بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 22 يوليو 2018

الفنان لؤي كيالي إبداع كبير .. ومعاناة مع اضطراب المزاج ثنائي القطب:

                          الفنان لؤي كيالي إبداع كبير .. ومعاناة مع اضطراب المزاج ثنائي القطب:
د. حسان المالح
مقدمة:
يعتبر الفنان السوري الشهير لؤي كيالي من كبار فناني الفن التشكيلي السوري ومبدعيه في العصر الحديث (1934- 1978). وهو من مواليد حلب من أسرة عريقة، بدأ الرسم مبكراً قبل بلوغه عشر سنوات، وأقام أول معرض شخصي في قاعة الثانوية الأولى في حلب عام 1952. تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة في روما - إيطاليا عام 1961، ثم عمل في التدريس في مدارس حلب ودمشق ثم في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق.

                                   
                                                                    الفنان بريشته 1961
سيرته الفنية وأعماله:
اشتهرت لوحاته برسم الوجوه (البورتريه) وتضمنت سيدات بمواضيع مختلفة، وماسحي الأحذية، وبائعي الجرائد، وبائعي اليانصيب، والسيد المسيح، وقوارب، ومرممي شباك الصيد، ومعلولا, والبحر وجزيرة أرواد، ولوحات معرضه "في سبيل القضية" عام 1967 "وهو عبارة عن 30 لوحة مرسومة بالفحم تلخص المعاناة الفلسطينية، وقد جاب بهذه اللوحات محافظات سورية كلها، وشاءت الأقدار أن تشتعل حرب حزيران والمعرض لا يزال قائماً، ما أثر في نفسيته فمزق اللوحات كلها". إضافة إلى لوحات أخرى عديدة بيعت بمبالغ كبيرة.
 
                                                        ماذا بعد؟ 1965 
                                                                                         السيد المسيح ويهوذا 1974

