؟ والحقيقة أنه في العامية الشائعة في أميركا اللاتينية فإن البدانة والسمنة ترتبط بصفات إيجابية مثل الصحة الجيدة والغنى وحب الحياة . وأيضاً يرتبط الأشخاص البدينيون بالمزاج الجيد والمتع الحسية والخلق الحسن . ومن المؤكد أن "بوتيرو" قد استخدم الصفات المرتبطة بقارته مثل الاحتفالية والألوان الحارة ، والقيلولة والطعام الجيد .. وبالتالي فإن ردود فعل من يشاهد لوحاته تتسم غالباً بالسرور والاسترخاء .. ومما لاشك فيه أن هناك ارتباط بين أسلوبه وروحية التقاليد الكولومبية القديمة التي تتغذى بالأساطير والخرافات والتي تحب الرموز والاستعارات والتي تمتلك قيم التضخيم الإبداعية المتمسكة باللذّة المطلقة المضخمة والعفوية. إن التقشف هنا بعيد جداً ولامكان له .. " كل شيء متوفر ووافر " هو الشعار الذي يسود في أميركا اللاتينية .
ومن الممكن أن يكون هناك جوانب نفسية لاشعورية مرتبطة بأشكال بوتيرو الضخمة والأحجام المتدفقة التي يرسمها .. ومن المقبول أن هناك تناقضات يمكن اكتشافها في عالم بوتيرو الفني المولع بالترف..من القدور التي يتصاعد منها البخار إلى الفواكه الناضجة الممتعة ومخازن اللحوم الوفيرة ..
ويقول الكاتب الإيطالي الشهير "ألبرتو مورافيا" : أنه رأى في أجسام بوتيرو الممتلئة وأرجلها الثقيلة عوامل نفسية وليس نواح جمالية فقط ..إنها تعكس حساً مظلماً وألماً ومعاناة في هذا العالم المنتفخ..وفي الوقت نفسه تعكس شللاً وخدراً وفقداناً لحس الألم ..إن الثورات التي حدثت في أمريكا اللاتينية وإعلان الحرب على الفقر وعدم المساواة وعلى الديكتاتورية والعنف ..كل ذلك تم ترويضه وتحويله في لوحات وعالم "بوتيرو" إلى موت وهدوء .. إنه الكابوس ..إن الحياة الآن هادئة ومسالمة .. لكنها مشلولة وناعسة.. وقد ترهلت الأجسام وانتفخت .. وأصبحت راضية لطيفة .. وهذا القلق والانزعاج هو السبب والأصل في رؤية بوتيرو للعالم ..
وعملياً فإن "بوتيرو"رجل مهذب جداً ولطيف بين فناني القرن العشرين .. وإذا كان لديه قلق وانزعاج وتمرد ونقد للآخرين كما طرح "ألبرتو مورافيا" فإنه كتوم جداً في طريقة تعبيره عن ذلك .. وهو يكرر دائماً ولايمل في شرحه بأن أعماله هي نتيجة رغبة كبيرة في البحث عن الأشكال والألوان والتعبير عنها جمالياً .. وأنه فقط يريد أن يرسم شيئاً جميلاً .. والجمال بالنسبة له يعني إتقان الشكل والتشكيل والتأليف المناسب وأيضاً اللون والحرفية .
ويقول أحد النقاد عن أعماله : إن الجمال يأتي من خلال تناغم مجموع المكونات .. وعندما يكون التشكيل كله متوازناً ومتوازياً . والعامل الحاسم في أعماله ليس عبارات معينة يريد أن يقولها .. وإنما يتمثل ذلك من خلال الخطوط التشكيلية الأفقية والعامودية والمحورية ، وأيضاً الخطوط الأخرى الحرة التي يضيفها للوحة في النهاية مثل غصن أو خيط من اللؤلؤ أو أفعى . وعلى الرغم من أن التشكيل يبدأ من السكون والشكل الجامد فإن الحركة تتجه نحو المركز وتعبر عن الوفرة .
ويقول ناقد آخر : لايوجد ظلال في لوحاته .. لأن الظلال تلوث اللون .. وإن الأشكال في لوحاته تشع دائماً مثل شمس الصباح الباكر عندما تكون الظلال في أدنى مستوياتها . والنور لاينبع من مصدر خارجي ولكن الأشياء تشع من خلال ألوانها ..
إن "بوتيرو" معجب دائماً بالسكون في الفن .. ويعطيه ذلك الشعور باللانهائية والأبدية .. ولاسيما في المنحوتات الفرعونية . وعلى الرغم من أن لوحاته تمتلئ بمعاني سردية إلا أن الحركة فيها متجمدة ..وهذا ينتج عن تقديس اللحظة وتثبيتها في علاقة الأشخاص مع ماحولهم من فضاء، حيث يظهرون أكبر من أن يكونوا قادرين على الحركة ..ليس لأن جلودهم مشدودة حول أجسامهم الضخمة، بل لأن الجدران المقيدة لهم تحاصرهم ..
وأخيراً .. لابد من القول بأن النظرة الفاحصة للوحات "بوتيرو" يمكنها أن تكتشف عدة أمور قد لاتبدو واضحة من النظرة الأولى .. والعناصر الجمالية والحرفية متميزة في دقتها وانسجامها ..وتبقى المعاني التي يمكن قراءتها على عدة مستويات .. وقد تمت الإشارة إلى بعضها فيما سبق طرحه .. ونؤكد هنا على عدة نقاط .. تمجيد الجسد الحي وتضخيمه احتفالاً به ..تمجيد السكون ولحظات الفرح والمتعة ..وأيضاَ في الجانب المعاكس .. نزعة تمردية نقدية لاذعة وساخرة من البشر ومن الجسد البشري !!

المراجع :
1-Fernando Botero, Mariana Hanstein,2003 Taschen, Germany
2- Washington post 2007 http://www.washingtonpost.com/wp-
dyn/content/article/2007/11/02/AR2007110200652.html?sub=AR
3- http://en.wikipedia.org/wiki/American_University_Museum
4- http://en.wikipedia.org/wiki/Fernando_Botero

لوحة وتعليق: الصرخة - إدفارد مونش

لوحة وتعليق: الصرخة - إدفارد مونش

 
رسم إدفارد مونش Edvard Munch الرسام النرويجي الشهير والذي عاش بين 1863- 1944، لوحته الزيتية "الصرخة" "The Scream / or The Cry "، عام 1893.
وتعتبر هذه اللوحة التعبيرية "تجسيداً حديثاً للقلق"، وقد تصل قيمتها حسب تقديرات وسائل الإعلام النرويجية إلى ثمانين مليون دولار.
ويقول يورون كريستوفرسن الناطق باسم متحف مونش إن لوحة الصرخة عمل فني لا يقدر بثمن وهي تمثل رجلاً يعكس وجهه مشاعر الرعب واقفاً على جسر وهو يمسك رأسه بيديه ويطلق صرخة، على خلفية من الأشكال المتماوجة وتدرجات اللون الأحمر الصارخة.
(عن موقع الجزيرة بتصرف http://www.aljazeera.net/News/archive/archive… )
" الصرخة هي أشهر أعمال الفنان إدفارد مونش. وقد اكتسبت هذه اللوحة، رغم بساطتها الظاهرية، شعبية كاسحة خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.ربما يعود سبب شهرة هذه اللوحة إلى شحنة الدراما المكثفة فيها والخوف الوجودي الذي تجسده.
في الجزء الأمامي من اللوحة نرى طريق سكة حديد، وعبر الطريق نرى شخصاً يرفع يديه بمحاذاة رأسه بينما تبدو عيناه محدقتين بهلع وفمه يصرخ . وفي الخلفية يبدو شخصان يعتمران قبعتين، وخلفهما منظر طبيعي من التلال.
كتب إدفارد مونش في مذكراته الأدبية شارحاً ظروف رسمه لهذه اللوحة:
"كنت أمشي في الطريق بصحبة صديقين، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما غمرني شعور مباغت بالحزن والكآبة. وفجأة تحولت السماء إلى لون أحمر بلون الدم. توقفت وأسندت ظهري إلى القضبان الحديدية من فرط إحساسي بالإنهاك والتعب.واصل الصديقان مشيهما ووقفت هناك أرتجف من شدة الخوف الذي لا أدري سببه أو مصدره. وفجأة سمعت صوت صرخة عظيمة تردد صداها طويلاً عبر الطبيعة المجاورة."
عندما يتذكر مؤرخو الفن إدفارد مونش فإنهم يتذكرونه بسبب هذه اللوحة بالذات، ربما لأنها لا تصور حادثة أو منظراً طبيعياً، وإنما حالة ذهنية. الدراما في اللوحة داخلية، مع أن الموضوع مرتبط بقوة بطبوغرافية أوسلو مدينة الفنان.
المنظر الطبيعي المسائي يتحول إلى إيقاع تجريدي من الخطوط المتموجة، والخط الحديدي المتجه نحو الداخل يكثف الإحساس بالجو المزعج في اللوحة.
لوحة الصرخة لإدفارد مونش تحولت منذ ظهورها في العام 1893 إلى موضوع لقصائد الشعراء وصرعات المصممين، رغم أن للفنان لوحات أفضل منها وأقل سوداوية وتشاؤماً ! "
(عن منتدى دار الندوة http://www.daralnadwa.com/vb/showpost.php… )
ويقول الدكتور شاكر عبد الحميد في كتابه عصر الصورة الصادر عن سلسلة عالم المعرفة 311 يناير 2005 " إن لوحة الصرخة الشهيرة لإدفار مونش مثلاً التي رسمها عام 1893، قد وجهت لتصوير ذلك الألم الخاص بالحياة الحديثة، وقد أصبحت أيقونة دالة على العصاب والخوف الإنساني. في اللوحة الأصلية تخلق السماء الحمراء شعوراً كلياً بالقلق والخوف وتكون الشخصية المحورية فيها أشبه بالتجسيد الشبحي للقلق. ومثلها مثل كثير غيرها من اللوحات الشهيرة فقد تم نسخ الصرخة وإعادة إنتاجها في بطاقات بريد وملصقات إعلانية وبطاقات أعياد الميلاد وسلاسل مفاتيح، واستخدمت كذلك كإطار دلالة في فيلم سينمائي سمي الصرخة ظهر عام 1996 وتجسدت اللوحة في أقنعة بعض الشخصيات في الفيلم ، حيث كان القاتل يرتدي قناعاً مستلهماً منها. الجدير بالذكر أن هذه اللوحة التي وصل ثمنها إلى ثمانين مليون دولار قد سرقت من متحف مدينة أوسلو في النرويج خلال شهر أغسطس 2004 على رغم وجود كاميرات تصوير متعددة ضد السرقة داخل المتحف وخارجه ".
وأخيراً .. يمكننا القول أنه يمكن توظيف اللوحة وفهمها ضمن أطر متعددة .. وبعضهم اجتزأ من اللوحة السماء واللون الأحمر، وبعضهم ركز على الوجه فقط دون المحيط.
وتتعدد تفسيرات اللوحات بتعدد المشاهدين .. كل يرى شيئاً قد يكون مختلفاً .. ولكن يبقى المعنى العام لأية لوحة ولهذه اللوحة محدداً بمكوناتها الأساسية .. حيث تبرز هنا معاني الرعب والخوف الشديد والألم النفسي، والوحدة بشكل مكثف وإبداعي ومؤثر .. فالوجه قد استطال وتشوه من شدة الخوف وملامح الوجه مطموسة نسبياً كالعينين والحاجبين والأنف وأما الفم فهو مفتوح ويصرخ؟ والعينان شاخصتان بشكل مبالغ فيه .. واليدان تغطيان الأذنين .. وبالطبع فإن وجود الشخصين القادمين يمكن أن يحمل أكثر من معنى .. والجسر المرتفع والهاوية تحته كذلك .. وأما السماء والطبيعة المحيطة والألوان الصارخة والقوية والداكنة فهي تضفي أجواء خاصة كابوسية وغريبة. ومن المثير في شرح الفنان للصورة في مذكراته " أنه سمع صرخة مدوية لها صدى .. بعد أن انتابه خوف شديد وشعور بالحزن وتغير في لون السماء إلى اللون الأحمر .. " وكل ذلك يشبه تجربة ذهانية حادة وقصيرة .. ولاندري هل هذه صرخة كونية من السماء ؟ أم من أعماق النفس البشرية ؟ أم أنها مزيج منهما معاً ؟.. وهل كل هذا الرعب بسبب الصرخة التي سمعها فأطلق صرخة رعب دفاعية هو أيضاً ؟ والمهم أن الفنان استطاع أن يبدع هذه اللوحة مهما كانت التفاصيل والتفسيرات والغموض الذي يحيط بها ..
ويقولون أن " الشعر هو خلاصة الخلاصة ".. ويبدو أن اللوحة الفنية الإبداعية يمكن أن تكون تكثيفاً وخلاصة لكلمات ومعانٍ وانفعالات وصراعات وأفكار كثيرة .. فهي أيضاً خلاصة الخلاصة ..
د. حسان المالح 2005