                                                                                              الطفل النائم 1972    

                                                                                            ماسح الأحذية-2 1963        

                                                                                                بائع الكعك 1965
   
                                                                                             من وحي أرواد-2 1976                    

                                                                                                   قوارب-6 1976
ووفقاً للناقد صلاح الدين محمد إن الفترة من 1973 إلى 1976 هي الفترة الذهبية في حياة كيالي، إذ رسم فيها كثيراً من لوحاته الهامة، واهتم بالمشاهد الجميلة، والزهور، والطبيعة، واهتم بالتفاصيل والألوان.
رحلته الحياتية كانت قصيرة، ولكن حياته الفنية كانت مليئة بالزخم والعطاء، وقد كتب عنه ثلاثة كتب على الأقل للفنان ممدوح قشلان والناقد صلاح الدين محمد والناقد طارق الشريف، ومئات المقالات وعدد من الندوات .. وما زال الحديث عنه يغري بالاستزادة والتفهم والتقدير.
وقد رسم بين 1973- 1978 أشهر لوحاته التي نعرف منها (13) لوحة في المتحف الوطني بدمشق. ‏
ووصف بأنه شخص وسيم أنيق ابن طبقة ثرية رقيق المشاعر مع شيء من نزق ومزاجية لا تخلو من طرافة
. ويذكر صديقه الفنان سعد يكن عن إعجابه الشديد بفان كوخ  والسيد المسيح.
وفي أعماله عناية بالغة في نظافة اللوحة كلون، وفي التدقيق على الخط وكثافته، وأيضاً جمالية الحزن. الحزن الغامض والهادئ الذي يسري في عروق اللوحة خطاً ولوناً، مساحةً وتعبيراً، مسحة تغرينا باستحضار شخوص الفنان الإيطالي موديلياني في سكونها المثير للحيرة تألماً وتأملاً.
ومن الواضح أن الخط يشكل الحضور الأبرز في تقنياته، والأكثر فاعلية وتأثيراً على المستوى التعبيري، فجسد شخوصه يتدلى من أعماق ذاته المرهفة بحزن دفين وقديم، يتلوى في ثناياها راسماً على مسامات لوحاته معالم ذلك الحزن، وذلك الانعزال والوحدة، الأمر الذي ينسحب حتى على اللوحات التي تضم أكثر من شخص، فالحزن لا يتجلى إلا بالوحدة والانعزال والانزواء والتقوقع والسكون، على عكس الفرح الذي يتطلب الجموع والمشاركة.
إن الخط الذي يغرسه كيالي عميقاً في لوحاته، يحفره حفراً على سطح الخشب والقماش، ولا يرسمه رسماً، يحاول من خلاله بث ذلك الحزن المحير في نفوسنا، والذي يغريه بالتسلل فيها، هادئاً رقيقاً وعذباً. وفي نفس الوقت يتسرب ذلك الخط في المساحات اللونية الهادئة والحالمة، ويتماهى معها بحزن، دون بكاء أو نحيب.
وفي شرح المضمون الإنساني الذي تزخر بها لوحات الفنان فإن معظمها يعالج قضايا الأرض والإنسان .. ونجد أنها كانت تتسم بطابع الصمت والقتامة والتعبير المجلل بالرهبة. وهكذا كان الفنان صادقاً مع ما يعتمل في نفسه من الإحساس بالمآسي الإنسانية بشكل عام، وبواقع وطنه العربي بشكل خاص .. مشكلة الإنسان العربي واحتلال أرضه، والعبث بمقدراته، وانتشار الفاقة، وتبدد الأحلام والآمال، كل هذا مضاف إليه حساسية الفنان وتفاعله مع بيئته بصدق واستيعاب .. مما جعل انفعاله يتبلور إلى طابع مأساوي.
"إنه يهتم بتجسيد الإنسان في مظاهره الأكثر حساسية والأكثر شاعرية في إطار حزين" وفقاً للناقد العالمي الإيطالي فاليريو مارياني.‏
وقد التزم كيالي في فنه الموضوعات الإنسانية والوطنية والقومية .. وعبر عنها بمجموعة كبيرة من اللوحات التي حملت التزاماً صادقاً بالمعذبين والفقراء والمنتجين الصادقين البسطاء الطيبين من شعبه. وقد كرس فنه لا سيما بعد العام 1970 للأمومة، والباعة الجوالين، والصيادين، وماسحي الأحذية، وبائعي ورق اليانصيب، والمعوقين، والعاملين في الحقول، وربات البيوت، والمشردين البؤساء. كما رسم الأزهار والطبيعة الصامتة وبلدة معلولا وكان في أعماله كافة، رقيقاً، صامتاً، هادئاً. قدم موضوعه بلغة فنية واقعية مُبسطة ومختزلة، اعتمد فيها على الرسم كقيمة تشكيلية وتعبيرية رئيسة، وعلى المساحات اللونية الشفافة والبسيطة. ‏
وكتب الناقد السوري طارق الشريف في كتاب عنه عن انتقاله من الواقعية إلى الواقعية الشاعرية، ومرحلة البحث عن أسلوب شخصي، ووصوله إلى الواقعية التعبيرية، ثم إلى الواقعية الجديدة .. (تفاصيل هامة ودقيقة ومرتبة عن أعماله الفنية ولوحاته في موقعه على الانترنت http://www.louay-kayali.com)
حالته النفسية: 
أصيب عام 1966 بمرض نفسي وفقاً لما نشره الأستاذ الأديب فاضل السباعي (وهو زوج أخته وعضو اتحاد الكتاب العرب ويكبره بخمس  سنوات) وأدخل المشفى في دمشق وحلب وبيروت خلال 1968-1970 وتحسنت حالته ثم تعرض للانتكاس. وأحيل للتقاعد من الجامعة عام 1971.
وعادت أيامه الذهبية ونشاطاته عام 1973 وأقام عدة معارض وندوات، ورسم لوحة للمتحف الوطني بدمشق "من وحي أرواد" بحجم كبير 400 x 125 سم عام 1976. وفي عام 1977 رسم لوحته "من الريف" للمتحف الوطني في حلب بحجم كبير 300 x 180 سم.
وتعرض لانتكاسة نفسية عام  1977 وباع بيته في حلب ومايملكه وهاجر إلى إيطاليا، ولكنه عاد إلى حلب في شباط 1978 ، مخيب الرجاء، واعتزل الناس وكان يتناول عقاقير منومة. وفي إيلول 1978 احترق في سريره بسبب سيكارة سقطت من يده ونقل إلى دمشق إلى المشفى العسكري بحرستا وفارق الحياة بعدها بثلاثة أشهر تقريباً (1).
وقد وصفت حالته المرضية مرة بأنها "فصام" " فصام بسيط مع هياج جمودي" وأنه كان يعاني من أفكار اضطهادية وهذيانات، ومرة أخرى بأنه كان يعاني من "مرض النفاس الدوري" وفقاً لطبيبه المعالج في حلب.
ويبدو من خلال سيرته الذاتية المطروحة وماكتب عنه من تفاصيل وسلوكيات، والمراحل التي قدمها في فنه، أنه كان يمر بنوبات مرضية وفيها أعراض اكتئابية وذهانية ثم تتحسن حالته، ويعاود نشاطه وحيويته وإنتاجه في فترات أخرى. وربما يرجح ذلك تشخيص اضطراب المزاج ثنائي القطب حيث تحدث فيه نوبات اكتئابية ونوبات أخرى فيها نشاط وحيوية وأيضاً تحدث نوبات مختلطة بينهما.
ولا بد من الإشارة إلى أن مصطلحات الطب النفسي في سورية في تلك الفترة الزمنية كانت ملتبسة وقديمة .. مثل مصطلح مرض النفاس الدوري .. ولكن هذا المصطلح يشير بوضوح إلى اضطراب نفسي دوري وفيه نوبات، وهو يقترب كثيراً من مصطلح اضطراب المزاج ثنائي القطب الحديث.
وهذا الاضطراب له أنواع وله درجات خفيفة أو متوسطة أو شديدة. ويمكن أن يلتبس تشخيصه مع الفصام أو الاكتئاب.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الاضطراب قد عانى منه عدد كبير من الشخصيات المبدعة والشهيرة على المستوى العالمي ومنهم الفنان الهولندي فنسنت فان كوخ وفقاً للدراسات النفسية الحديثة (2)(3).
ويصعب الحديث عن المصابين بالاضطرابات النفسية في العالم العربي عادة ولاسيما في حال الشخصيات الشهيرة لأسباب عديدة تتعلق بالتخلف والجهل والتقاليد والسمعة وغيرها. وفي بلادنا تندر المعلومات والقصص المعروفة المؤكدة عن الإصابة باضطراب نفسي معين عند المشاهير. وفي حالة الفنان الراحل لؤي كيالي استثناء فريد لهذه القاعدة العامة، حيث تم الحديث عن مرضه وحالته النفسية في كتابات عديدة من أهله وأصدقائه. وربما يعود ذلك إلى وعي أهله وأصدقائه وثقافتهم العالية وتفكيرهم الواقعي. وهذا الاستثناء المتميز والهام يستحق الاهتمام والبحث والتقدير من قبل الاختصاصيين والمهتمين بالعلوم النفسية.
وببساطة يمكننا القول أن الفنان المبدع معرض للإصابة بمختلف الأمراض الجسمية والنفسية، مثله في ذلك مثل جميع الأشخاص. وربما يعاني الفنانون والمبدعون بنسبة أكبر من الفئات الأخرى في المجتمع من حالات الاكتئاب، واضطراب المزاج ثنائي القطب، وسوء استعمال الكحول، وغير ذلك، وفقاً لبعض الدراسات الغربية عن الشعراء والفنانين التشكيليين وغيرهم في المهن الإبداعية (4).
ويطرح ذلك ضرورة الاهتمام بهؤلاء المبدعين من النواحي النفسية وتقديم التشخيص المناسب  والعلاج المناسب في الوقت المناسب.
ولا بد من تحسين وتطوير الخدمات النفسية في مجتمعاتنا، وأيضاً تحسين وتطوير الوعي الصحي النفسي العام.
ولابد من التعامل مع الواقع والحقيقة دون تزييف أو مواربة .. ودون إعطاء التبريرات والتفسيرات الخيالية أو الرومانسية للاضطراب النفسي الذي يظهر عند المبدع، لأن الاضطراب النفسي ليس تهمة تحتاج إلى الرد عليها وتفنيدها.
وأخيراً .. يحتاج الاضطراب النفسي إلى التشخيص والعلاج والرعاية، وليس إلى الإهمال والتغطية وسوء التفسير، وكل ذلك يساهم في صحة نفسية أفضل، وفي تحسين أحوال المريض، ويخفف من الخسائر والآثار السلبية الناتجة عن الاضطراب النفسي.
المراجع:
(3)     فان كوغ: حياته وفنه واضطرابه النفسي، د. حسان المالح, مجلة حياتنا التشكيلية، دمشق – سورية، وزارة الثقافة، صيف 2016.
(4)   المهنة والاضطراب النفسي، د. حسان المالح، مجلة الثقافة النفسية المتخصصة، العدد 68 / تشرين الأول 2006.

الثلاثاء، 17 يوليو 2018

الحديث عن ذكريات الماضي السعيدة وعلاج الاكتئاب:

الحديث عن ذكريات الماضي السعيدة وعلاج الاكتئاب:
 د. حسان المالح
 

لوحة  للفنان البريطاني  مارك شيكي Mark Sheeky

إن تذكر الأحداث الجميلة واللطيفة التي عاشها الشخص تساهم في تحسين المزاج وتخفيف الاكتئاب ((Reminiscence Therapy. وذلك من خلال زيادة الثقة بالنفس وتنشيط التفكير الإيجابي وإثارة الانفعالات الجميلة والسعيدة التي يحدثها هذا التذكر.
وتستعمل هذه الطريقة في علاج المرضى الأكبر سناً عادة وفي حالات الخرف المتنوعة. حيث تساهم في تثبيت الذكريات والتخفيف من نقص الذاكرة وتدهورها.
ويتم تطبيق هذه الطريقة العلاجية بشكل جماعي أو بشكل فردي .. وتستعمل الذكريات المكتوبة والصور القديمة التي يحتفظ بها الشخص لإثارة الذكريات الجميلة، إضافة إلى السرد اللفظي. ويجري تحفيز التذكر من خلال إثارة بعض التفاصيل والتعليقات من المعالج.
وهناك دراسات عديدة محكمة تؤكد فائدة مثل تلك الأساليب العلاجية.
ولا بد من الإشارة إلى أن الالتقاء بصديق قديم أو قريب في الحياة اليومية وإثارة ذكريات جميلة قديمة له تأثير واضح ومفيد على تحسين المزاج عند كثير من الأشخاص العاديين وفي مختلف المراجل العمرية.
وكثيراً ما نسعد بلقاء معين بعد الحديث عن ذكريات جميلة قديمة. كما أن ذلك يساهم في توطيد العلاقة مع الآخر وفي قضاء وقت ممتع وجميل للجميع.
ومن المعروف أن كثيراً من أنواع العلاج النفسي الكلامي تقوم على استعادة ذكريات وأحداث مؤلمة والتعبير عنها بعدة أساليب .. وأن الحديث عن تلك الذكريات والجروح المؤلمة يمكن أن يساعد الشخص في التخلص من آلامه ومعاناته .. من خلال آلية التفريغ الانفعالي والحديث عما يثقل الكاهل والصدر (فشة الخلق)، ومن خلال إزالة الحساسية الزائدة والتعود الذي يقلل من الثقل الانفعالي السلبي لهذه الجروح، وأيضاً من خلال إعادة  النظر وتكوين أفكار جديدة مناسبة لفهم تلك الأحداث، وزيادة التفكير الإيجابي عموماً في النظر إلى الأحداث، والذي يتلو التعبير والتفريغ الانفعالي.
ومن المؤكد أن تذكر الأحداث المؤلمة والجروح النفسية المختلفة والحديث عنها في علاقة علاجية له نتائج مفيدة .. وكذلك يفيد هذه التذكر في تحسين الحالة المزاجية والتخلص من بعض التوتر والألم في العلاقات العادية بين الأهل والأصدقاء وغيرهم.
وفي الجانب الآخر من المهم التأكيد على أن الحديث عن الفرح والنجاحات والذكريات السعيدة المتنوعة له نتائج علاجية ثابتة عندما يتم ضمن علاقة علاجية، وأيضاً عندما يحدث في العلاقات الاعتيادية اليومية بين الأصدقاء والأقارب وغيرهم.
وقد عرف الناس هذه الحقائق النفسية منذ وقت طويل .. وبعضهم يلجأ إلى الماضي السعيد وأمجاده ليستمد منه الثقة بالنفس والكرامة في مواجهة واقع متخلف أو تعيس أو مظلم .. وبالطبع من الممكن تحريف هذا الماضي كثيراً أو قليلاً بما يرضي الشخص ورغباته .. وبعضهم الآخر تطرف في ذلك وصار يعيش في الماضي على حساب الحاضر والواقع .. ولا بد من التأكيد على أن الإحباط والصعوبات الحاضرة والواقعية تدفع بالإنسان نحو تمجيد الماضي السعيد وتضخيم أهميته، أو العيش فيه بعيداً عن الواقع الراهن .. وفي الحالين اضطراب واضح وردود فعل غير مناسبة.
ومن المؤكد أن الحنين إلى الماضي شعور طبيعي واعتيادي وهو يساهم في تماسك الذات وفي تكوين صورتها .. وتحتفل كل الشعوب بتاريخها وتراثها وحكاياتها .. وتقدر أبطالها وتصنع لهم التماثيل وتبني المتاحف المتنوعة حفاظاً على الذكرى والإرث والامتداد البشري عبر الأزمنة.
وأخيراً .. وعلى المستوى الشخصي يمكننا القول .. تحدث عن ذكرياتك الجميلة وأوقاتك السعيدة السابقة أحياناً أو مرات عديدة .. ولكن لا تأخذ كل حقائبك إلى الماضي.
" في الذكرى حياة.. قاوم موتك بذكرياتك"، وأيضاً "ذكرياتك الجميلة تجعلك تعيش مرتين.. أو أكثر".
دمشق 17/7/2018