ملاحظات نفسية حول فيلم"عقل جميل" Beautiful Mind:

ملاحظات نفسية حول فيلم"عقل جميل" Beautiful Mind:

الدكتور حسان المالح - استشاري الطب النفسي - دمشق
يحكي هذا الفيلم قصة حياة أستاذ جامعي عبقري متخصص في الرياضيات، وهو يعاني من مرض الفصام واسمه جون ناش John Nash من مواليد 1928. حيث صور الفيلم وبشكل متقن وشيق ومثير معاناته مع أعراض المرض. وهي تتلخص بهذيانات وأفكار الملاحقة والاضطهاد، وهلوسات سمعية وبصرية يرى فيها شخصيات متنوعة تكلمه وتهدده وتعطيه أوامر وتستهزئ به (من المخابرات الأمريكية).
وقد تم إدخاله للمشفى النفسي عدة مرات حيث أعطي أدوية نفسية، وصدمات الأنسولين (وهي تسبب نقصاً في سكر الدم ثم نوبة صرع واختلاج كانت تعتبر مفيدة في علاج الحالات النفسية الشديدة في منتصف القرن الماضي وما قبله ثم توقف استعمالها نظراً لخطورتها).
وتتطور أحداث الفيلم حيث نجد أن المريض قد تحسن لأنه قرر أن يتجاهل الهلوسات التي يتعرض لها وأن لا يدير انتباهه إليها. وأن يتابع حياته اليومية في الجامعة حيث دأب على متابعة نظريات له عندما كان شاباً فيما يتعلق "بنظرية التوازن" و"نظرية اللعب" في الرياضيات. وقد ساعدته زوجته بتفهمها ورعايتها وعطائها إلى أن نال جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1994. حيث وجه لها كلمة شكر في حفل تكريمه بالجائزة وأنها هي التي أوصلته إلى النجاح.
والفيلم جميل ومتقن ومؤثر بلغته البصرية وأحداثه .. وقد نال عدة جوائز أوسكار عام 2001. وهو مأخوذ عن سيرة ذاتية للكاتبة سيلفيا نسر Silvia Nasser كتبت عن سيرة حياة جون ناش. وهذا الفيلم ليس فيلماً وثائقياً أو واقعياً.
وقد أغرق الفيلم في الخيال والرومانسية وابتعد عن الواقع في عدة جوانب..وكما قال عنه بعض النقاد إن الفيلم ليس قريباً أبداً من تعقيدات الحياة الواقعية التي عاشها جون ناش.
ويذكر أحد النقاد أن الفيلم قد حذف عدة أمور من حياة جون ناش ومنها علاقاته الجنسية الشاذة، وأن له ابناً غير شرعي أصيب بمرض الفصام، وأنه طلق زوجته ثم عاد إليها بعد حصوله على جائزة نوبل(1).
ويذكر ناقد آخر أن جون ناش قد ألمح أثناء كلمته في حفل تكريمه بجائزة نوبل أنه كان يتناول مضادات الذهان الحديثة ( التي تعالج حالات الفصام). ولم يكن ذلك صحيحاً. حيث أضاف ذلك كاتب السيناريو الذي نبهته والدته لضرورة إضافة تلك العبارة وهي طبيبة نفسية، كي لا يتأثر جمهور المشاهدين ويقوموا بترك العلاجات الموصوفة لهم.
ومن المعروف في ميدان الطب النفسي أن مرض الفصام مرض مزمن يؤدي إلى تدهور الشخصية وتدهور أدائها المهني والاجتماعي. وهذه قاعدة عامة لا تمنع من وجود بعض الاستثناءات، حيث يتعامل الشخص مع مرضه وفقاً لظروفه وشخصيته وطريقته الخاصة به .. ومن المعروف أن عدداً من الشخصيات العبقرية والمشاهير في التاريخ الإنساني في مختلف المجالات الفكرية والأدبية والفنية والرياضية والعلمية والدينية والسياسية وغيرها، كانت تعاني من حالات نفسية شديدة مثل الفصام أو الزور ( جنون العظمة والارتياب) أو اضطراب المزاج ثنائي القطب أو الاكتئاب أو غيرها من الاضطرابات النفسية..
وهناك عدة قوائم تضم عدداً من المشاهير منشورة في الانترنت .. وهي مصابة بمرض الفصام.. ومنهم: Antoin Artaud وهو كاتب مسرحي فرنسي وممثل ومخرج وشاعر- Ash Lieb ممثل وكاتب وكوميدي أمريكي - Bob Mosley موسيقي شهير - Eduard Einstein ابن ألبرت إينشتاين وغيرهم ..(2).
وأما حالات الاضطراب المزاجي ثنائي القطب فهي عموماً ترتبط بالإبداع .. ولاسيما في حالات النشاط الزائد أو نوبات الهوس أو تحت الهوس (الهوس الخفيف). حيث يصبح الشخص أكثر نشاطاً وجرأة وتفاؤلاً وإنتاجاً .. ومن المشاهير المصابين بهذا الاضطراب: الفنان النرويجي إدفارد مونش صاحب لوحة الصرخة الشهيرة - فيرجينيا وولف - فريدريك نيتشه - مارلين مونرو - فرانك سيناترا - بريتاني سبيرز - روبين وليامز - ليندا هاميلتون .. وغيرهم.
كما أن نوبات الاكتئاب قد رافقت حياة كثير من المبدعين والمشاهير مثل: بودلير - تشرشل - تشارلز داروين - الأميرة ديانا - ميشيل فوكو - أرنست همنغواي - أنطوني هوبكنز - ليو تولستوي - وودي ألان - بوريس يلتسين - مايك تايسون وغيرهم..(3).
ومما لا شك فيه أن فيلم "عقل جميل" قد أعطى صورة إيجابية عن المرض النفسي بشكل عام .. وكان بطل الفيلم شخصية مشهورة ومحببة على الرغم من مرضه. ويمكن للمشاهد أن يتعاطف معه وأن يعجب به.
وبالطبع فإن الفن السينمائي له تأثيراتها العميقة على المشاهدين وهو يساهم في تأكيد أفكار إيجابية ومواقف مفيدة متنوعة وفقاً للموضوع الذي يتناوله.
وهذا الفيلم مساهمة هامة يمكن لها أن تساعد في تعديل عدد من النظرات السلبية عن المرض النفسي والتخفيف منها في جميع المجتمعات. وأن تقدم رسالة إيجابية مختصرة مفادها أن الجميع معرض للإصابة بالاضطراب النفسي بما فيهم العظماء والمشاهير. وأن الاضطراب النفسي يمكن التعامل معه، ويمكن للحياة أن تستمر وأن يعيش المريض حياته، وان يكون ناجحاً ومنتجاً بدرجات متفاوتة.
ومن النواحي السلبية لا بد من الإشارة إلى أن منتجي الأفلام التجارية يقومون بتبسيطات شديدة أحياناً، أو مبالغات مثيرة .. وهذا جزء من الصنعة السينمائية بالطبع .. ولكن من الممكن أن تسيء هذه المبالغات أو التبسيطات إلى الحياة الواقعية .. ومثلاً أوضح الفيلم أن علاقة المريض بزوجته وحبها ورعايتها له قد ساهم في تحسنه ونجاحه بدرجة كبيرة.. وهذا أقرب إلى التمني والخيال منه إلى الواقع الذي عاشه جون ناش شخصياً. وبالتأكيد فإن الدعم النفسي والمشاركة مع الآخر مفيدة في إنذار مرض الفصام وتطوره وفي إعادة التأهيل.
كما طرح الفيلم أن بإمكان المريض بالفصام أن يتجاهل أعراضه وهلوساته ببساطة .. وهذا غير واقعي بالطبع. وطرح أيضاً أن بإمكان المريض أن يشفي نفسه بنفسه دون عون طبي .. وهذا أيضاً مبالغ فيه وغير واقعي أو علمي.
وتعكس هذه النقاط السلبية السابقة عدداً من القيم الغربية والإنسانية العامة .. مثل أهمية الحب وأنه يصنع المعجزات، والتأكيد على إرادة الفرد وحريته ( الإنسان المتفوق Superman). وعندما يداعب المخرج بفيلمه مثل هذه الأفكار ويعرضها بطريقة مشوقة، فإنه سيلاقي جمهوراً وصدى ناجحاً لعمله.
وهناك عدد من الأفلام الأخرى الشهيرة التي تناولت موضوعات نفسية مرضية ومنها(4):
David and Lisa (1968)
"Keane" (2004) dir by Lodge Kerrigan
Canvas (2006)
Shutter Island (2010)
Benny & Joon (1993)
The Hours (2002)
The Soloist (2009)
Girl, Interrupted (1999)
Ordinary People (1980)
The Fisher King (1991)
One Flew Over the Cuckoo's Nest (1975)
وتتفاوت جودة كل فيلم منها وواقعيته وإيجابياته بالنسبة للجمهور العام.
وفي الفيلم الأخير "طار مرة فوق عش الغراب" (1975) فوائد عديدة .. إلا أنه طرح موضوع العلاج بالصدمة الكهربائية بشكل غير مناسب أو علمي .. كما طرح أن بإمكان المريض أن يشفى من حالة الفصام الجمودي بأساليب غريبة فردية وإيحائية.
once Flew - Jack Nicholson
وببساطة ..لا يمكننا أن نطالب الفن السينمائي أن يكون موضوعياً وعلمياً في عرضه للحالات المرضية النفسية .. وبالطبع كلما كان الفيلم موضوعياً وعلمياً كلما كان ذلك أفضل. وهناك أفلام وثائقية وأفلام علمية يمكن لها أن تقوم بهذا الدور العلمي والتعليمي. وهي موجودة في مكتبة الجامعات والمراكز الطبية وهدفها تعليمي ووثائقي بالدرجة الأولى. كما أن مشاهدتها تقتصر على فئة محدودة من الاختصاصيين والطلبة. ومن المفيد أن تعرض بعض القنوات العالمية بعض هذه الأفلام .. وهذا يحدث أحياناً.
ومثال ذلك هذا الفيلم الوثائقي:(5) “My Name is Alan, and I Paint Pictures” .
كلمة أخيرة .. لا بد من الإشارة إلى أن الفن السينمائي هو فن "الفرجة"، وهو فن بصري بامتياز له أدواته وتأثيراته العميقة على جمهور المشاهدين .. وهو يختلف عن الفنون الكتابية المتنوعة في أدواته، وفي إمكانية وصوله إلى جمهور واسع جداً .. ولابد من استخلاص الفوائد الفكرية والاجتماعية والنفسية من هذا الميدان إضافة للمتعة والفرجة والتسلية. ويمكننا أن نقول أن هذا الفيلم أراد أن يتحدث عن سيرة عقل مبدع ومريض ..لكنه حوله إلى عقل جميل .. وقد نجح في ذلك بامتياز.
A Beautiful Mind
Russel Crowe-Ed Harris-Jeniffer ConnlleyٍStarring:
www.youtube.com/watch?v=ojmWRWijVfQ
المراجع:
http://www.slate.com/…/cultur…/2001/12/a_real_number.html(1)
(2)http://en.wikipedia.org/w…/List_of_people_with_schizophrenia
(3)http://www.healthcentral.com/bipol…/…/2149/oval-office-mania
(4)http://blog.nami.org/…/top-10-movies-about-mental-illness.h…
(5)http://www.dishonline.com/shows/133663/videos/417459
تم النشر في 21/1/2015