الجمعة، 6 يوليو 2018

حول الجهل والخرافات وأهمية الثقافة النفسية العلمية:

حول الجهل والخرافات وأهمية الثقافة النفسية العلمية:
د. حسان المالح 
ترتبط الخرافات بالتفكير الطفولي وتحقيق الأمنيات بطريقة سريعة وفورية وعجائبية .. ويتعلم الطفل أثناء نموه العقلي خصائص الأشياء وقوانين الفيزياء والكيمياء وغيرها من تفاصيل العالم المادي .. وينمو التفكير العلمي والمنطقي تدريجياً .. وأما التفكير النقدي ومراجعة البديهيات التي نحملها فهي مرتبطة بأساليب التربية والتنشئة الاجتماعية وبنية المجتمع الكبير الذي نعيش فيه. وكلما كانت مناهج التفكير والتعليم تقليدية وقديمة وثابتة، كلما ضاع التفكير النقدي والعلمي.
ويؤكد التعليم الحديث على تنمية التفكير النقدي والتساؤل  ووضع الفرضيات المختلفة واختبارها بشكل علمي وفقاً لطرق البحث العلمي الحديثة. بينما يؤكد التعليم القديم على الحفظ  والتكرار وتداول المسلمات والشائعات وتعاليم الآباء والأجداد بقدسية خاصة غير قابلة للنقاش أو الجدال إلا في حدود ضيقة.
وترتبط الظواهر النفسية المختلفة الطبيعية والمرضية بخرافات كثيرة موروثة وشائعة .. ومنها الساحر والمسحور والجني الصالح والجني الشرير والوصفات العلاجية العجيبة .. وتمتلئ أحاديث العامة والخاصة بخرافات متداولة وسلوكيات غير نافعة تجعلنا ندور طائعين تحت أوهامها ونتائجها الضارة أو الكارثية في كثير من الأحيان.
وللمرأة نصيب أكبر من الخرافات .. بسبب الجهل ونقص التعليم وأيضاً بسبب قابليتها للخضوع الاجتماعي والموافقة والتسليم أكثر من الرجل.
وفي المجال العيادي اليومي لا بد من التأكيد على تخفيف الأضرار الناتجة عن الخرافات والابتعاد عن السلوكيات المؤذية التي تؤخر العلاج الطبي المناسب .. ولا بد من زيادة الوعي العلمي والطبي والنفسي المرتبط بميدان الصحة النفسية واضطراباتها عبر كل الوسائل الممكنة التثقيفية والتعليمية والندوات والمحاضرات والكتب والمقالات وغيرها.
وعندما تنتشر الثقافة النفسية الصحية العلمية تتقلص ثقافة الخرافات وتنزوي إلى دوائر ضيقة ومحدودة .. وللأسف فإن الجهل والتجهيل لا يزال غالباً في مجتمعاتنا .. والثقافة العلمية والنفسية هي التي يتقلص وجودها إلى دوائر ضيقة ومحدودة.
وبالتأكيد فإن إضاءة شمعة أفضل من أن نلعن الظلام ألف مرة ومرة.
دمشق 4/7/2018