الشعر والانتحار - عرض نقدي لفيلم "شعر" Poetry:

الشعر والانتحار - عرض نقدي لفيلم "شعر" Poetry:

الدكتور حسان المالح- استشاري الطب النفسي - دمشق - العيادة النفسية الاستشارية - أستاذ في الجامعة العربية الدولية
مقدمة:
يصنف فيلم شعر كفيلم درامي ومدته 139 دقيقة إنتاج 2009 كوريا الجنوبية ، وقد حاز على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان 2010.
يقول لي تشانغ دونغ Lee Chang-Dong كاتب ومخرج الفيلم في مؤتمر صحفي له بعد عرض الفيلم في مهرجان كان : إن معنى عنوان فيلمه “شعر” لا يعني باقة أزهار جميلة بذاتها .. بل يعني الحياة نفسها .. ومهما كانت الحياة بشعة فإن هناك أشياء جميلة في داخلها .. وهذا ما حاولت أن أعرضه في الفيلم .
وبعد متابعة ما حدث للمرأة العجوز وسعيها لاستعادة جمال الحياة من خلال الشعر يتمنى المخرج أن يخرج المتفرجون من الفيلم بتساؤلات مفيدة عن حياتهم .
إن موضوع فيلم شعر واسع جداً ويمكن تفسيره بأشكال متعددة لا تنتهي .. ويمكن للمتفرج أن يفسره بطريقة تناسبه وتناسب حياته .. وهكذا الشعر.
يتضمن الفيلم حادثتا انتحار وهو قصة حزينة حول إمرأة تبحث في نهاية عمرها عن معان جديدة .. وقد وجدت بعد حضوري للفيلم في مهرجان دمشق السينمائي أن أقوم بعرض نقدي للفيلم كمتفرج وكطبيب نفسي .
حول أحداث الفيلم:
تدور أحداث الفيلم في مدينة ريفية صغيرة في كوريا الجنوبية ، وبطلة الفيلم إمرأة جميلة في ستينيات عمرها تعيش مع حفيدها المراهق ، بعد طلاق ابنتها وذهابها للعمل في العاصمة تاركة ابنها في رعاية جدته التي تعمل كخادمة منزلية بدوام جزئي لدى رجل أعمال مسن لديه شلل في أطرافه العلوية والسفلية وصعوبة في النطق .
تبدأ الأحداث بزيارة البطلة للطبيب وهي تشكو من صعوبة في تذكر أسماء بعض الأشياء وطلب منها تحاليل إضافية وفحوصات وكانت النتيجة أنها تعاني من حالة خرف شيخي " ألزهايمر" في مراحله الأولى . وقد أخفت ذلك عن ابنتها خلال محادثاتهما التلفونية وأخبرتها أنها بصحة جيدة وهي ليست كذلك .
والحدث التالي كان في التحاقها بدورة لتعلم الشعر وحضورها دروساً أسبوعية في المركز الثقافي للمدينة وكانت تسأل الأستاذ عن صعوبة كتابة الشعر وأنها تريد أن تتعلم وأنها تسعى لكتابة قصيدة واحدة فقط .
والحدث الآخر كان انتحار مراهقة برمي نفسها من الجسر الرئيسي المطل على النهر وكانت في نفس صف حفيدها وعندما سألته عنها وعن أسباب انتحارها كذب عليها وقال لها أنه لا يعرفها .. وقد حضرت حفل تأبين تلك الفتاة في الكنيسة وتأثرت بموتها وتفجع أمها على فقدانها ، واستمعت للتراتيل الدينية حول نجاة روحها وصعودها للسماء. وهناك عدد من المشاهد التي تصور حفيدها في المنزل بشكل غير مبال وهو يأكل الطعام الذي تعده الجدة ولا يتحدث معها إلا بجفاء وعصبية وهي تحتويه وتطالبه بالمزيد من الترتيب والسلوك الحسن .
وفي حدث هام يحدث في المنزل الذي تعمل فيه ، كانت تغسل العجوز المشلول في الحمام وتفرك جسده بالصابون ، فطلب منها أن تمارس الجنس معه لقاء زيادة الأجرة وانزعجت ورفضت ولم تعد للعمل عنده .
وتتطور الأحداث بزيارة والد أحد التلاميذ في مدرسة حفيدها لها ،وهو يخبرها أن الفتاة المنتحرة قد تم اغتصابها من قبل شابين في المدرسة ومن ثم صار ستة تلاميذ يمارسون معها الجنس خلال عدة أشهر وأنها في النهاية قد انتحرت . وأن أم الصبية المنتحرة قد علمت بالقصة ولا يزال ذلك خافياً على أجهزة الشرطة وأن آباء التلاميذ الستة يحاولون التفاهم مع والدة الصبية المنتحرة وإعطائها مبلغاً كبيراً من المال كي لا يتم اعتقال الصبية واتهامهم باغتصاب الفتاة وسجنهم ،وأن عليها أن تؤمن مبلغاً من المال لأن حفيدها هو التلميذ السادس .
وهناك تفاصيل بطيئة ومشاهد متنوعة..ثم تتطور الأحداث وتقوم البطلة بزيارة لوالدة المراهقة المنتحرة وتتحدث معها بأمور عامة أثناء عملها في الحقل وتتأثر بكلماتها وفقدانها ، ثم تزور جسر المدينة وتتأمل كيف حدث انتحار الصبية وهي ترتدي قبعة بيضاء طارت من رأسها وهوت إلى النهر .. وبعد ذلك تعود إلى العجوز المشلول بشكل مفاجئ وتغسله وتمارس معه الجنس مرة واحدة ، وكان قد أوضح لها أنه يتمنى قبل موته أن يفعل ذلك .
وبعد ذلك تأتي بصورة للصبية المنتحرة وتضعها على طاولة حفيدها .. وقد تجاهل حفيدها الصورة وتابع طعامه دون اكتراث .. وفي حوار لاحق معه يبدو واضحاً أن الشاب المراهق يتصرف بشكل غير مسؤول ولايكترث لآلام الآخرين وأحاسيسهم ولا يبادل جدته أي مشاعر أو حسن سلوك .
فيما بعد طلبت من العجوز المريض مبلغ المال الذي عليها أن تدفعه للتفاهم مع والدة الصبية المنتحرة وأعطاها إياه وسلمته لوالد أحد التلاميذ كي يقدموا المبلغ لأم الصبية المنتحرة .
تتسارع الأحداث مع اقتراب نهاية الفيلم حيث نجد أن الشرطة قد قبضت على حفيدها حيث انكشف موضوع الاغتصاب تدريجياً ، وبسرعة نصل إلى قصيدة كتبتها البطلة وصار يقرؤها أستاذ الشعر للطلبة ورافق ذلك موسيقى تصويرية هادئة وجميلة .. وفي القصيدة أن روحها ستحلق نحو الأعلى وأنها سعيدة في الوصول إلى الراحة والطمأنينة في السماء وأن حياتها وكفاحها قد سارا في الاتجاه الطبيعي مثلما ينتهي النهر في البحر الكبير ويمتد إليه .. وينتهي الفيلم بلقطة جميلة قريبة من مستوى تدفق النهر وجريانه الدائم.
تعليقات:
1- الانطباع الأولي حول الفيلم أنه حزين وكئيب نسبياً .. وبعض مشاهده وحواراته كانت طويلة ومتشعبة دون داع.. مما جعل إيقاعه العام بطيئاً نسبياً وقد غادر القاعة عدد من المشاهدين .
2- يتضمن الفيلم حادثتي انتحار في بدايته ونهايته .. وأجد أن هناك علاقة تشابه بين هذين الانتحارين .. على الرغم من اختلافهما الظاهري .. والصبية المراهقة انتحرت بعد ممارستها الجنس مع عدد من التلاميذ في قاعة المختبر في المدرسة دون أن يلاحظ أحد ذلك .. وفي سلوكها خروج عن التقاليد وتمرد .. وكانت البداية أنها قامت بذلك دون إرادتها أي كان ذلك اغتصاباً ثم تحولت ممارساتها إلى موافقة ورغبة وسلوكاً طائشاً.. ويبدو أن صراعاتها النفسية الداخلية المرتبطة بالجنس والقيم الاجتماعية والدينية في بيئتها الخاصة قد ساهم في اختيارها للانتحار وإنهاء حياتها بدلاً عن الاستمرار فيها . ويبقى انتحارها مأساة مؤلمة ولكنه يعبر عن اضطراب في نضجها العقلي والانفعالي وعن تناقضات في سلوكها ورغباتها الطائشة ، في مرحلة عمرية حرجة وفي مجتمع معين اضطربت فيه القيم وتصارعت فيه قيم الأبناء مع قيم الآباء ولكنه لا يزال مجتمعاً شرقياً في قيمه وتقاليده الاجتماعية والدينية (مجتمع المدينة الريفية الصغيرة المتطورة رأسمالياً وتقنياً في كوريا الجنوبي).
3- "الانتحار الجميل" أو الموت الرحيم ربما يشبه موت البطلة وانتحارها في نهاية الفيلم أو هكذا أراد لها المخرج .. ويبقى هذا الاختيار فردياً وشخصياً جداً ولا يمكن أن يوافق عليه كثيرون..ويتبين من سيرة شخصيتها أنها تحب الاعتماد على نفسها وأنها تحاول أن تربي حفيدها على ذلك .. ومرض الخرف يتميز بأنه تدهور تدريجي في الذاكرة يتطور خلال سنوات إلى حالة اعتمادية كاملة على الأهل والمحيط .. وهي ترفض حالة الاعتمادية هذه بعمق ويبدو أن هذا الرفض قد ساهم باتخاذها لقرار الانتحار والخلاص . ومن ناحية أخرى نجد أنها قد فقدت الأمل في حفيدها أو ربما في الجيل الجديد غير المبالي وغير المقبول بسلوكه العام وسلوكه مع جدته ..وهذا أضاف لإحباطها وغضبها مما ساهم أيضاً في قرار انتحارها. وقد أوضح المخرج لنا عن شخصيتها مدى حساسيتها وتعاطفها مع آلام الآخرين في عدة مشاهد ، كما أنها مارست الجنس مع العجوز المريض كعمل خيري ومعاونة له على تحقيق أمله .. أو هكذا بدا الأمر للمشاهد . ولكن لا يمنع أن هناك شعوراً بالذنب قد رافق ذلك من الناحية النفسية العميقة وساهم في غضبها على نفسها وفي قرار انتحارها. وعادة تظهر مشاعر النقمة العامة والنقمة على الذات من خلال عوامل تربوية وقيم داخلية ودينية أو عوامل محيطية خارجية ومنها سلوكها غير المقبول اجتماعياً بممارسة الجنس مع العجوز المريض ، يضاف لذلك إحباطها وضياع الفرص أمامها في حياتها الجنسية بسبب التقدم في العمر .. كل ذلك الغضب والنقمة والإحباط تفاقم تدريجياً وظهر في قصيدة الانتحار وقراره .
ويبقى أنها استطاعت أن تعبر وبشكل أدبي فيه كلمات وتعابير دينية تشبه التطهر من الإثم في أن روحها ستسبح إلى أعلى حيث السكون والراحة الأبدية .. وقد حققت بذلك أمنيتها في أن تكتب قصيدة شعرية واحدة كانت بمثابة ملاحظات وكلمات انتحارية تعود المنتحرون على كتابة مثل ذلك قبل أن يتخذوا قرارهم النهائي في الانتحار .
4- وتبقى أسئلة عديدة يمكن للفيلم أن يطرحها ..
- هل انتحار بطلة الفيلم مبرر بشكل أو بآخر .. وهل يمكننا تبرير الانتحار أصلاً أم ربما يمكننا محاولة تفسيره ؟
هل تغير القدرات العقلية وتدهورها يفسر الانتحار ؟ وتدل الدراسات أن خطر الانتحار يزداد مع وجود الأمراض العضوية المزمنة أو النفسية .
- هل هناك ضياع في أبناء هذا العصر وجيله الجديد من حيث القيم والسلوك والاختيارات .. وهل يفسر ذلك للأهل انتحارهم من خلال شعورهم بالفشل واليأس والفقدان والإحباط الشديد بأن جهودهم التربوية من أجل أبنائهم أصبحت هباءً وأن أبناءهم لا ينتمون إليهم ولا يمكنهم أن يقدموا لهم بالمقابل شيئاً.
- هل يبرر الشعر الانتحار أو يدعو إليه ؟ وتدل الدراسات على أن الأدباء والشعراء أكثر تعرضاً لاضطرابات المزاج ونوبات الاكتئاب من عموم الناس ، وأن بعضهم ينهي حياته منتحراً كصرخة أخيرة على الظلم والبؤس وضياع الأحلام وغير ذلك من المعاني النبيلة .
وأخيراً .. يبقى أن الشعر هو رؤية ذاتية للحياة تصوغها اللغة والكلمات والانفعالات وهو يسعى نحو إثارة الجمال ويبعث على الراحة والمتعة ويساعد على حل الصراعات الذاتية والعامة ، وهو يتعامل مع حالات الإنسان المختلفة ومع المعاناة والألم النفسي ومع الواقع الفردي والاجتماعي والحياة ..
ومن الشعر ما يقدس الحياة ويداوي جراحاتها ويزرع الأمل ويقاوم الملل ويوسع الرؤية بعد ضيقها .. ومنه ما يغرق في الألم واليأس والموت ويجعل لذلك طعماً عذباً يتجرعه ويسعى إليه .
ويبقى للمشاهد والقارئ رأيه وأسئلته وهكذا الفن والأدب والشعر .
المراجع:
- موقع حياتنا النفسية www.hayatnafs.com
- http://www.fest21.com/…/lee_chang_dong_reveals_the_meaning_…
- http://www.imdb.com/title/tt1287878
تم النشر في 14/11/2009

الثقافة الجنسية الصحية .. ضرورة لابد منها:

الثقافة الجنسية الصحية .. ضرورة لابد منها:

الدكتور حسان المالح - استشاري الطب النفسي - دمشق- العيادة النفسية الاستشارية - شارع العابد - جادة المطعم الصحي -2322841
تعتبر الثقافة الجنسية في أحد جوانبها جزءاً من الثقافة الصحية العامة .. وهي ترتبط بالثقافة الاجتماعية السائدة والقيم الفكرية والتربوية والدينية في المجتمع .
وإذا نظرنا إلى الثقافة الجنسية من منظار الثقافة الصحية العامة .. نجد أن البحث عن تنمية الوعي الصحي العام بما فيه الوعي النفسي لابد أن يتطرق إلى القضايا الجنسية والثقافة الجنسية الصحية .. نظراً للعديد من الارتباطات فيما بينها .
وقد مرت الثقافة الجنسية بمراحل وتطورات عديدة وفقاً لتركيبة المجتمع وظروفه وثقافته .. ولا تزال النظرة إلى موضوع الثقافة الجنسية مشوهة وخاطئة في مجتمعاتنا .. وفيها كثير من الخرافات والمعلومات الخاطئة .. والتي تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في عدد من الاضطرابات الجنسية والنفسية والاجتماعية ..
ويعتقد البعض أن الثقافة الجنسية تتعارض مع الدين أو أنها تشجع الإباحية والتفلت الأخلاقي .. وهذا بالطبع غير صحيح .. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة كيف يأتون أهليهم وماذا يقولون عند الجماع .. والفقه الإسلامي يتناول القضايا الجنسية بصراحة ووضوح وبشكل منطقي وعملي وأخلاقي وتربوي .
ومن الناحية الطبية تعتبر المعلومات الجنسية الصحيحة ضرورية .. كي يعرف الإنسان نفسه ذكراً كان أم أنثى .. والأعضاء الجنسية جزء من تكوين الجسم الإنساني وتشبه باقي أعضائه في وظائفها الطبيعية وفي أمراضها المتنوعة ..
والمعلومات الطبية والعلمية الصحيحة تساهم في معرفة الإنسان لنفسه ومكوناتها ورغباتها وبالتالي يسهل ذلك فهمها والسيطرة عليها والعمل على ضبطها .. ولاسيما في ظروف تربوية وأخلاقية ودينية مناسبة .
وكثيراً ما تواجه القضايا الجنسية في مختلف المناسبات العامة والاجتماعية والعلمية وحتى الطبية .. بستار ثقيل من الصمت أو الإحراج أو الجهل أو التجاهل .. أو بمزيج من ذلك جميعاً ..
وقد يختلف علماء النفس والتربية حول السن المناسبة لابتداء الثقافة الجنسية العلمية .. وبعضهم يطرح تقديم هذه المعلومات في سن مبكرة .. وبعضهم يقترح سناً أكبر .. ولكن الجميع يتفقون على ضرورة إعطاء معلومات مبسطة وعلمية مناسبة وبلغة هادئة منطقية بعيدة عن الإثارة أو الابتذال ضمن إطار ما يعرف باسم " حقائق الحياة " .
كما ينصح الأهل بضرورة إجابة تساؤلات أطفالهم حول الأمور الجنسية بشكل منطقي دون إسكاتهم أو إعطائهم معلومات مضللة خاطئة . مما يساعدهم على فهم أجسامهم دون قلق أو خوف مبالغ فيه .
ومما لاشك فيه أن درجة من الحرج والقلق قد تكون مصاحبة لعملية التثقيف الجنسي الصحي .. وهذا طبيعي ومقبول نظراً لحساسية الموضوع ودقته واحتمال سوء فهمه من الآخرين .. ولكن يستدعي ذلك مواجهة الموضوع بنضج ومسؤولية وثقافة علمية صحيحة دون الهروب منه أو إغفاله ..وأيضاً يستدعي البحث عن اللغة المناسبة والمعلومة المناسبة والمكان المناسب والظرف المناسب .. دون إفراط أو تفريط ..
كل ذلك يمكن أن ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية والجنسية وعلى التخفيف من مشكلات كثيرة يساهم فيها الجهل والمعلومات الجنسية الخاطئة من مصادرها الخاطئة ..
وتبين الدراسات الخاصة بالاضطرابات الجنسية نفسية المنشأ .. أن علاج هذه الاضطرابات يعتمد في جزء كبير منه على التثقيف الجنسي وإعطاء معلومات طبية وعلمية حول الوظائف الجنسية الطبيعية للإنسان ، وأيضاً على تعديل أفكار المريض عن مفهوم الأداء الجنسي وعن عدد من الأساطير الشائعة المرتبطة بالجنس وذلك بشكل جلسات علاجية تثقيفية .. حيث تساهم هذه المعلومات بتخفيف القلق الجنسي والشعور بعدم الاطمئنان أثناء العمل الجنسي .
والموضوعات التي يمكن طرحها ضمن التثقيف الجنسي الصحي متعددة وأبسطها موضوع " الجوانب التشريحية لجسم الإنسان وللأعضاء الجنسية " وموضوع " البلوغ ومظاهره " وموضوع الحمل والولادة " وموضوع " الأمراض الجنسية بما فيها الانحرافات والشذوذ " وموضوعات " النظافة والطهارة والقضايا الفقهية المتعلقة بالجنس " وغير ذلك ..
وهناك موضوعات أكثر صعوبة مثل " موضوع الإيذاء الجنسي للأطفال " من قبل الأهل أو المعارف أو الأصدقاء ، وموضوع " الإثارة الجنسية ومراحلها " وغير ذلك .. ولا تعني صعوبة تناول بعض الموضوعات الهروب منها بل تعني تقديم العون والمعلومات والمشورة قدر الإمكان بما يتناسب مع سن المتلقي وقدراته على الفهم والاستيعاب .. وأيضاً بما يتناسب مع أسئلته والنقاط التي يطرحها هو .. وليس مفيداً إعطاء كل المعلومات دفعة واحدة .. ويمكن التدرج في ذلك وتقسيم المعلومات المتوفرة .
ولابد من الإشارة إلى أن المكتبة العربية أصبحت غنية بمؤلفات جادة تثقيفية في القضايا الجنسية .. وكثير من المؤلفين هم من الأطباء الاختصاصيين أو العامين .. وربما يكون من الرواد الأوائل الدكتور صبري القباني بمؤلفاته العديدة مثل " أطفال تحت الطلب " و" حياتنا الجنسية " و" مجلة طبيبك " منذ خمسين عاماً .. كما أصبح لدينا عدد من المجلات المفيدة في السنوات الأخيرة مثل مجلة " الفرحة " ومجلة " ولدي " وغيرها .. والتي تتناول المواضيع الجنسية وغيرها من منظور إسلامي تربوي .
وفي واقعنا الحالي نجد أن مصادر الثقافة الجنسية الشائعة تعتمد بشكل واضح على الأفلام والصور الإباحية أو نصف الإباحية من خلال أفلام السينما والفيديو والأقراص المدمجة والانترنت .. وغيرها من القصص والمجلات الخليعة التي تهدف أساساً إلى الإثارة والربح والميوعة .. وهي تنمي الخيالات المتطرفة والشاذة أو غير الأخلاقية .. وهي ممنوعة بنسب متفاوتة في معظم المجتمعات .. ولكنها تبقى مصدراً خطراً للثقافة الجنسية ..
وتلعب الممارسات الخاطئة والمحرمة بمختلف أشكالها .. دورها في تثبيت معلومات جنسية مرضية وسلوك جنسي مرفوض .. وكذلك الصدمات الجنسية المبكرة التي يتعرض لها الأطفال من الجنسين والتي يمتد تأثيرها إلى مراحل العمر اللاحقة في كثير من الحالات .. مما يطرح أهمية الوعي بها وتنمية وسائل الوقاية والحد منها ..
ومن خلال ما سبق .. يمكننا القول أن الحاجة إلى الثقافة الجنسية الصحية تبقى ضرورة لا غنى عنها .. ولابد من تطويرها وإغنائها من قبل المختصين والتربويين والمهتمين .. بما يضمن الحد من الجهل وشروره وعواقبه من جهة .. ومن الفساد والميوعة والإباحية من جهة أخرى .
تم النشر في 17/ 6 / 2003
(نشرت مقاطع من هذه المقالة في جريدة الحياة صفحة علوم وتكنولوجيا بتاريخ 7 / 7 / 2003)

اضطراب الهوية الجنسية عند الأطفال والمراهقين:

اضطراب الهوية الجنسية عند الأطفال والمراهقين:

الدكتور حسان المالح - استشاري الطب النفسي - دمشق- أستاذ محاضر في الجامعة العربية الأوربية
نظرة عامة:
نسمع أو نقرأ بين فترة وأخرى عن شاب تحول إلى فتاة بعد عملية جراحية .. وذلك في مجتمعاتنا أو في بقية دول العالم . ويرافق تلك الأخبار عادة تضخيمات إعلامية وآراء متنوعة مثيرة ..
كما نجد حولنا بعض الذكور من الأطفال الصغار أن شعورهم طويلة ولانكاد نميز أنهم ذكور من شكلهم أو تصرفاتهم..
ومن الناحية الطبية النفسية هناك اضطراب نفسي سلوكي يسمى " اضطراب الهوية الجنسية " حيث يحدث للمريض ( أو المريضة ) عدم رضا عن هويته الجنسية الطبيعية التي ولد بها ، وهو يحاول أن يتمثل باستمرار وبأساليب متعددة شكل وصفات وسلوكيات الجنس الآخر . وهذا الاضطراب نادر عموماً وليس شائعاً ، وهو يصيب الذكور أكثر من الإناث بعدة أضعاف .
ويبدأ هذا الاضطراب عادة منذ سن مبكرة ، من عمر سنتين إلى أربع سنين ، حيث يميل الطفل الذكر إلى اللعب بألعاب الإناث مثل الدمى (باربي وفلة وغيرها ) والاهتمام بمظهر شعره وثيابه بما يشبه الإناث من خلال التسريحة والشرائط وغير ذلك .. إضافة لتقليده لحركات الإناث وأساليبهم وتصرفاتهم المتنوعة . وفي حال الطفلة الأنثى التي تعاني من هذا الاضطراب نجدها تميل إلى الألعاب الجسدية الخشنة والمضاربات واللعب بألعاب الذكور مثل المسدسات والسيوف وغير ذلك والظهور بمظهر ذكوري في الشكل والسلوك والاهتمامات ..
وجوهر هذا الاضطراب هو انحراف في تمثل الطفل لهويته الجنسية الطبيعية ، وهو لايتقبل جسده وأساليب السلوك العامة المرتبطة بجنسه ، وهو غير راض عن جسده وهويته الطبيعية ، وهو يسعى باستمرار لتقليد الجنس الآخر وتمثل صفاته ورغباته وأساليبه. وفي مرحلة البلوغ والمراهقة والشباب يستمر الاضطراب عند نسبة كبيرة منهم ، وتزداد معاناتهم داخل الأسرة وفي المجتمع .. وبعضهم يلجأ إلى استعمال أدوية هرمونية للتأثير على جسمه ومظهره بما يتناسب مع شكل الجنس الآخر .. كما يلجأ بعضهم إلى طلب تغيير الجنس جراحياً ..
وتزداد في هذه الفئة عموماً الخيالات الجنسية المثلية وكذلك الممارسات الجنسية المثلية.
الأسباب:
لاتزال أسباب هذا الاضطراب غير واضحة أو محددة بشكل دقيق .. والنظريات القديمة تحدثت عن خلل هرموني ولكن الدراسات الحديثة أثبتت أنه لايوجد اضطراب في مستوى الهرمونات الذكرية في حالات الأطفال أو الكبار الذكور الذين يعتقدون ويشعرون أنهم إناث.. ومستويات هرمون الذكورة لديهم طبيعية عادة . وكذلك في حالات الإناث اللاتي يشعرن أنهن ذكور .. ومستويات الهرمونات الأنثوية والذكرية ضمن الحدود الطبيعية عادة .
وقد طرحت إحدى النظريات دور عزلة الطفل أو الطفلة وعدم توفر أقران في أعمار مشابهة من نفس الجنس مما يؤدي إلى نقص في تمثل الصفات والسلوكيات المناسبة لجنس الطفل .
وتؤكد نظريات التعلم على أن اضطراب الهوية الجنسية ينتج عن سوء تمثل للجنس الموافق ، أو تناقض وعدم ثبات في التشجيع على التمثل الصحيح للجنس الموافق .
ويبدو أن الأهل والبيئة المنزلية الأولى لها دور هام في تطور نظرة الطفل عن نفسه وتمثله لهويته الجنسية الطبيعية بشكل صحيح وسليم .. ويمكن للأهل أن يشجعوا سلوكاً جنسياً لايتوافق مع جنس الطفل .. ومثلاً عندما يلعب الطفل الذكر بدمية أو يلبس ثوباً نسائياً أو حذاء نسائياً ، ثم يجد الضحكات الإيجابية والابتسامات ممن حوله فإن هذا السلوك يمكن له أن يتكرر ويصبح سلوكاً مرغوباً فيه ..
وهناك تفسيرات عديدة لسلوك الأهل الخاطئ .. ومنها بعض المعتقدات الشعبية المتوارثة والغريبة والمرتبطة بقضايا العين والحسد .. في حال الطفل الذكر الجميل .. حيث يلجأ الأهل لإطالة شعره وإظهاره بشكل أنثوي خوفاً من الحسد !!!
ويمكن للأم أن تساهم في اضطراب ابنها الذكر من خلال علاقتها الخاصة به .. وهي تشجعه على أن يكون مثلها بدلاً من أن يشبه أبيه وذلك من خلال علاقة اندماجية مرضية معه.. ويحدث ذلك بسبب الصراعات الزوجية والأسرية وتشكيل المحاور والجبهات داخل الأسرة .
كما يلعب ابتعاد الأب عن الأسرة في حالات السفر المتكرر أو الانفصال أو غيره من الأسباب .. دوراً سلبياً في تمثله من قبل أبنائه الذكور .. وكذلك في حال ضعف شخصية الأب أو اضطرابه وفشله المهني أو الاجتماعي ..
وبالطبع فإن الأساس الطبيعي لنمو وتطور الهوية الجنسية السليمة هو تمثل النماذج الموافقة جنسياً بدءاً من الإسم إلى الشكل والمظهر والسلوكيات والاهتمامات والصفات العامة ..
والحقيقة أن عمليات النضج والنمو التي يمر بها الأطفال تمر بعدة مراحل وهي تستمر في مرحلة المراهقة ومابعدها .. ونظرة الفرد عن نفسه وتقييمه لها تمر بتطورات وتغيرات وقلق وتناقضات متعددة ، وتلعب ظروف التنشئة التربوية والاجتماعية دوراً رئيسياً في الوصول إلى درجة صحية كافية من الثقة بالنفس وبالجسد وبالمكانة وبالتقدير المناسب له ، وبما يتناسب مع الذكورة أو الأنوثة.
العلاج :
يعتمد العلاج في حالات الأطفال على ضبط السلوك المضطرب ومنعه وعقابه .. وأيضاً على التوقف عن تشجيع السلوك المضطرب بشكل واضح وحازم من قبل الجميع في بيئته . ويفيد أسلوب المكافأة والتشجيع المتكرر على السلوك الطبيعي المتناسب مع الجنس وبشكل تدريجي وفقاً لتفاصيل كل حالة .
ومن الضروري التنبه للصراعات داخل الأسرة ومشكلات الأم النفسية والعملية ، وتفيد الجسات الأسرية للتخفيف من مشكلات الأسرة وتوجيه الجهود بشكل إيجابي وبناء .
وفي حالات الكبار يفيد العلاج النفسي والسلوكي في تعديل نظرة الفرد عن نفسه وفي تبنيه لهويته الجنسية الطبيعية .. وتمثل الجهود العلاجية نوعاً من إعادة التعلم وبشكل تدريجي ..وينصح بوجود معالج رجل في حالة الشاب الذي يعاني من الاضطراب مما يساهم في تبنيه لصورة المعالج الايجابية والمتفهمة من نفس الجنس مما يسهل عملية إعادة تمثل الهوية الجنسية الطبيعية، وفي حالة الشابة الأنثى ينصح بوجود معالجة أنثى لتسهيل إعادة التمثل .
وفي عدد من الحالات الشديدة يمكن إجراء عملية جراحية .. وقد وجدت الدراسات الأولية أن الجراحة علاج ناجح ورافق ذلك حماس ودعاية وأفكار خاطئة.. ولكن بعد زيادة أعداد الحالات التي تم علاجها جراحياً من خلال تغيير الجنس تبين أن هناك مشكلات نفسية واجتماعية كبيرة .. ومنها ازدياد حالات الانتحار والاكتئاب لدى المرضى المتحولين جنسياً .. وأيضاً ازدياد المشكلات الإدمانية ومشكلات الطلاق والدعارة وغيرها .. وبعضهم لم يستطع أن يتكيف مع جسده الجديد وطلب إعادته لوضعه السابق .. وهذا غير واقعي طبعاً بعد استئصال الأعضاء الجنسية الخارجية للذكر والتكوين الجراحي لأعضاء جسدية شبيهة بالأنثوية ..
خاتمة:
مما لاشك فيه أن الوقاية خير من العلاج دائماً ..وحالات اضطراب الهوية الجنسية الشديدة ليست سهلة في علاجها والتعامل معها..
وهناك حالات أخرى متنوعة من عدم الثقة بالنفس من الناحية الجنسية عند الجنسين ، وهي واسعة الانتشار ويجب تفريقها عن اضطراب الهوية الجنسية .. وفيها أن الشاب غير واثق برجولته وأنه غير جذاب للجنس الآخر ، وأنه غير جميل أو قصير القامة أو غير ذلك من عقد النقص المرتبطة بالأمور الجنسية .. وكذلك بالنسبة للفتاة حيث تشعر بأنها غير جميلة أو بدينة وأنها غير محبوبة .. وكل ذلك مرتبط بالقلق الطبيعي الاعتيادي والذي يزداد في مرحلة المراهقة عادة ..وربما يخطر ببال الشاب أو الشابة أنه (ها) شاذ جنسياً في حال تعلقه وحبه لشخص من مثل جنسه أو إذا راودته خيالات شخصية غير مقبولة .. وكل ذلك مفهوم واعتيادي ويحتاج إلى مزيد من الثقافة الجنسية الطبية وتعديل بعض الأفكار الخاطئة عن نفسه وسلوكه وبناء الثقة بالنفس والتطور الإيجابي للمهارات والقدرات الشخصية في مختلف الميادين ..
ولابد من التأكيد أن مشاعر القلق السابق ذكرها والأفكار المصاحبة لها حول الثقة بالنفس من الناحية الجنسية، لا تدل على الاضطراب المرضي في الهوية الجنسية ولاتؤدي إلى عدم الرضا عن الجسد والرغبة في التحول إلى الجنس الآخر .. والقلق هنا نسبي ولايطال جوهر الهوية الجنسية.
وفي بعض الحالات من الأشخاص الذين لديهم " اضطراب الشخصية الحدودية " والتي تتصف بتغير هويتها واهتماماتها ونشاطاتها بين فترة وأخرى .. يمكن أن تبدو هذه الحالات وكأنها تعاني من " اضطراب الهوية الجنسية " لفترة محددة ولكنها تتراجع عن سلوكياتها وتعود إلى هويتها الجنسية الاعتيادية .
كما يمكن لبعض الأشخاص من " الشاذين جنسياً " من الجنسين ، أن تظهر لديهم رغبات لتغيير ملامحهم وهويتهم الجنسية الجسدية ظناً منهم أنهم سيصبحون أكثر قبولاً من نفس الجنس .. وعادة ماتخف هذه الرغبات بين فترة وأخرى .
والجدير بالذكر أن المجتمع الحديث قد شهد تغيرات في تركيبته التقليدية وفي أنماط السلوك الذكوري والأنثوي وفي الأدوار المرتبطة بكل جنس .. وهناك بالطبع حقوق متشابهة وواجبات متشابهة للجنسين يجب تأكيدها .. وهناك تغيرات في الشكل والملبس أصبحت شائعة ومقبولة مثل الشعر القصير للجنسين وثياب الجينز والأحذية الرياضية وغيرها.. ولكن لايعني ذلك إغفال الفروقات ونقاط الاختلاف بينهما أو تركها غامضة أو مشوشة في المجال التربوي أو الاجتماعي .. ومنها الهوية الجنسية الطبيعية والفروق الجنسية والشكلية بين المرأة والرجل التي لايمكن تغييرها.
ولابد من تأكيد أن الذكر والأنثى كل منهما يحمل في داخله صفات وأدوار وهرمونات مختلطة ولكن بنسب تزداد وفقاً للجنس التشريحي الذي يحمله كل منهما .. ولابد من تصالح هذه الجوانب العميقة وتكاملها .
وأخيراً فإن الثقة بالنفس من الناحية الجنسية ترتبط بالثقة بالنفس عموماً وبصفات الجسد ومهاراته ، وهي ترتبط بالذكاء وبمجمل المهارات والصفات الشخصية والخلقية والفكرية والاجتماعية وغير ذلك .. ولابد من تنمية هذه الثقة باستمرار والحفاظ عليها ، ولابد من زيادة الوعي الجنسي والنفسي بما يساهم في المزيد من الصحة النفسية والاجتماعية ..
وفيما يلي عدد من النصائح النفسية التربوية العامة:
1- تأكيد انتماء الطفل لجنسه من خلال تشبيهه بالأب أو بالأخ أو بالخال أو العم أو غيره من الذكور .. وكذلك بالنسبة للبنت وأمها وغيرها من الإناث . وفي حال التشابه الكبير في الوجه أو البشرة أو العينين أو غير ذلك .. بين الذكر وأمه أو أخته ، لابد من إيجاد فروقات عنهن والتأكيد عليها .. وأيضاً البحث عن نقاط تشابه مع الأب وبقية الذكور في الشكل والجسد والسلوك . وكذلك الحال بالنسبة للبنت التي تشبه أخيها الذكر أو أبيها جسدياً .
2- الابتعاد عن تشجيع كل مايشوش تمثل الهوية الجنسية الطبيعية .. ولاسيما في مرحلة الطفولة مثل إطالة الشعر بشكل زائد بالنسبة للذكر وتقصير الشعر بشكل زائد بالنسبة للأنثى .
3- تشجيع تمثل الطفل بالسلوك الموافق لجنسه باستمرار .. ولابأس في الاكتشاف والتجريب والتعرف على الجنس الآخر وسلوكياته وتصرفاته وألعابه ضمن إطار حب المعرفة وتوسيع المدارك .. ولابد من التنبه إلى خطورة مثل هذه السلوكيات وضرورة ضبطها والابتعاد عنها في حال تكرارها واستمرارها .
4- مشاركة الطفل أو الطفلة في انتقاء الألعاب والهدايا والملابس .. والتنبه إلى مدلولاتها وارتباطاتها بالهوية الجنسية المناسبة .
5- التأكيد على اختلاط الطفل بأقرانه والتعلم منهم ، وأن الاختلاط بين الجنسين لايعني اختلاط الهوية الجنسية وتشويشها ، بل يعني التشابه في الحقوق والواجبات والتعلم المفيد عن الآخر.