الجمعة، 25 مايو 2018

هل كان "المتنبي" يعاني من اضطراب المزاج ثنائي القطب؟


هل كان "المتنبي" يعاني من اضطراب  المزاج ثنائي القطب؟
د. حسان المالح
استشاري في الطب النفسي - أستاذ في الجامعة العربية الدولية - دمشق 2322841 
الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي (أحمد بن الحسين ، أبو الطيب الجعفي الكوفي) ولد في الكوفة (العراق) وتنقل بين بلاد الشام ومصر وفارس ومات في العراق (915- 965 ميلادية). وهو شاعر عباسي عاش في فترة نهاية الدولة العباسية وتفككها، وهو من أشهر شعراء العرب. وكتب عن شعره وشخصيته الكثير. وهو يوصف بأنه "ملأ الدنيا وشغل الناس" تقديراً لشعره وعظمته وعبقريته (1).
ومن النواحي النفسية كتب عنه أنه كان يعاني من "جنون العظمة" من خلال سلوكه وشعره وإدعاءاته، أو أنه كان يعاني من "نوبات اكتئابية"  واضحة كما في قصيدته الشهيرة "الحمى" .. وقد ظن معظم الدارسين أنه يقصد الحمى المعروفة بارتفاع الحرارة ولكن عميد الأدب العربي المعاصر طه حسين أكد أنه لم تكن هناك حمى بل كانت القصيدة وصفاً دقيقاً لحالة اكتئابية (2).
وتتضمن سيرة الشاعر وسلوكه .. تنقلات وأسفار متعددة، صراعات مع الخلفاء والأمراء والشعراء، طموحات  نحو المجد والعلا والمناصب (طموحات مادية ومعنوية)، غزارة إنتاجه الشعري (326 قصيدة) وتنوع موضوعاته (مديح ورثاء وفخر وهجاء وغزل وحكمة).
وقد مدح نفسه وعظم قدراته، واشتهر ببلاغته وهجائه وحكمته ونظرته العميقة للإنسان والحياة. وأخيراً كان لديه مغامراته وأسفاره وركوبه مخاطر متعددة .. والتي انتهت بمقتله مع ابنه وغلامه في عمر خمسين عاماً.
وقد تضاربت الآراء حول لقبه "المتنبئ" وقد خفف اللفظ إلى المتنبي .. ومنها أنه ادعى النبوة وقاد فرقة قرمطية وحبس سنتين حتى استتاب.
ومنها تعاليه وتعاظمه في شعره مثل قوله: أنا في أمة تداركها الله .. غريب كصالح في ثمود،
أو قوله: ما مقامي في أرض نخلة .. إلا كمقام المسيح بين اليهود (3).
ومن النواحي النفسية العيادية يعتبر المتنبي شخصية مبدعة أنتجت شعراً بليغاً متميزاً ومتفوقاً، وترافقت سيرة حياته مع نجاحات باهرة وإحباطات مريرة واندفاعات متهورة متعددة.
وعلى الأرجح يبدو أنه تعرض لنوبات أكتئابية (2) .. ولكن هذه النوبات (كما في قصيدة الحمى) تضمنت عدة أعراض هامة مثل طلاقة التعبير وتسارع الأفكار وتشتتها (مشاعر وأفكار اكتئابية + كلام زائد + انتقال وقفز من فكرة إلى أخرى) وهي أعراض تدل (وفقاً لمعايير الطب النفسي الحديثة) على اضطراب المزاج ثنائي القطب وليس على الاكتئاب وحيد القطب أو غيره.
يضاف إلى ما سبق فإن لديه مجموعة من السلوكيات والأعراض في فترات زمنية أخرى، والتي تدل على ارتفاع المزاج وازدياده (الهوس – الزهو)، وارتفاع المزاج هذا يمكن أن يترافق مع أفكار أوهذيانات العظمة بدرجات متفاوتة في شدتها أو في استمراريتها (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي .. وأسمعت كلماتي من به صمم).
وترجيح تشخيص اضطراب المزاج ثنائي القطب لدى المتنبي لا ينقص من قدره شيئاً .. وكثير من عظماء التاريخ الماضي والحاضر في مختلف المجالات ربما كانوا يعانون من هذا الاضطراب (راجع مقالتي شخصيات عالمية شهيرة لديها اضطراب المزاج ثنائي القطب) (4).
ومن الملاحظ أن عدداً من المشاهير يفضلون أن يقال عنهم أنهم مروا بحالة اكتئابية لأن الاكتئاب أقل ارتباطاً بالوصمة الاجتماعية السلبية .. وتشارك وسائل الإعلام المختلفة في هذا الخلط وكذلك العامة .. وأما من النواحي الطبية والعلمية فإن هناك اختلافات عديدة بين الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب من ناحية الأعراض والسيرة الحياتية والعلاج، ومن الضروري التمييز بينهما بالنسبة للعامة وللاختصاصيين أيضاً.
ولا بد من تعديل النظرات الاجتماعية السلبية حول جميع الاضطرابات النفسية بما فيها اضطراب المزاج ثنائي القطب في مجتمعاتنا العربية .. حيث تحاط الأمور النفسية بكثير من السرية والإخفاء وأيضاً بالإهمال والتجاهل.
وبالطبع فإن هذا الاضطراب يمكن أن يصيب مختلف الشرائح الاجتماعية .. وله درجاته الخفيفة أو المتوسطة أو الشديدة .. وهو يصيب المشاهير أيضاً في مختلف مجالات الشهرة .. كما أنه يرتبط بالعملية الإبداعية عموماً.
والتعرف على هؤلاء المشاهير وأنهم كانوا يعانون من هذا الاضطراب من الممكن له أن يساهم في تعديل النظرات السلبية الشائعة في المجتمع حول الاضطرابات النفسية.
ومن ناحية أخرى يفيد ذلك في فهم العمليات اﻻبداعية وتطبيقاتها المتنوعة العملية والتربوية والأكاديمية.
كما يساهم ذلك أيضاً في زيادة الوعي النفسي العام في المجتمع مما يؤدي إلى التعرف على اﻻضطراب النفسي مبكراً وعلاجه والتخفيف من آثاره السلبية، مما يساهم في تقدم وتطور المجتمع وصحته النفسية.
دمشق 25/5/2018
المراجع:

الخميس، 17 مايو 2018

الشخصية الطبيعية والشخصية المرضية واختبارات الشخصية الحديثة:

الشخصية الطبيعية والشخصية المرضية واختبارات الشخصية الحديثة:
د. حسان المالح
مقدمة:
إن محاولة فهم الشخصية الإنسانية ووصفها وتصنيفها إلى فئات وأنماط مختلفة له تاريخ بعيد في ميدان علم النفس .. وهو موضوع مثير وشيق لأنه يفتح لنا باباً لفهم ماهو ضروري ومفيد عن أنفسنا وعن الآخرين.
وإذا كان وصف وتصنيف الشخصية دقيقاً وصحيحاً فإنه من الممكن التعرف على الشخص بسرعة أكبر وعلى إمكانياته وأيضاً توقع سلوكه وما يمكن أن يقوم به.
وقد صنف أبقراط اليوناني  (Hippocrates) (حوالي 400 ق.م  وهو يعتبر أبو الطب تاريخياً) الشخصيات إلى أربعة أنماط  وهي الشخصية الدموية: حيوية ونشيطة واجتماعية، والشخصية السوداوية: دقيقة ومتشائمة وحزينة، والشخصية الصفراوية: عصبية ومتقلبة المزاج وقيادية، والشخصية البلغمية: هادئة وعميقة ومتبلدة.
وهذا التصنيف وفقاً لأخلاط (سوائل) الجسم الأساسية المسيطرة في جسم الشخصية .. وبالطبع هذا التقسيم غير دقيق وخرافي بالنسبة للنظريات الحديثة ولكنها محاولة لفهم وتصنيف الشخصيات لها أهميتها التاريخية.
وفي العصر الحديث قام عالم النفس شيلدون ( حوالي 1940) بتقسيم الشخصيات إلى 3 أنماط وفقاً لبنية الجسم الظاهرية وهي: البدين وهو بطيء ومرح واجتماعي، والعضلي وهو مسيطر ومغامر وعدواني، والنحيف وهو انطوائي وحساس وسري.
وبالطبع فإن هذه الصفات والملاحظات صحيحة ولكنها تنطبق على بعض الأشخاص فقط ولا يمكن تعميمها.
وهناك نظريات أخرى عديدة لفهم وتصنيف الشخصية ومنها نظرية فرويد وبنية الأنا والأنا العليا والهو، ونظريات سلوكية ومعرفية لفهم الشخصية مثل نظريات العلماء ثورنديك وسكينر وباندورا، ونظريات إنسانية مثل نظريات العلماء ماسلو وروجرز، وغيرها من النظريات.
العوامل الخمسة الأساسية في الشخصية:
يبدو أن دراسة الشخصية وتصنيفها من خلال أساليبها وصفاتها المميزة لها هو الأسلوب الأوسع انتشاراً في الأوساط النفسية والعامة في القرن العشرين والوقت الحالي .. وقد بدأ ذلك مع علماء نفس مثل ألبورت وكاتل وأيزنك وصولاً إلى نظرية العوامل (الأبعاد) الخمسة الأساسية في الشخصية.
حيث طرح كوستا وماكري (Paul Costa & Robert Mcrae) مقياس العوامل الخمسة الأساسية للشخصية ((NEO-FFI-S عام 1992. ويعتمد هذا الاختبار (المقياس) على مبادئ إحصائية واجتماع عدد من الصفات معاً على "بعد" أو "محور- عامل" في الشخصية من صفر إلى 100 والصفات متناقضة على طرفي كل "بعد" مثل: السيطرة – الخضوع والانبساط – الانطوائية وهكذا ..
وقد تطورت هذه النظرية خلال سنوات قبل ذلك واعتمدت على من سبقها من علماء الصفات وأخذت منهم. كما أن هناك عدة تعديلات لهذا المقياس ونسخ مطولة أو مصغرة منه.
والمقياس المذكور يضم 60 سؤالاً أو عبارة تتم  الإجابة عنها بخمسة احتمالات: أوافق بشدة – أوافق – حيادي – لا أوافق بشدة – لا أوافق.
وبناء على نتائج الإجابات يتم عرض نتائجك على هذه الأبعاد (العوامل) الخمسة وهي على الشكل التالي:
العامل الأول: العصابية – التوازن (Neuroticism)
الأشخاص الذين يحصلون على درجات عالية على هذا العامل يتميزون بصفات مثل: انخفاض تقدير الذات –  قابلية للإنجراح – عدائية – اندفاعية –  انفعالية - توتر وقلق - اكتئاب وغيرها.
والأشخاص الذين يحصلون على درجات منخفضة على هذا العامل يتميزون بالتماسك والنضج الانفعالي والتوازن.
العامل الثاني: الانبساطية (الانطلاقية، المخالطة، الخروج خارج الذات) – الانطوائية Extroversion) Introversion-)
الأشخاص الذين يحصلون على درجات مرتفعة على هذا العامل يتميزون بعلاقات وتفاعلات اجتماعية كثيرة ونشاطات متعددة ومخالطة، إضافة إلى كثرة الكلام والسيطرة وتأكيد الذات والبحث عن الإثارة الحواسية.
وعكسهم يتميزون بالانطوائية والنشاطات الفردية الذاتية والهدوء والتحفظ  والصمت والسلبية.


العامل الثالث: الانفتاحية (الانفتاح على الخبرة) - الانغلاقية (Openness- Closedness)
يتميز الأشخاص الذين يحصلون على درجات عالية على هذا العامل بأنهم يهتمون بالثقافة والفن والجمال والنضج العقلي وأنهم خياليون وابتكاريون ويهتمون بما هو جديد.
وعكسهم العمليون بطبيعتهم والتقليديون، وأفكارهم مقيدة وجامدة واهتماماتهم محدودة.
العامل الرابع: الضمير الحي (الضمير اليقظ – حيوية الضمير) – الضمير الضعيف
 (Conscientiousness Undependability-)
ويتميز الأشخاص الذين يحصلون على درجات عالية على هذا العامل بالترتيب والنظام والالتزام بالواجبات والمثابرة والطموح والكفاءة والجدارة وضبط الذات وتحمل المسؤولية ويمكن الاعتماد عليهم.
والعكس بالعكس في صفاتهم وسلوكهم (فوضوي – مهمل – لا يعتمد عليه).
العامل الخامس: القبول الاجتماعي (التوافق – الطيبة) – تنافر(تخاصم) (Agreeableness-Antagonism)
يتميز الأشخاص الذين يحصلون على درجات عالية على هذا العامل بالتعاطف الوجداني مع الآخرين والإيثار والدفء والتواضع وحسن المعشر (حباب).
والعكس بالعكس في صفاتهم وسلوكهم (قاسي – بارد – غير محبوب).
ويمكن اختصار هذه العوامل الخمسة بالانكليزية بكلمة OCEAN لتسهيل حفظها Openness - Conscientiousness -Extroversion  - Agreeableness - Neuroticism.
ويعتبر نموذج العوامل الخمسة في الشخصية من أهم النماذج والتصنيفات التي فسرت سمات الشخصية في وقتنا الحاضر، وهو يتميز بلغته السهلة والواضحة للعموم. وقد بينت الدراسات صدق هذا النموذج في عديد من اللغات العالمية. وأمكن تطبيق هذا النموذج على الأطفال والمراهقين أيضاً.
ويساعد هذا المقياس في التوجيه الإرشادي والمهني، وهو يساعد على فهم الشخص ككل وعلى كيفية التعامل معه.
وقد بينت الدراسات أن النساء يحصلون على درجات أعلى من الرجال في عامل العصابية، وأن العصابية والانبساطية تتناسب عكساً مع العمر .. أي أنها تقل مع التقدم في العمر.
وكذلك بينت الدراسات أن الأشخاص الأكبر سناً لديهم درجات أعلى على عامل الضمير اليقظ مقارنة مع الأشخاص الأصغر سناً.
وأيضاً هناك علاقة بين المستوى التعليمي ودرجة الانفتاحية، وأن القبول الاجتماعي يرتبط إيجابياً مع الضمير اليقظ، وغير ذلك من النتائج المفيدة.
وهناك تطبيقات لهذا المقياس في المجالات التربوية والانتاجية المختلفة. ومنها أن الضمير اليقظ يؤدي إلى النجاح الوظيفي. وأن درجات عالية على عامل الضمير الحي وعلى عامل الانفتاحية  يرتبط إيجابياً بالموافقة على المتقدمين للعمل في الطب والتكنولوجيا ووكالات التأمين والتجارة والتمريض والسكرتارية.
وقد بينت الدراسات أنه من الممكن التنبؤ بعدد من الأمور الهامة في حياة الشخص مثل سعادته ونجاحه الأكاديمي ومشكلات علاقاته وسلوكه الإجرامي وتوظيفه، وغير ذلك.
وهناك دراسات عديدة ومتنوعة حول تطبيقات هذا المقياس في البيئة العربية في ليبيا والكويت ومصر والعراق وغيرها.
وقد أعد ترجمة هذا المقياس إلى اللغة العربية د. محمد بدر الأنصاري عام 1997(الكويت).
ومن المفيد أن نعلم أن العوامل الخمسة في الشخصية ترتبط بالوراثة والبيئة معاً حيث بينت الدراسات على التوائم الحقيقية أن بعد الانفتاحية يرتبط بنسبة 61% بالوراثة، وبعد الانبساطية يرتبط بنسبة 53%، وبعد الضمير اليقظ يرتبط بنسبة 44%، وبعد العصابية والقبول الاجتماعي يرتبطان بالوراثة بنسبة  41%.
بين التصنيف الكمي والتصنيف النوعي لاضطرابات الشخصية:
هناك اتجاهات حديثة في الدراسات الغربية لفهم اضطرابات الشخصية المرضية من خلال احتواء نظرية الأبعاد الخمسة للشخصية والتي تتحدث عن الشخصية السوية عادة.
حيث يمكن اعتبار الشخصيات المرضية أنها انحراف وتطرف في الصفات الاعتيادية للشخصية الموجودة على الأبعاد الخمسة .. ومثلاً فإن الشخصية المرضية المضادة للمجتمع لديها صفات الخداع والاستغلال والعدوانية وهي من صفات "بعد" القبول الاجتماعي السلبية (التخاصم، التنافر)، ولديها أيضاً صفات اللامسؤولية والإهمال والتهور وهي من صفات "بعد" الضمير اليقظ السلبية (الضمير الضعيف ، لا يعتمد عليه)، ولديها صفات البحث عن الإثارة وتأكيد الذات وهي من صفات "بعد" الانبساطية المتطرفة.
وقد تضمن الدليل التشخيصي الأمريكي الحالي DSM5 عام 2013، تصنيفاً بديلاً للشخصيات المرضية ضمن فكرة الأبعاد وأن اضطراب الشخصية هو تدرج من الطبيعي إلى المرضي وفقاً لعدد الصفات والسلوكيات. وهذا يسمى التصنيف الكمي. لكن الدليل المذكور أبقى على التصنيف النوعي للشخصيات المرضية وجعلها اضطرابات محددة تحتاج إلى التشخيص والعلاج، وهي عشرة أنواع:
اضطراب الشخصية الزورية (الشكاكة) - الشخصية الفصامية - الشخصية ذات النمط الفصامي - الشخصية المضادة للمجتمع - الشخصية النرجسية - الشخصية الحدودية - الشخصية الهيستريائية - الشخصية التجنبية - الشخصية الاعتمادية - الشخصية الوسواسية *.
إضافة إلى اضطراب شخصية محددة أخرى، ويستعمل هذا التشخيص في حال وجود اضطراب شخصية آخر يختلف عن الاضطرابات العشرة المذكورة، واضطراب شخصية غير محدد، وهو يستعمل في حال وجود اضطراب شخصية لكن لا تنطبق عليه بشكل كاف صفات أي من اضطرابات الشخصية العشرة المذكورة.
ووفقاً للتصنيف البديل في الدليل المذكور نجده يتضمن تصنيفاً مزيجاً نوعياً وكمياً (وليس كمياً فقط) لاضطرابات الشخصية المرضية .. حيث طرح الدليل 6 اضطرابات للشخصية فقط وهي:
الشخصية ذات النمط الفصامي  )Schizotypal( - الشخصية المضادة للمجتمع) Antisocial(- الشخصية النرجسية  )Narcissistic(- الشخصية الحدودية ((Borderline- الشخصية التجنبية (Avoidant) - الشخصية الوسواسية  )(Obsessional.
وتم استبعاد الشخصية الزورية والفصامية والهيستيرية والاعتمادية.
وتضمن أيضاً تصنيفاً يعتمد على الصفات الخمسة الأساسية في حال لم تنطبق معايير التشخيص المحددة للاضطرابات الستة المذكورة.
وتم طرح عدد من المسميات المعدلة لهذه الصفات الخمسة الأساسية، حيث تم التأكيد فيها على الجوانب المرضية أولاً .. وهي كما يلي:
1- الانفعالات السلبية Negative Affectivity (بدلاً عن العصابية) – التوازن الانفعالي Emotional Stability
ويضمن ذلك القلق والاكتئاب والشعور بالذنب والغضب وسلوكيات مرافقة مثل  إيذاء النفس والاعتمادية. تغير في الانفعالات وشدة ظهورها وعدم تناسبها مع الموقف  الذي يثيرها، خوف من الرفض وخوف من الانفصال، الخضوع، وغير ذلك.
2- الانسحاب  Detachment (بدلاً عن الانطواء) – الانبساطية  Extraversion
ويتضمن ذلك الانسحاب من التجارب الاجتماعية الانفعالية وتجنب العلاقات الحميمة ومشاعر اكتئابية وشك  وبرود انفعالي وغيره.
3- التخاصم Antagonism – القبول الاجتماعي Agreeableness
ويتضمن ذلك الشعور بالتفوق على الآخرين وعدم التعاطف معهم وضعف إدراك مشاعرهم وسلوكيات احتيالية ومخادعة مع غضب وقسوة وغيرها.
4- عدم التحفظ (الانفلات) Disinhibition – الضمير اليقظ  Conscientiousness
ويتضمن ذلك  الاتجاه للإرضاء الفوري للرغبات والاندفاعية دون حساب للعواقب وعدم المسؤولية في السلوك وضعف التخطيط  وصعوبة التركيز على عمل معين والبحث عن المغامرات، وفي الجانب الآخر الاصرار الجامد على الاتقان وضياع الوقت في الدقة والتفاصيل وصعوبة تغيير الآراء وغير ذلك.
5- الذهانية  Psychoticism (بدلاً عن الانفتاحية) – الصفاء العقلي Lucidity
ويتضمن ذلك غرابة في التفكير والتجارب الحواسية وقراءة الأفكار  وغيرها.
ويضم التصنيف 25 صفة مرضية للاختيار منها وتشخيص الشخصيات الستة المذكورة. بينما يضم مقياس العوامل الخمسة 100 صفة).
وببساطة فإن إدراج هذا التصنيف في الدليل الأمريكي الخامس يدل على التأثير الواضح لنظرية العوامل الخمسة (ومايشبهها من مقاربات) في الوقت الحالي .. وربما نشهد في التصنيفات القادمة تعديلات أكبر في التشخيص الأمريكي للاضطرابات النفسية باتجاه التصنيف الكمي.
وتؤكد بعض الدراسات أن اعتماد معايير العوامل الخمسة في تشخيص اضطرابات الشخصية يمكن له أن يفتح مجالات أوسع لعلاج هذه الاضطرابات بأساليب علاجية متنوعة بما فيها العلاجات الدوائية، بينما هناك ندرة في الدراسات العلاجية للشخصيات المرضية وفقاً للدليل الأمريكي (ما عدا اضطراب الشخصية الحدية) وذلك لتنوع الحالات وعدم تجانسها ضمن التشخيص الواحد.
إضافة لذلك يمكن لمعايير العوامل الخمسة في تشخيصها للشخصيات المرضية أن تساهم في تخفيف الوصمة السلبية المرتبطة باضطرابات الشخصية. لأن التصنيف المعتمد على العوامل الخمسة يفسح المجال للتعرف على نقاط إيجابية في الشخصية يمكن الاستعانة بها في علاج وتأهيل المريض. كما بينت دراسات أخرى أن ثبات التشخيص وفقاً لنظرية العوامل الخمسة أفضل من ثبات تشخيص الدليل الأمريكي بالنسبة للشخصيات المرضية.
وبالطبع فإن هناك انتقادات وتعديلات وتطورات ودراسات مستمرة في موضوع العوامل الخمسة للشخصية وفي تشخيص اضطرابات الشخصية المرضية .. وكل ذلك يساهم في تطوير وتحسين الممارسة العلاجية الطبية والنفسية.
كلمة أخيرة:
لا بد من الإشارة إلى أن تقييم الشخصية ووصفها يتضمن عدة أساليب ومنها اختبارات الشخصية المتنوعة مثل مقياس ماير – بريغز لنمط الشخصية MBTI  وهو يفيد في التوجيه المهني ويقسم الأشخاص إلى 16 نمطاً محدداً، واختبار منيسوتا متعدد الأوجه MMPI وهو اختبار طويل وفيه حوالي 550 سؤال ويستعمل في الحالات العيادية المرضية وفيه مقياس لكذب المفحوص، وأيضاً الاختبارات الإسقاطية المختلفة ومنها اختبار رورشاخ (بقع الحبر) واختبار رسم الشخص وغيره.
كما أن المقابلة الشخصية والتعرف على الشخص بشكل عملي وواقعي مفيد جداً في تقييم الشخصية وكذلك سيرة حياة الشخص وأية معلومات أخرى عنه من الآخرين.
وبالتأكيد فإن موضوع فهم الشخصية الطبيعية أو المرضية موضوع بالغ التعقيد .. وقد حاولت تبسيطه قدر الإمكان في هذه المقالة.
وفي الأثر حول معرفتك لشخص ما .. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هل تعرفه؟ هل سافرت معه؟ .. فأنت لا تعرفه!!
ملاحظة:
يمكنك إجراء اختبار العوامل الخمسة الكبرى والتعرف على شخصيتك ونسبتك المئوية على كل عامل باللغة الانكليزية المبسطة من خلال الرابط التالي مجاناً (هناك روابط أخرى أيضاً يمكنك البحث عنها)
المراجع:
* أنظر إلى مقالتي "الشخصيات الصعبة في الحياة اليومية" في مدونة حياتنا النفسية 
- علم النفس (كتاب مترجم)- طبعة 2- سبنسر إيهراثوس (2011) دار الفكر- دمشق، سورية.
- مقدمة في علم النفس (كتاب جامعي) د. حسان المالح - منشورات الجامعة العربية الدولية - دمشق، سورية - 2018 (قيد الطباعة والنشر).
- محمد بدر الأنصاري، أحمد عبد الخالق (1996) مدى كفاءة قائمة العوامل الخمسة الكبرى في المجتمع الكويتي، مجلة علم النفس العدد 83 ، السنة العاشرة، الهيئة المصرية العامة.
- DSM- 5, American Psychiatric Association,2013