الإثارة الجنسية الذاتية "العادة السرية" من النواحي النفسية:

 الإثارة الجنسية الذاتية "العادة السرية" من النواحي النفسية:
الدكتور حسان المالح - استشاري الطب النفسي - دمشق- أستاذ محاضر في الجامعة العربية الدولية (الأوربية) 


مقدمة عامة:
مما لاشك فيه أن الأمور الجنسية في مجتمعاتنا تحاط بالسرية والكتمان ، ويجري الحديث عنها بلغة غامضة وتعبيرات غير مباشرة .. كما أنها ترتبط بالجهل والخرافة ونقص المعلومات .. وهذا جزء من تخلف الوعي الصحي العام وتخلف الوعي الجنسي بشكل خاص.
وتعتبر المعلومات الطبية الجنسية الصحيحة ضرورية كي يعرف الإنسان نفسه ذكراً كان أم أنثى .. والأعضاء الجنسية جزء من تكوين الجسم الإنساني وهي تشبه باقي أعضائه في وظائفها الطبيعية وفي أمراضها المتنوعة.
والمعلومات الطبية والعلمية الصحيحة تساهم في معرفة الإنسان لنفسه ومكوناتها ورغباتها وبالتالي يسهل ذلك فهمها والسيطرة عليها والعمل على ضبطها ، ولاسيما في ظروف تربوية وأخلاقية ودينية مناسبة.
وكثيراً ماتواجه القضايا الجنسية في مختلف المناسبات العامة والاجتماعية والعلمية وحتى الطبية .. بستار ثقيل من الصمت أو الإحراج أو الجهل أو التجاهل .. أو بمزيج من ذلك جميعاً.
ومما لاشك فيه أن درجة من الحرج والقلق قد تكون مصاحبة لعملية التثقيف الجنسي الصحي وهذا طبيعي ومقبول نظراً لحساسية الموضوع ودقته واحتمال سوء فهمه من الآخرين ، ولكن يستدعي ذلك مواجهة الموضوع بنضج ومسؤولية وثقافة علمية صحيحة دون الهروب منه أو إغفاله .. وأيضاً يستدعي البحث عن اللغة المناسبة والمعلومة المناسبة والمكان المناسب والظرف المناسب دون إفراط أو تفريط .
كل ذلك يمكن أن ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية والجنسية وعلى التخفيف من مشكلات كثيرة يساهم فيها الجهل والمعلومات الجنسية الخاطئة.
وتبين الدراسات الخاصة بالاضطرابات الجنسية نفسية المنشأ أن علاج هذه الاضطرابات يعتمد في جزء كبير منه على التثقيف الجنسي وإعطاء معلومات طبية وعلمية حول الوظائف الجنسية الطبيعية للإنسان ، وأيضاً على تعديل أفكار المريض عن مفهوم الأداء الجنسي وعن عدد من الأساطير الشائعة المرتبطة بالجنس وذلك بشكل جلسات علاجية تثقيفية حيث تساهم هذه المعلومات بتخفيف القلق الجنسي والشعور بعدم الاطمئنان أثناء العمل الجنسي .
تعريف:
تعرف العادة السرية أو "الإثارة الجنسية الذاتية" من الناحية الطبية على أنها " إثارة ذاتية للجسم من خلال مداعبة المناطق الحساسة جنسياً ولاسيما الأعضاء الجنسية ، مما يؤدي إلى ازدياد الإثارة تدريجياً ثم الوصول إلى قمة النشوة أو الرعشة الجنسية ، ويصاحب ذلك عادة خيالات ذاتية جنسية متنوعة ثم متعة جسدية ولذة " . وتتم الإثارة الذاتية عادة من خلال الاحتكاك باليد أو بالسرير أو بالوسادة وغير ذلك.
ويمكن لها أن تبدأ منذ سن مبكرة أثناء الطفولة ، ويمكن للطفل أن يكتشفها صدفة من خلال مداعبة الأعضاء الجنسية حيث تترافق هذه المداعبات مع مشاعر لذيذة مما يؤدي إلى تكرارها .. وهي تزداد عادة في فترة المراهقة بسبب النضج الجنسي الطبيعي وازدياد مستوى الهرمونات الجنسية بشكل واضح.
وأما الاحتلام الليلي أو الأحلام الجنسية أثناء النوم فهي نوع من الحلم الجنسي الذي يترافق مع النشوة الجنسية ويصحو الإنسان وهو يتذكر شيئاً من هذا الحلم الجنسي أو لايتذكره .
وتعتبر الإثارة الجنسية الذاتية "العادة السرية" من النواحي الطبية وفي مختلف الدراسات الجنسية والنفسية ظاهرة طبيعية وليست مرضاً .. وكذلك الاحتلام الليلي . وهي ظاهرة اعتيادية واسعة الانتشار في جميع المجتمعات . وهي تدل على ازدياد الإثارة الجنسية الفيزيولوجية والتي تحتاج للتفريغ ، ويتم ذلك عادة بشكل شخصي وذاتي وسري ، وهي أقل ضرراً من النواحي الاجتماعية والأخلاقية من السلوكيات الجنسية الأخرى.
وهناك كثير من الأوهام المرتبطة بالعادة السرية في أذهان العامة وفي أذهان الشباب والشابات في سن المراهقة ومابعدها ..ومنها أنها تؤدي إلى ضعف النظر والعمى والعقم والجنون وغير ذلك .. وبعضهم يعتبرها مرضاً نفسياً يحتاج إلى العلاج ويطلب استشارة الأطباء للتوقف عنها نهائياً ..
وبعض المتعلمين والمربين لايتورع عن إسداء النصائح والإرشادات المتنوعة للتخلص من هذا الداء .. دون علم أو دراسة طبية وهم يتناقلون أفكاراً وآراءً متوارثة خاطئة لايوافق عليها العلم والطب ولايمكن تطبيقها عملياً ..وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً.
وبالنسبة للمشكلات المرتبطة بالإثارة الجنسية الذاتية فهي متنوعة.. وأكثرها شيوعاً:
1- "اعتبارها مرضاً يجب التخلص منه وأنها خطيئة أخلاقية كبيرة تعادل الزنا" .. مما يجعل الشاب أو الشابة عرضة لصراعات نفسية وقلق مستمر ، وبعضهم يعتبر نفسه مريضاً أو غير أخلاقي وأنه خرج عن إطار القيم المقبولة وهو يؤنب نفسه يومياً ويوبخها بأبشع اللعنات ويصفها بأبشع الصفات .. مما ينعكس على ثقته بنفسه وتقديره لذاته ويهيؤه فيما بعد لحالات اكتئابية أو خجل ، وفي الجانب الآخر يمكن لذلك أن يساهم في اتخاذه لسلوكيات جنسية منحرفة وغير مقبولة اجتماعياً أو أخلاقياً في المستقبل .
وبعضهم يتأثر ببعض الأفكار الشائعة الخاطئة عن أضرار العادة السرية مثل أنها " تؤدي إلى النسيان ونقص التركيز وضعف الجسم والهزال " مما يجعله متوتراً وقلقاً ويجعل ثقته بنفسه وقدراته ضعيفة وسلبية ويزيد في مشاعر النقص التي يحملها عن نفسه مما يؤثر على أدائه الدراسي أو العملي أو الاجتماعي.
كما يسعى بعضهم الآخر إلى التوقف عن ممارسة العادة السرية لفترات تطول أو تقصر وبعد أن يقع فيها مرة إضافية تنهار ثقته بنفسه وتتثبت أفكاره الخاطئة عن نفسه وأنه ضعيف وغير قادر على ضبط شهواته . ومنهم من يحاول الابتعاد عن الأمور الجنسية وعن أية خيالات ترتبط بها ويتخذ قرارات متسرعة سلبية حول مستقبله الجنسي وحول زواجه .
وعندما يعرف الشاب أو الفتاة أن مايجري له أو لها هو سلوك طبيعي وليس مرضياً ، فإن ذلك يساعده على تعديل نظرته عن نفسه ويجعله يقبل نفسه ولايحملها ما لاطاقة لها به .. كما أن ذلك يوفر له طاقات نفسية وعقلية جديدة كان يستهلكها في صراعه مع ذاته دون جدوى .
2- "الإكثار من العادة السرية" وممارستها عدة مرات في اليوم الواحد .. ويدل ذلك عادة على التوتر والقلق وعلى درجة من الإحباط وتعكر المزاج . حيث تقوم اللذة الجنسية هنا بدور علاج لهذه الحالات المزاجية السلبية من خلال اللذة المؤقتة .
ومن المفهوم أن اللذة الجنسية يمكن لها أن تعدل المزاج وتحسنه وهذا معروف في كل المجتمعات حيث تزيد الممارسات الجنسية بين الأزواج في أوقات الشدة والضغوط والأزمات الاجتماعية والمهنية والحياتية المتنوعة .. ولكنها في حالات الشباب والمراهقين يمكن لها أن تؤدي إلى نقص المهارات في التعامل مع الحالات المزاجية السلبية ، وإلى نقص في تطوير القدرات الذاتية والاجتماعية وإلى الانكفاء على النفس والعزلة .. ومن المطلوب هنا تنمية المهارات المختلفة ، وزيادة القدرات الاجتماعية، وأيضاً التعرف على كيفية التعامل مع حالات الإحباط والتوتر والتخفيف منها بعدة وسائل ناجحة وناضجة وإيجابية وليس فقط عن طريق الإثارة الجنسية الذاتية .
وفي عدد من الحالات الاكتئابية أو القلق العام والتي تصيب الشباب وتترافق مع الإكثار من العادة السرية ، نجد إنها تحتاج للعلاج الطبي النفسي والدوائي والذي يهدف إلى السيطرة على القلق أو الاكتئاب أو التخفيف من أعراضهما .
3- "الخيالات الجنسية المنحرفة" والتي يمكن لها أن ترافق العادة السرية مثل الخيالات الجنسية المثلية والخيالات الجنسية المرتبطة بالأطفال والخيالات الجنسية المرتبطة بالمحارم من الأهل والخيالات السادية أو المازوخية أو التعلق بأشياء ورموز غير جنسية أو غير جسدية مثل التعلق بالأقدام أو الألبسة الداخلية وغير ذلك .. وفي هذه الحالات لابد من التوضيح أن الخيالات الجنسية عموماً يمكن لها أن تكون غريبة وعجيبة ومتنوعة بشكل كبير ..ولايسهل التحكم بهذه الخيالات وبظهورها .. ولكنها تبقى خيالات ذاتية وشخصية وسرية في العالم الشخصي للفرد ، ويبقى المهم والأساسي هو ضبط الخيال وعدم ممارستها في الواقع العملي . وعادة يمكن لكل هذه الخيالات أن تكون عابرة ومؤقتة ولاتتكرر كثيراً . ولايعني حدوثها أن الشاب مثلاً قد أصبح منحرفاً أو مريضاً .. بل تعني أن مثل هذه الخيالات يمكن أن تحدث وأنها عابرة ، ولابد من تنمية الخيالات الطبيعية الاعتيادية بدلاً عنها ، والابتعاد عن كل مايثير مثل هذه الخيالات المنحرفة كي لاتتثبت .
وفي بعض الحالات يمكن أن تتثبت مثل هذه الخيالات المنحرفة مما يطرح ضرورة العلاج النفسي الجنسي مبكراً .
4- "الأوهام والأساطير المرتبطة بالأداء الجنسي العام" والتي تترافق مع ممارسة الإثارة الجنسية الذاتية "العادة السرية" .. مثل أهمية الجاذبية الجنسية وجمال الوجه والجسم ، أهمية حجم القضيب عند الذكر ، درجة الانتصاب وشدته ، عدد مرات الوصول للذة الجنسية في اللقاء الواحد ، أهمية الوصول إلى اللذة الجنسية بنفس الوقت بين الزوجين ، وغير ذلك .. وتساهم هذه الأوهام في نشوء الاضطرابات الجنسية المتنوعة مثل ضعف الانتصاب وعدم الثقة بالنفس من النواحي الجنسية ، ضعف الرغبة الجنسية عند الجنسين ، المخاوف الجنسية المتعددة وقلق الأداء الجنسي ، الانحرافات الجنسية ، وغير ذلك ..
وهي تساهم أيضاً في نشوء اضطرابات نفسية متعددة مثل القلق والاكتئاب والرهاب الاجتماعي وغيره .. إضافة لمساهمتها في نشوء اضطرابات الشخصية واضطرابات التكيف الاجتماعي والنفسي .
ولابد من تعديل هذه الأوهام والأفكار الخاطئة الشائعة من خلال الثقافة الجنسية الصحية السليمة.. ويكون ذلك من خلال الاطلاع والتعلم أو من خلال استشارة الاختصاصيين في الطب الجنسي أو النفسي .
وأخيراً .. لابد من الإشارة إلى أن بعض" الشخصيات المنحرفة أو الجانحة" يمكن لها أن تمارس العادة السرية وبشكل علني أو بإشراك أشخاص آخرين معاً ، وهذا بالطبع سلوك منحرف يحتاج للعقاب والضبط . كما أن بعض "حالات الفصام العقلي المبكرة" يمكن لها أن تترافق مع الإكثار من العادة السرية بسبب اضطراب في التفكير أو غرابته أو العزلة الاجتماعية ، وعندها تكون العادة السرية مرافقة لظهور اضطراب العقل ولاتكون سبباً له كما هو شائع .. وربما يفسر ذلك الفكرة الخاطئة بأن" العادة السرية تؤدي إلى الجنون ". وفي "حالات التخلف العقلي" بمختلف درجاته تكثر ممارسة الإثارة الجنسية الذاتية بشكل متكرر أو بشكل فاضح دون الانتباه إلى وجود الآخرين ، مما يستوجب التوجيه والتدريب والضبط المتناسب مع هذه الحالات .
خاتمة:
أصبحت المكتبة العربية في الوقت الحالي غنية بمؤلفات جادة تثقيفية في القضايا الجنسية ، وكثير من المؤلفين هم من الأطباء الاختصاصيين .. كما تحتوي المجلات الطبية المتنوعة على موضوعات تثقيفية جنسية مفيدة وكذلك القنوات الفضائية من خلال برامج جادة أو حوارية أو تعليمية وكذلك مواقع الانترنت الجادة .
ولكن بشكل عملي .. نجد أن المصادر الشائعة للثقافة الجنسية تعتمد بشكل واضح على الأفلام والصور الإباحية أو نصف الإباحية ، من خلال أفلام السينما والفيديو والأقراص المدمجة وبعض مواقع الانترنت ، وغيرها من القصص والمجلات الخليعة التي تهدف أساساً إلى الإثارة والربح والميوعة .. وهي تنمي الخيالات المتطرفة والشاذة أو غير الأخلاقية وهي ممنوعة بنسب متفاوتة في معظم المجتمعات ولكنها تبقى مصدراً خطراً للثقافة الجنسية .
ولابد من الإشارة هنا إلى أن الجهل والتخويف يمكن أن يؤدي إلى مشكلات متنوعة جنسية واجتماعية وأخلاقية ، كما يؤدي إلى البحث عن مصادر للمعلومات قد تكون خاطئة وسيئة ومنحرفة .
ومما لاشك فيه أن العلم نور وأن المعرفة تخفف من القلق وتساعد على الضبط وفهم الطفل أو المراهق لنفسه وأعضائه ، ويمكن أن تجنبه أمراضاَ ومشكلات كثيرة .
ولابد للمجتمع من تحسين ثقافته الجنسية الطبية وترسيخها ومواجهة الموضوعات الحرجة تربوياً واجتماعياً وإعلامياً دون أن نغمض أعيننا عما يجري حولنا أو في بيوتنا ، مما يضمن حياة أفضل للجميع ..ومن ذلك ضرورة طرح موضوعات الثقافة الجنسية الصحية المتنوعة وإغنائها،وموضوعات الملل الجنسي بين الأزواج وكيفية التعامل معه، وموضوعات الإيذاء الجنسي ومشكلاته إعلامياً وتربوياً ،وغير ذلك من الموضوعات .
ولابد من الحديث عن هذه الأمور دون إخفائها والتستر عليها ، مما يساهم في رفع مستوى الوعي العام الأسري والتربوي والنفسي في المجتمع الكبير ، وأيضاً عند الأطفال والمراهقين والشباب أنفسهم .. وضمن إطار منطقي وعملي يسعى إلى الوقاية والعلاج ، ويسعى إلى الحد من المشكلات الجنسية والنفسية المتعددة دون مبالغة أو إهمال .
تم النشر في 15/4/2009